وفرة المنابر وندرة الأسئلة..

إلى أين يتجه وعينا الثقافي؟

هل تُقاس نهضة المجتمعات بعدد ما تنظمه من أمسيات وندوات ومعارض، أم بنوعية الأسئلة التي تطرحها، والمعرفة التي تنتجها، والتحولات التي تحدثها في وعي الإنسان؟ وهل يعكس اتساع النشاط الثقافي تنوعًا حقيقيًا في مجالات المعرفة، أم أننا نعيد أحيانًا إنتاج أنماط مألوفة من اللقاءات، بينما لا تحظى بعض القضايا الفكرية والعلمية والنقدية بمساحة تتناسب مع أهميتها؟ ليست القضية في كثرة اللقاءات الأدبية؛ فالأدب ذاكرة إنسانية وضرورة حضارية تسهم في تشكيل الوجدان وصقل اللغة والخيال ، وإنما في قدرتنا على بناء مشهد ثقافي تتكامل فيه الآداب والفلسفة والعلوم والفنون البصرية، ويتحول فيه الجمهور من متلقٍ للمعلومات إلى شريك في إنتاج المعرفة ومساءلتها. كشفت الهيئة العامة للإحصاء أن نسبة سكان المملكة الذين زاروا أماكن الفعاليات أو الأنشطة الثقافية خلال عام 2025 بلغت 75.3%، وهو مؤشر على اتساع المشاركة الثقافية، لكنه يدعونا إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا بعد المشاركة؟ وهل تتحول التجربة الثقافية إلى معرفة ممتدة، أم ينتهي أثرها بانتهاء الفعالية؟ إن التمييز بين الحضور والمشاركة والأثر المعرفي يمثل مدخلًا لفهم التحدي؛ فامتلاء القاعات لا يعني بالضرورة تنامي التفكير النقدي، كما أن كثرة المعارض لا تعني تلقائيًا تطور الثقافة البصرية ، وقد يحقق لقاء محدود الحضور أثرًا علميًا يمتد لسنوات، بينما تنتهي فعاليات أخرى دون مخرجات تتجاوز التوثيق الإعلامي. وتقدم التجربة النمساوية في «مهرجان آرس إلكترونيكا»، الذي يقام بمدينة لينتس، نموذجًا لتجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات؛ إذ جمعت نسخة عام 2024 نحو 1,260 مشاركًا من 67 دولة، وقدمت 498 فعالية، وسجلت أكثر من 112 ألف زيارة ، وتكمن أهمية التجربة في جمع الفنانين والعلماء والمطورين لمناقشة قضايا الذكاء الاصطناعي والمناخ والتحولات التقنية من خلال التجارب الفنية والحوارات البحثية. وفي فنلندا، يقدم «مركز هيوريكا الفنلندي للعلوم» بمدينة فانتا نموذجًا آخر، حيث يستقبل نحو 300 ألف زائر سنويًا في المتوسط، ويحول المفاهيم العلمية إلى تجارب تفاعلية تسمح للجمهور بالمشاهدة والمشاركة والاكتشاف ، وهنا لا تكون المعرفة خطابًا يُلقى، بل تجربة تُعاش، ويصبح السؤال نقطة البداية لا خاتمة اللقاء. وتكتسب هذه النماذج أهمية خاصة عند النظر إلى الفنون البصرية؛ فالمعرض التشكيلي ليس مجرد مساحة لتعليق اللوحات، والعمل الفني ليس مهارة تقنية أو تكوينًا لونيًا فحسب، وإنما خطاب معرفي تتقاطع فيه الفلسفة والهوية والذاكرة وعلم النفس والتاريخ والتكنولوجيا. ومن المؤسف أن بعض الأنشطة التشكيلية قد تنتهي عند حدود العرض والافتتاح والتكريم، دون أن تصاحبها قراءات نقدية أو دراسات توثيقية تستكشف ما تقدمه الأعمال من رؤى وأسئلة ، وتستحق الفنون البصرية برامج متخصصة في فلسفة الجمال،والنقد