قراءة في كتاب «الغريب» للدكتورة لطيفة الشعلان..

قلق “المعنى” الوجودي في رحلة الفناء.. هل انقرضت الجهيمانية المهدوية!؟

هل من الممكن أن يكون البحث عن معنى الحياة سببا في استعجال نهاية العالم؟! سؤال تتكشف اجابته لك وأنت تقرأ بمتعة كتاب (الغريب) الذي جاء بأسلوب لم يكن معتادا فيما اتبعته البروفسورة السعودية لطيفة الشعلان في مؤلفها الحديث الصادر عن دار جداول للنشر والترجمة “الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية”، ويمكن وصفه بأنه جهد فكري فلسفي عميق يتبدى لك من تشريحها لسياقات تاريخية وسياسية واجتماعية خلال حقبة زمنية سبقتنا؛ وأدت إلى إفراز وعي طُفيلي هو “المهدوية الجهيمانية”، إنه وعيٌ لزج أحدث تصدعا في طريقة التفكير الآخروية، وهو تفكير جعل صاحبه جهيمان يتمحور كونيا على ذاته دفعا به وجماعته لارتكاب جريمة نكراء تمثلت في اقتحام الحرم المكي الشريف. لقد قدمت أستاذة علم النفس وعضو مجلس الشورى السابق كتابها حاملا عنواناً فرعياً “المنطلقات الوجودية والسياقات التاريخية والاجتماعية لاقتحام المسجد الحرام (1979م)” مؤكدة زوايا تناولها متكئة على علم النفس الوجودي، ومتجاوزة فيه الاختزالات التقليدية المعتادة في العديد من الكتب التي تنتهج التحليل التقليدي ولا تتجاوز قشرة العناوين الباهتة، فالمؤلفة في (الغريب) لم تعتمد على التحليل السياسي والاجتماعي الكلاسيكي أو تقديم تقييم أمني لحادثة الحرم المكي أو مراجعة اعتيادية لمجتمع وبيئة جهيمان، إنما استطاعت في أسلوب سهل ممتنع توظيف تخصصها العلمي في علم النفس للغوص في “سيكولوجيا الوعي المهدوي الجهيماني” مستعينة بجهدها الفكري وتجربتها الثقافية المتراكمة وقراءاتها الأدبية التي تمتعت بها، مؤكدة أنها ذاتا مُفكرة وليست باحثة أكاديمية مجردة، فقد غاصت في تفكيك السياقات التاريخية الاجتماعية التي أحاطت جهيمان، تُسائل بموضوعية من منظور القلق الفلسفي الوجودي سؤال المعنى الذي لم يفلح في الإجابة عليه جهيمان، وانتهى به إلى ساحة القصاص جراء يقين زائف تشربه وعيه المتطرف في ظّل علو صوت النقل وتجميد العقل مما لم يُمكنه من القدرة على التحرر للخروج منه. ومما يبرز في الكتاب استقصاء المؤلفة التاريخي الذي تمتع بالمنهجية العملية المتعددة المصادر العربية والأجنبية في تشريح الصراع النفسي والتركيبة الذاتية في بنية جهيمان الوجدانية منذ نشأته في ساجر، تلك الهجرة الصغيرة وأهلها البسطاء وما حملوه من ذاكرة ملتهبة، ثم مصرع والده في حادث سيارة نجا هو منه، وعمله في الحرس الوطني، ومرحلة عيشه في الكويت وبحثه عن المتع، وتفاعله شيئا فشيئا مع سيقات اجتماعية ودينية في المدينة المنورة أوجدت في وعيه أرضا خصبة ليكون أداة محاسبة رأت في “مليكانات” المحال التجارية اغراء وإثما ينبغي تحطيمه، واجدا ضالته في جماعته (الجماعة السلفية المحتسبة) لإبراز محوريته الكونية المهدوية متحولا من شخص عادي