حكايات الحافة المطلة على العالم للكاتب أحمد الحقيل..
مزاج حر ومفتوح في حوار الذات مع تاريخها ومع حياتنا اليومية
في فصول وقصص كتاب الحافة المطلة على العالم للكاتب أحمد الحقيل، حكايات ومواقف وحوارات إنسانية واجتماعية، ونظرة تتجدد وتتغير، وتبقى مطبوعة في الذاكرة وتترك أثرا، فن كتابة عالي في مشاهد تشعر أحيانا أنها مألوفة أو كأنك مررت بها، وهذا يحسب لهذا الكتاب القصصي أو الروائي، الذي كانت قصصه أو فصوله المتتالية حرة، فن كتابة يتجدد في نفس اللحظة، على طريقة بطلها الذي يبحث عن حريته ومزاجه وذاكرته، في كتاب ممتع ومشاهد اجتماعية وحوارات حيوية ومتنوعة. (عندك وفرة في الوقت وفرة في الإمكان وفرة في المزاج، وربما لو أردنا أن نشعرن قليلا: عندك وفرة في راحة البال، لكن هذا لا يهم، المهم هو ايحاء الصورة، ورمزيتها التي كلما رأيتها حتى الان وأنا أكتب وهي معلقة أمامي على الجدار ذكرتني بانطباعي الطفولي عن الناس، الذين هم في مثل عمري الان بإمكانهم أن يذهبوا إلى حيث يريدون، أن يفعلوا أي شيء يشتهون، أن يغيروا خططهم وأن يكسروا طارتهم، وأن يجروا لحظتهم وأن يفاجئوا أنفسهم مدفوعين برفاهية نزواتهم وفائض حريتهم وأريحية أمزجتهم). هذه هي الحالة المركزية في مشاهد وقصص الكتاب، والتي تسير قصص الكتاب على منوالها المشوق في أفكاره ومشاعره. أنا أكتب إذن أنا موجود.. وربما ضمير المتكلم ليس أنا، هو نحن جميعا، في سؤال الوجود، ليس لكاتب النص فقط ولكن لشخصيات الحكاية، هذا السؤال الكبير يشكل عالما قائما بذاته، تحول في المشاهد المطلة على العالم، بهذه اللغة السلسة والمتدفقة بجمال وابداع، إلى تفاصل يومية في حياتنا، والى حالات تأمل في طفولتنا وشبابنا المبكر، وفي التحولات التي تطرأ على نظرتنا لتفاصيل صغيرة ومتنوعة في حياتنا. هذه النظرة المتجددة والمتغيرة للإنسان خلال مراحل عمره، هي ما أعطى فصول وقصص ومشاهد هذا الكتاب، تنوع وغنى وتشويق من طريق توالي المشاهد، في البيت والشارع والحارة والمقهى ومكان العمل. حوارات وأسئلة حية، مثل محاولة لقراءة حالنا وأحوالنا مع كل تحول شخصي أو اجتماعي، حين يعود بنا فن الذاكرة إلى مشهد قديم من حياة الطفولة أو الشباب المبكر، يكشف لك معنى مشهد في هذه اللحظة، في لقاء أو حوار، في كل لحظة وفي كل مكان، وهو ليس مجرد سؤال فلسفي، لكنه يتحول إلى رؤية تحرك ذاكرتنا وتحاول أن تكشف ما حولنا، ويصبح له علاقة بموضوع المشهد في القصة، وله علاقة بشخصيات لها أحلام وطموحات وذكريات تحولت مع هذه اللغة الممتعة الى فن ذاكرة. مزاج حر ومفتوح في حوار الذات مع تاريخها ومعنا ومع حياتنا اليومية، في حكايات ومشاهد الحافة المطلة على العالم، كتابة في لحظات حرة لا تنتهي، وكل لحظة لا تتوقف عند نقطة، حكاية مفتوحة على كل الاحتمالات، اللحظة التي تلد لحظة أخرى وحكاية تلد حكاية أخرى: (لطالما كنت مهووسا بهذه الصورة، حتى أني عثرت على هذا الشخص عندما كنت أكتب روايتي طرق ومدن، واعتقد أن سبب الهوس بهذه الصورة يأتي من أنها تخاطب الطفل الذي مازال في مكان ما من الوجدان الكامن بين الوعي واللاوعي، مثل حلم الطفل الذي كان يرى أن الشباب هو الحرية، وأنت طفل أول شيء تحلم به هو سيارة على الأقل في الزمن الذي نشأت فيه لأن، السيارة تأخذك إلى أي مكان. ليس مهما المكان، المكان عرضي طاريء افتراضي قابل للتحول، المهم هو السيارة لأنها الوسيلة والغاية التي تعطيك فرصة اختيار هذا المكان). يقرأ الانسان كتابا بشخصية واضحة وثابتة، وحين ينتهي من هذا الكتاب، تظهر له ملامح شخصية أخرى، عليها علامات جديدة وقناعات جديدة تحت الاختبار، وهذا ما يبدو لي بعد قراءة الحافة المطلة على العالم، عمل أدبي متنوع ومبدع وفيه رؤية جديدة ومختلفة لحالات وتفاصيل صغيرة، رؤية متجددة للعالم وللحياة ولفن الكتابة، كتاب تركت مشاهده وبالذات حوارات شخصياته، أثرا من قناعات إنسانية واجتماعية جديدة، تزاحم قناعات سابقة وثابتة، وتضيف لها قناعات مختلفة ورؤية جديدة. (أصيبت والدتي بفايروس كورونا وأنا أصبت أيضا وفقد حاسة الطعم ثم حاسة الشم ولكني أعمل طوال اليوم وأحاول إغلاق المشروعات والملفات المعلقة قبل استقالتي، واتلقى كالعادة 300 تنبيه اخباري يوميا، واستقبل اتصالات حول أخبار معقدة، واعتراضات حول ما سوف ينشر وتحديثات حول قضايا مرفوعة بسبب ما نشر). وهكذا في النوم كما يرى الكاتب أحمد الحقيل، حين ينام الانسان شخصا ويستيقظ شخصا آخر، كل الأمجاد التي بنيت والخيبات التي استحكمت، قد تمسحها غمضة عين وانعدام وجود، لتصحوا مجردا من المجد الذي بنيت محررا من الخيبة التي حصدت.