في ندوة بالبحرين رعتها الشيخة مي آل خليفة..
تركي الفيصل يدعو لمجلس خليجي موحد للذكاء الاصطناعي
شهدت مدينة المحرق التاريخية في مملكة البحرين ندوة فكرية واستراتيجية، استضافها «مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث»، وتحدث فيها صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل بن عبدالعزيز، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، حملت الندوة عنوان «تحديات اليوم لمقومات المستقبل»، وتجاوزت حدود استعراض ملفات السياسة التقليدية، لتتحول إلى منصة لتشريح ما وصفه الأمير تركي الفيصل بالأزمات الصامتة التي تزحف نحو المجتمعات الخليجية، مهددة استدامة التنمية وتماسك الهوية المجتمعية والسيادة البشرية . افتتحت الأمسية بكلمة ترحيبية من معالي الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، رئيسة مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، أكدت خلالها المكانة الاستثنائية التي يحظى بها الأمير تركي الفيصل كقائد رأي وخبير استراتيجي يمتلك قراءة عميقة للتحولات الإقليمية والدولية، ونوّهت الشيخة مي بالروابط الأخوية الراسخة والتكامل الثقافي المتجذر بين مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية، مشيرة إلى دور المركز التنويري في مناقشة القضايا المصيرية التي تمس مستقبل المنطقة. ربط الأمير تركي الفيصل في أطروحته بين تحديين استراتيجيين يواجهان منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، متمثلين في التحولات السكانية الديموغرافية المتسارعة الناتجة عن انخفاض معدلات الخصوبة، والتوسع التقني اللامحدود المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي، وحذر الفيصل من كون إغفال التخطيط الدقيق لهذين الملفين المترابطين يرتّب تداعيات هيكلية واجتماعية خطيرة، واصفاً إياها بالأزمات الصامتة التي تفوق في بعض أبعادها آثار الحروب العسكرية المباشرة. وفي تشريحه لملف الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته الثورية، فكك الأمير تركي المعضلات الاقتصادية والأمنية التي يفرضها التغول الرقمي، منبهاً إلى مخاطر البطالة التقنية كون الاندفاع نحو الأتمتة المفرطة وتبني الأنظمة الذكية في قطاعات الخدمات والمال والإدارة يهدد بإلغاء ملايين الوظائف التقليدية، وهو تحول يخلق فجوة حادة بين مهارات الخريجين الجدد ومتطلبات الاقتصاد الرقمي، مما يضع أسواق العمل الخليجية أمام تحدي استيعاب الكوادر الوطنية. وتطرق سموه إلى تداخل معقد يمثل فخاً للتعويض السكاني، فعندما تعاني بعض دول الخليج من انخفاض معدلات الخصوبة دون مستوى الإحلال الطبيعي، يبدو الاعتماد على الروبوتات والأنظمة المستقلة حلاً لسد عجز الأيدي العاملة، غير أنه حذر من هذا الاختيار الاستراتيجي كون التوسع عشوائياً في إحلال الآلة يؤدي بالتبعية إلى تقليص الفرص الوظيفية المتاحة للمواطنين ويعطل خطط التوطين الطموحة، فضلاً عما يمسه هذا التغول من السيادة الرقمية والتبعية التقنية، مبيناً أن معظم خوارزميات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة تُطور وتُدار خارج حدود المنطقة، مما يفرض تبعية تقنية تؤثر على الأمن المعلوماتي للمجتمعات، وتجعل المنظومات الحيوية عرضة للتوجيه الفكري والثقافي المخالف لقيم المنطقة وهويتها العربية والإسلامية. ولم يقتصر حديث الأمير تركي الفيصل على استعراض المهددات، إذ طرح مقترحات ومبادرات عملية لبناء حائط صد خليجي مشترك، تمثلت في إنشاء مجلس خليجي موحد لحوكمة الذكاء الاصطناعي يُعنى بصياغة تشريعات وسياسات مشتركة لتنظيم استخدام التقنية وضمان أخلاقياتها وتوجيه الاستثمارات بما يخدم التوطين والمصالح الوطنية العليا، إلى جانب تأسيس تحالف مشترك لدعم الأسرة والطفولة لمعالجة الاختلال الديموغرافي عبر سياسات تحفيزية تشجع على النمو السكاني ومواجهة شبح الشيخوخة المجتمعية، بالتوازي مع إعادة صياغة النظم التعليمية للتركيز على مهارات التفكير النقدي والابتكار والوظائف العليا التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن استبدالها. واختتم الأمير تركي الفيصل الندوة، التي شهدت تفاعلاً واسعاً من الحضور الدبلوماسي والثقافي، بالتأكيد على وجوب نظر دول مجلس التعاون الخليجي إلى تحولات المستقبل بعين الاستعداد والاستشراف، نظراً لامتلاكها المقومات الأساسية من حكمة القيادة، وسرعة اتخاذ القرار التنموي، والموارد الاقتصادية الكفيلة بالاستثمار في بناء الإنسان بالتوازي مع الابتكار التقني.