التشكيلي، والاقتصاد الإبداعي، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحفظ المجموعات الفنية وترميمها. وقد أشار تقرير اليونسكو الصادر عام 2022 إلى أن القطاعات الثقافية والإبداعية تسهم بنحو 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتوفر 6.2% من فرص العمل ، وعلى الرغم من أن هذه المؤشرات تشمل قطاعات إبداعية متعددة، فإنها تؤكد اتساع دور الثقافة في الاقتصاد والمعرفة، بما يتجاوز النظر إليها باعتبارها نشاطًا احتفاليًا أو ترفيهيًا. كما كشفت دراسة دولية نشرتها مجلة «Nature Human Behaviour» عام 2025، وشملت 71,922 مشاركًا في 68 دولة، عن مستويات مرتفعة نسبيًا من الثقة بالعلماء، ورغبة واسعة في تعزيز مشاركتهم المجتمعية. وتؤكد هذه النتائج أهمية وجود مساحات يلتقي فيها الباحثون بالجمهور، وتناقش فيها القضايا المعاصرة بمنهجية تستند إلى الأدلة. وفي المملكة، لا يمكن تجاهل التحولات التي يشهدها القطاع الثقافي، ولا المبادرات البحثية والفنية القائمة. فقد أعلنت وزارة الثقافة في ديسمبر 2025 اختيار 70 باحثًا في الدورة الأولى لبرنامج المنح البحثية الثقافية، من بين 1,836 طلبًا. كما طرحت في عام 2026 تحدي الابتكار الثقافي تحت عنوان «الثقافة بين الأجيال»، بما يفتح المجال أمام تطوير حلول ومبادرات ثقافية جديدة. لكن السؤال الذي يستحق الطرح هو: كيف نستفيد من هذه الجهود لتأسيس بيئة مجتمعية تجعل إنتاج المعرفة نشاطًا مستمرًا لا مشروعًا منفصلًا ينتهي بانتهاء مدته؟ لعل إحدى الأفكار الجديرة بالدراسة إطلاق «الموسم السعودي للأسئلة الكبرى»، بوصفه برنامجًا ثقافيًا سنويًا ينتقل بين مناطق المملكة، ويخصص كل شهر لمناقشة قضية محورية يشارك فيها الأدباء والفلاسفة والعلماء والفنانون والباحثون ، ويمكن أن تتناول جلساته أسئلة مثل: كيف يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم الإبداع؟ وهل تحفظ الفنون ذاكرة المدن؟ وما العلاقة بين الجمال والصحة النفسية؟ وكيف تتشكل الهوية البصرية للمجتمعات؟ ولا ينبغي أن ينتهي هذا الموسم بانتهاء الجلسات، بل يصاحبه إصدار معرفي رقمي يوثق الأفكار، ويعرض الاختلافات البحثية، ويقدم توصيات للجامعات والمؤسسات الثقافية. ومن المقترحات أيضًا إنشاء «مختبرات الفن والعلم»، بالتعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والأندية الفنية، بحيث يجتمع الفنان مع العالم والمتخصص في التقنية والباحث الاجتماعي حول قضية واحدة، ثم يقدمون تجربة مشتركة تجمع العمل الفني والتفسير العلمي والحوار المجتمعي. ويمكن توظيف هذه المختبرات في قضايا البيئة والفضاء والعمارة والذاكرة الحضرية والتقنيات الناشئة. أما الفنون البصرية، فتحتاج إلى تأسيس «العيادات النقدية الفنية»، وهي لقاءات معرفية منتظمة يقدم فيها الفنانون أعمالهم أمام نقاد وباحثين في علم الجمال وتاريخ الفن، لا بقصد إصدار الأحكام أو تصنيف المبدعين، بل لتحليل التجارب وتطوير لغتها البصرية