بحضور الأمير تركي الفيصل وسفير الاتحاد الأوروبي ..

افتتاح مهرجان السينما الأوروبية الخامس بالرياض .

في مساءٍ استثنائي يفيض بالفن وتتقاطع فيه الثقافات، شهدت العاصمة الرياض الثلاثاء الماضي انطلاق النسخة الخامسة من مهرجان الأفلام الأوروبية 2026، لتتحول صالات العرض إلى منصات حوار عالمية وجسور ممدودة بين ضفتي الثقافة السعودية والأوروبية، هذا الحدث السنوي، والذي غدا علامة فارقة في الأجندة الثقافية للمملكة، تجاوز إطار عروض الأفلام العادية، ليصبح متحدثاً بليغاً بلغة «الدبلوماسية الثقافية» والقوة الناعمة التي تعيد صياغة المشهد الإقليمي والدولي في قلب العاصمة المفصلي. افتتح الحدث رسمياً سفير الاتحاد الأوروبي لدى المملكة العربية السعودية، السيد كريسـتوف فارنو، الذي أشار في كلمته الافتتاحية أن المهرجان نجح على مدار دوراته المتتالية في ترسيخ مكانته كجزء أصيل وجوهري من المشهد الثقافي الراسخ في الرياض. وأكد السفير أن تنامي المهرجان يتزامن بصورة وثيقة مع النهضة الإبداعية الكبرى التي تشهدها السعودية، مما يفتح آفاقاً جديدة مستدامة للحوار المتبادل بين صنّاع الأفلام والجمهور. وقد أضفى حضور صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ثقلاً دبلوماسياً وفكرياً بارزاً على الأمسية؛ حيث يجسد تواجده الاهتمام السعودي رفيع المستوى بدعم الفنون وتفعيل قنوات التواصل المعرفي والثقافي مع المجتمع الدولي، بما يتماشى مع المستهدفات الإستراتيجية الكبرى لـرؤية السعودية 2030. حضور سموّه يبرهن على أن الحراك السينمائي اليوم يحظى برعاية وتوجيه يدفعان بالفن ليكون منصة مهمة للتفاهم الدولي والتقارب الفكري بين الشعوب. وكان سمو الأمير تركي الفيصل قد أكد في جلسة حوارية بعنوان « الثقافة والأفلام والدبلوماسية الناعمة» بمنتدى الأفلام السعودي أكتوبر الماضي، على ما يراه من قوة للسينما في تعزيز التبادل الثقافي وإبراز التراث العالمي، مستشهداً بمقولة «الصورة تغني عن ألف كلمة»، موضحاً الدور الذي لعبته الأفلام في تقريب المسافات بين الحضارات المختلفة. وأن الدعم الذي تقدمه القيادة جعل المملكة مركز إبداعي عالمي، ليس في مجال الأفلام فحسب، بل في المشهد الثقافي الأوسع أيضاً. السينما كلغة دبلوماسية وقوة ناعمة تعد السينما اليوم أداة جوهرية في قلب «القوة الناعمة» (Soft Power) التي تستثمرها الدول لتشكيل العلاقات الدولية، وبناء التفاهم المشترك عبر تذويب الحواجز اللغوية أو السياسية. السينما تمتلك قدرة فريدة على اختراق الحدود الجغرافية، ونقل قيم المجتمعات، وتفاصيل حياتها اليومية، وإشكالياتها الفلسفية إلى مجتمعات أخرى بأسلوب إنساني مؤثر. وفي هذا السياق، يشكل المهرجان فرصة مثالية للتلاقي؛ فبينما تسعى هيئة الأفلام السعودية ومندوبية الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز هذا التبادل، تفتح السينما الأوروبية بنوافذها المتعددة، المتمثلة في 16 فيلماً متميزاً من 16 دولة أوروبية، آفاقاً واسعة للجمهور السعودي لاكتشاف ثراء وتنوع المدارس الفنية في القارة الأوروبية. إن هذا الحوار السينمائي المتبادل يدعم بقوة صناعة السينما المحلية الناشئة في المملكة، التي تشهد طفرة غير مسبوقة بفضل الدعم الحكومي والإقبال الجماهيري الواسع. المهرجان يطرح صيغة تفاعلية تتجاوز مجرد المشاهدة السلبية؛ فمن خلال الورش التدريبية المتخصصة (Masterclasses) والفعاليات المصاحبة التي يشهدها المهرجان، يلتقي صناع الأفلام، والمخرجون، والكتاب السعوديون بنظرائهم الأوروبيين لنقل الخبرات، ومناقشة التقنيات الحديثة في الإنتاج والإخراج، والتعريف بالمواهب السعودية الواعدة في السوق الدولية. هذا الامتزاج