يُهرب السجائر ويصرف راتبه في المتع إلى قيادي قاد تراجيديا دموية كبرى في الحرم المكي الشريف تحت تأثير “اليقين المهدوي” وأوهام المنامات والرؤى والأحلام التي باتت دافعا إيمانيا أخرويا له ولجماعته. وبكل موضوعية، لم تقدم الصديقة العزيزة البروفسورة لطيفة الشعلان مجرد كتاب للقراءة، بل قدمت وثيقة فكرية تاريخية تتضمن قراءة نقدية غير مسبوقة لحدث مفصلي في التاريخ المعاصر، يُدهشك بلغته الرشيقة ومسحته الأدبية في جهد لافت وأسلوب سردي مشوق يعلوه الوقار الأكاديمي، ويتبدى هذا الجهد الفكري للمؤلفة خلال نقلها (التشخيص الإكلينيكي) الضيق إلى آفاق علم النفس ورحابة الفلسفة الوجودية في تقديم قراءة تفكيكية بمنهجية صارمة مستندة على استنطاق نصوص ورسائل جهيمان والجماعة نفسها كمادة أساسية للبحث والنظر، غير مُكتفية بمساءلة الأحداث السياسية والاجتماعية التي شكلت تكوين وعي جهيمان وجماعته، بل اتجهت عميقا في استقصاء مسارات القلق الوجودي وسؤال المعنى لدى جهيمان نفسه، و كيف حوله “سؤال المعنى” من حاجة إنسانية طبيعية لفهم الوجود إلى أداة تنظيمية إرهابية تعيد صياغة علاقة المتطرف بالعالم في دائرة يقين تقتاده إلى استعجال نهاية العالم حين فقد معنى حاضره الذي لم يستطع التأقلم مع معاصرته وحداثة الحياة ومستجدات الحضارة، فبات الغريب الذي يعتقد أنه يَصدق عليه القول النبوي الشريف :”طوبى للغرباء” فلم يجد سكينته في الطمأنينة الدينية التقليدية، وتحول قلقه أمام هلع المتغيرات للانكفاء على نصوص الفتن والملاحم وأشراط الساعة ونهاية الزمان، ويرى فيها تفسيره الوحيد لاغترابه الاجتماعي، وترحيل كل المعاني إلى الخلاص من حاضره بظهور المهدي، فيكتسب المستقبل المتخيل في ذاته الجهيمانية سلطة مُطلقة مقدسة تلغي قيمة الحياة الراهنة، مستعجلا نهاية العالم معتبرا نفسه آلة الزمن لتنفيذه، حيث تحول “المهدي” لديه وجماعته كفكرة إيمانية غيبية مجردة إلى أن يكون بطلا تراجيديا يفرض السيناريو الإلهي بنفسه بعد أن خدرت الرؤى والأحلام والمنامات عقله وجماعته مصطنعا يقينا مزيفا بأن محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي المنتظر ؛ فلا يتورعون عن ارتكاب جريمة نكراء سفكوا فيها الدماء. ويمكن القول، إن الجهد الفكري الذي قدمته المؤلفة في كتابها “الغريب” يتجاوز حدود القراءة التاريخية لحادثة الحرم عام 1979م، إلى حدود الزمان والمكان ليكون صالحاً في تشخيص العقل (المهدوي/ المنتظري) في كافة المذاهب والأديان، والبحث في العقل المتجمد نصيا والمنغلق تأويليا مما افرز حركات متطرفة عابرة للعصور والجغرافيا شهدها التاريخ الإنساني وما تزال، مثلا: القرامطة عام 317هـ / 930م وهم على النقيض من جهيمان وجماعته، حيث عطلوا النص وانغلقوا على التأويل بتطرف؛ مما دفعهم إلى اقتحام مكة المكرمة والحرم المكي الشريف في موسم الحج وقد قتلوا عددا كبيرا من الحجاج والأهالي سارقين الحجر الأسود