وتوثيق مساراتها الفكرية ، ومن الممكن أن تنتج هذه اللقاءات ملفات نقدية تشكل مع مرور الزمن أرشيفًا مهمًا للحركة الفنية السعودية. ويمكن أن تسهم المكتبات العامة و«بيوت الثقافة» في هذه التجربة، من خلال استضافة اللقاءات المعرفية والمختبرات الصغيرة، وإتاحة مساحات للتواصل بين الباحثين والفنانين والطلاب، خصوصًا خارج المدن التي تستقطب النصيب الأكبر من الفعاليات الكبرى. ومن الأفكار التي تستحق التجريب كذلك «جواز المعرفة الثقافي»، وهو سجل رقمي تطوعي يتيح للمشارك توثيق رحلته عبر مجالات معرفية متعددة؛ فلا يقتصر على حضور أمسية شعرية أو معرض فني، بل يشجعه على خوض تجارب في العلوم والفلسفة والنقد البصري والتاريخ ،ويقوم هذا النموذج على توثيق التعلم والمشروعات والقراءات والمساهمات، دون تحويل الثقافة إلى منافسة شكلية لجمع الشهادات. غير أن هذه المبادرات ستظل ناقصة ما لم تصاحبها آلية علمية لقياس الأثر ، ولهذا تبرز الحاجة إلى «مؤشر سعودي للتنوع والأثر المعرفي»، يرصد توزيع الفعاليات بحسب تخصصاتها ومناطقها وفئات جمهورها، ويحلل ما ينتج عنها من أبحاث وشراكات وتجارب تعليمية ومبادرات مستدامة ، ولا تتمثل وظيفته في ترتيب المؤسسات أو المفاضلة بين الآداب والفنون والعلوم، وإنما توفير بيانات تساعد الجهات المنظمة على اكتشاف الفجوات وتحسين برامجها. وقد يكون من المناسب تجربة هذه النماذج أولًا في عدد محدود من المدن، بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات الثقافية والأندية المتخصصة، ثم تقييم نتائجها قبل التوسع فيها ، فالمبادرة الناجحة ليست بالضرورة الأكثر تكلفة أو الأوسع انتشارًا، بل الأكثر قدرة على تقديم أثر يمكن اختباره وتطويره. إن التجارب العالمية لا تقدم وصفات جاهزة يمكن نقلها دون مراعاة الخصوصية الثقافية للمجتمع السعودي، لكنها تكشف أن المجتمعات التي تستثمر في المعرفة لا تكتفي بتنظيم الأنشطة، بل تبني علاقات مستمرة بين المؤسسات والباحثين والمبدعين والجمهور. ولعل المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من سؤال : «كم فعالية أقمنا؟» إلى سؤال «ما الذي تغير في معرفة المجتمع نتيجة لهذه الفعاليات؟»، ومن الاكتفاء بتقديم المحتوى إلى إشراك الجمهور في إنتاجه وتقييمه. فالأدب يمنح الإنسان اللغة التي يعبر بها عن تجربته، والفلسفة تعلمه مساءلة أفكاره، والعلم يزوده بمناهج تفسير العالم، والفنون البصرية تمنحه قدرة أخرى على قراءة الواقع وإعادة تخيله. إن المجتمع الذي يمتلك منابر كثيرة قد يكون نشطًا ثقافيًا، لكنه لا يصبح بالضرورة مجتمعًا منتجًا للمعرفة ، فالنهضة الثقافية الحقيقية تبدأ حين تتحول الأسئلة إلى مشروعات، والحوارات إلى أبحاث، والمعارض إلى منصات للتفكير، وتصبح قيمة الفعالية فيما تتركه من أثر، لا فيما تحصده من حضور وتصفيق. وحينها فقط، لن يكون السؤال: متى يعتدل المشهد الثقافي؟ بل كيف نجعل من كل منبر فرصة لإنتاج فكرة، ومن كل فكرة بداية لتحول حضاري؟