الثقافي يسهم في تطوير أدوات السينمائيين المحليين، ويمنحهم القدرة على صياغة قصصهم المحلية بقوالب فنية ذات معايير عالمية، قادرة على المنافسة في المحافل الدولية الكبرى. «صراط».. بداية سينمائية برؤية فلسفية افتتحت الفعاليات بعرض الفيلم الإسباني «صراط» للمخرج العالمي أوليفر لاكس. الفيلم الذي يحمل أبعاداً فلسفية، وروحية، وجودية عميقة، لخص بجمالياته البصرية وقصته الإنسانية العابرة للثقافات الهدف الأسمى للمهرجان: البحث في الجذور الإنسانية المشتركة والتساؤلات التي تؤرق البشرية جمعاء. وكان اختيار هذا الفيلم بمثابة رسالة واضحة بأن القصص التي تجمع بين الشعوب تتجاوز أطر الجغرافيا والسياسة لتلتقي في فضاء المشاعر الإنسانية النبيلة، مما يثبت أن السينما قادرة على ردم الفجوات المعرفية وتقديم قراءات مغايرة ومحفزة للوعي الإنساني. تابع الجمهور تفاصيل الفيلم الشاعري الذي دارت أحداثه في طيات جبال الأطلس، حيث تتماهى الطبيعة القاسية مع الرحلة الداخلية لأبطاله، مقدمةً درساً بصرياً في كيفية استخدام الكاميرا كأداة للتأمل والتعبير عن المكنونات الروحية. أثار الفيلم نقاشات مطولة في بهو صالة العرض بين النقاد وعشاق الفن السابع، مما عكس الشغف الكبير والوعي النقدي المتنامي لدى الجمهور السينمائي في الرياض، الذي بات يمتلك ذائقة رفيعة قادرة على تفكيك الرموز البصرية واستيعاب أعقد المدارس السينمائية الطليعية. تنوع المدارس الفنية وثراء المحتوى يتميز برنامج الدورة الخامسة بزخم سينمائي لافت وعمق في الطرح الفني؛ إذ يجمع أعمالاً توجت في كبرى المهرجانات الدولية البارزة مثل كان، والبندقية، وبرلين، يتنقل الجمهور خلال أيام المهرجان بين وثائقيات سياسية واجتماعية هامة مثل الفيلم الدنماركي « لا أحد ضد بوتين» وروائع الدراما الإيطالية العمق مثل فيلم « لا غراتسيا» للمخرج الشهير باولو سورينتينو الحائز على إعجاب واسع في مهرجان البندقية، وصولاً إلى السينما القبرصية من خلال فيلم « تمسك بي» الحائز على جائزة الجمهور في مهرجان صندانس، والفيلم اللاتفي «صمت ماريا» الذي يروي السيرة الذاتية المؤثرة لنجمة السينما الصامتة ماريا ليكو. هذا التنوع العريض يمنح المهتمين بالصناعة فرصة ذهبية لدراسة الاختلافات الأسلوبية بين المخرجين، وفهم كيفية معالجة السينما الأوروبية للقضايا المعاصرة والتحديات الراهنة، من صراعات الهوية والهجرة إلى التساؤلات الفردية والاجتماعية المعقدة. توفير الترجمة باللغتين العربية والإنجليزية لجميع الأفلام يضمن وصول هذه الرسائل الفنية الفلسفية إلى أوسع شريحة ممكنة من الحضور المتنوع في العاصمة. شراكات تصنع المستقبل الثقافي إن استمرار المهرجان وتطوره عاماً بعد عام يثبت أن صناعة الفضاءات الثقافية المشتركة هي ركيزة أساسية في بناء مجتمع حيوي منفتح على العالم، يستلهم من التجارب الدولية ويثريها بخصوصيته الثقافية الغنية. الفعاليات المصاحبة تشمل ثلاث جلسات حوارية رئيسية تجمع السينمائيين من الجانبين، مما يحول المهرجان إلى سوق مصغرة للأفكار والمشاريع الإنتاجية المشتركة التي قد ترى النور في القريب العاجل، واضعةً السينما السعودية في قلب خارطة الإنتاج الدولي. في ختام الأمسية الافتتاحية الحافلة، لخص السفير الأوروبي المشهد بعبارة بليغة أكد فيها أن «أمامنا الكثير من القصص المشتركة لنرويها»، في إشارة واضحة إلى أن الشراكة الثقافية والفنية بين المملكة العربية السعودية والاتحاد الأوروبي ممتدة، عميقة، وواعدة. إنها شراكة تؤسس لمستقبل إبداعي مشترك وتكرس مفهوم الفن السابع كأرقى لغات الدبلوماسية العالمية، وأكثرها قدرة على صياغة وجدان إنساني متناغم يؤمن بقيم الجمال والتواصل البناء.