والذي اقتلعوه من الكعبة المشرفة لينقلوه إلى منطقتهم محتفظين به عشرين عاما. أيضا، وكتاب “الغريب” الذي قدم تحليلا لسيكولوجية جهيمان وجماعته، يأخذنا إلى أنه لا يٌعتبر كائناً ربما انقرض فكريا بمقتل جهيمان، بل هو بنية نفسية عابرة للعصور والجغرافيا، وكما كتبت لطيفة :”وبالنظر إلى أن مواجهة المجتمعات المسلمة للتطرف الأصولي هي مواجهة طويلة الأمد، لعل هذا الكتاب يسهم في لفت الانتباه إلى أثار الأزمات الوجودية التي تصاحب التحول السريع في المجتمعات التقليدية، فهذه الأزمات قد تقضي إلى حالة انعدام المعنى...” وهو ما نراه فعليا مع ظاهرة المليشيات الإرهابية العابرة للجغرافيا كالقاعدة وداعش والحوثيين وغيرهم ممن اعتبروا أنفسهم محورا كونيا لفرض سيناريوهات آخر الزمان ونهاية العالم، ولهذا تجدهم يحاكونها وكأننا أمام مشهد تمثيلي مُتقن لتأكيد الحتمية في تحققها من حملهم الرايات السود وارتدادهم الزمني في محاكاة المأكل والملبس والمسكن واختيار المدن والمناطق المتطابقة مع كتب الحديث والأثر لتكون أماكن الأحداث التي ينهضون بها حتى أن كثيرين من أصحاب الوعي تلوثوا بهذه المحاكاة وباتوا على إثرهم يرددون السيناريوهات فيما يقومون به على اعتبارات آخر الزمان، وليس هذا فقط خاص بدوائر الإرهاب والتطرف الإسلامي بل حتى دوائر التطرف اليهودي والمسيحي وكافة الأديان، ممن دفعتهم تأويلات نصية تجمدت عقولهم عندها، فتجمدوا في حاضرهم وسيطر عليهم أنهم أدوات زمنية تستعجل نهاية العالم وفق مروياتهم التوراتية والتلمودية، ولعلّه يمكن القول بأن ما يحدث حاليا في منطقة الشرق الأوسط من صراع إيراني أمريكي إسرائيلي لا يبتعد عنه العقل المؤدلج المتطرف التوراتي والإمامي، والذي يعتبر ذاته آلة زمنية ومحور كوني لتنفيذ أحداث نهاية العالم تمهيدا لظهور المنتظر/ المخلص ! لقد وضعت لطيفة الشعلان يدها على الجرح المأزوم في العقل النصي المنغلق حين يفقد معنى حاضره وينطلق إلى استعجال النهاية رافضا انتظار الحكم الإلهي، وهو ما تقتات عليه التنظيمات والمليشيات الإرهابية والأحزاب المتطرفة المعاصرة ممن استثمرت وما تزال في تخدير العقول بوهم النهايات المستعجلة للعالم، وجولة واحدة في العالم الرقمي ستراه بكثرة فيما تفرزه من حسابات من يزعمون أنهم خبراء الطاقة والمنجمين والمؤولين لعلامات الساعة المنتشرة في فضاءات الإنترنت الرقمية، والتي للأسف يقع الشباب القلق الباحث عن المعنى في أسئلة الوجود فريسة سهلة لذلك التخدير، ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب بما احتواه من جهد فكري عميق يتجه نحو التوعية لمواجهة التطرف ومكافحته ليس أمنيا أو ثقافيا فحسب، بل بعمق فلسفي نفسي تربوي في صياغة حضرية مجتمعية تعالج قلق الأسئلة الوجودية بيقين إيماني مُستنير قادر على قبول تعقيدات الحاضر معززا قيمة الإنسان كأداة إعمار للأرض، تاركا النهاية للواحد الأحد الصمد هو وحده من يحددها.