شاهد على مقابلة الدويحي لعبد الرحمن منيف.

في معرض دمشق الدولي للكتاب عام 1999 كنا أربعة: عبد الكريم الجهيمان، وأحمد الدويحي، ومحمد السيف، وكاتب هذه السطور... ومع مغرب أحد أيام المعرض كنا نتجول بين أجنحة المعرض، وإذا بالروائي عبد الرحمن منيف (1933 – 2003م). بعد السلام والتعارف أخذنا طريقنا إلى الاستراحة في المقهى وسط المعرض، وبحكم لقائي السابق بمنيف فقد عرّفته بالأصدقاء، وكان بحكم متابعته يعرف الجهيمان بما قرأ عنه وله. كان شوق الدويحي إلى لقاء منيف بلا حدود، فاستأثر به وأخذ نصيبنا باستعراض ما في ذاكرته عن بعض أبطال روايات منيف، وماذا يعني بذكر بعض الموضوعات؟ وتجاوب معه منيف، وأصبح دورنا الاستماع والاستمتاع... وأذكر أنّ الدويحي وهو يسترسل في نقل مشاعره وفرحه بهذا الصيد الثمين قال: «وانفرطت مسبحة القلب والذاكرة على (قصة حب مجوسية)، و(حين تركنا الجسر)، و(النهايات)، و(سباق المسافات الطويلة)». وقال: «في صباي قرأت كغيري كل هذا الإنتاج الإبداعي من الروايات له، في حالة بحثٍ عن طرائق جديدة لفن السرد، وأعجبت أيّما إعجابٍ بشعرية (النهايات)، وعشت حالات التشرّد والعذاب والسجون في (شرق المتوسط) و(قصة حب مجوسية)، أما رواية (الأشجار واغتيال مرزوق) فظلّت الرواية التي تجسد لي بحقّ همّ المثقف العربي في كل مكان...». وقال الدويحي يصف اللقاء: «وقف منتصباً مبتسماً لنا (الأربعة) بودّ، أخذنا واحداً واحداً إلى صدره، وأخذناه مجاملةً لعشر دقائق إلى مقهى جانبيّ في معرض دمشق الدولي للكتاب، وكان المكان فجأةً قد ازدحم بالناس؛ من أدباء، وأصحاب دور نشر، وأصدقاء، وقرّاء، وإشاعة قد سبقته تنبئ عن أنه سيأتي... رأيته يتدفق بعذوبة في تواضع لا يكون إلا للكبار، تقدمت إليه وقدّمت له نفسي وقلت: أريد حواراً؟ ضحك في خجل، ولحسن الحظ كان أحد الأصدقاء الشعراء يلتقط لنا صوراً، وبالكاد -لجملة من الاعتبارات- رتّب لي موعداً في صباح الغد، ولمدة نصف ساعة؛ خشيت أن تذهب به (نكتة) بعد أن أطلقها أحد الأصدقاء عليّ، وهزّت كياني... ضحك لها كثيراً، وقال: إنّ النهر الصديق هو الذي يفيض وقت حاجة الزرع إلى مياهه -كالنيل- حاملاً الطمي والخصب، أما النهر الشرس فهو الذي يفيض وقت نضوج الزرع، فتفسد المياه الكاسحة الكثير من المزروعات؛ كما في دجلة والفرات في أغلب الأحيان. عبد الرحمن منيف في حواره معي كان نهراً من نوع النهر الصديق، نهر الروايات؛ إذ يفيض نوعاً وكمّاً من احتشاد فضاءات، إذ يحمل فيضانه الطمي والخصب والبشارة بحياةٍ فيها كل الخير...». ما سبق مقدمةٌ مختصرة للقاء الذي تم بينهما، وكان الحوار قد نشر بعد عودتنا إلى المملكة في جريدة «البلاد»، ثم بعثته إلى مجلة (أدب ونقد) بالقاهرة فنشر في العدد 189 لشهر مايو 2001م، وعلى مدى إحدى عشرة صفحة كان الحوار تحت عنوان: (عبد الرحمن منيف... حالة خاصة: أكتب لأبناء شعبي ولا تهمني الجوائز). للأسف لم أتمكن من حضور اللقاء والحوار؛ بسبب سفري مع الأستاذ الجهيمان إلى بيروت للسلام على الأستاذ محمد العلي رحمه الله عندما علمنا بتعرّضه لوعكةٍ صحية. هذا وقد أقام مركز حمد الجاسر الثقافي بالرياض ندوة تأبين لمنيف بعد وفاته بعنوان: (لمحات من حياة الروائي السعودي عبد الرحمن منيف)، شاركت فيها إلى جانب الأستاذ الدويحي بإدارة الأستاذ عبد الله الكعيد بتاريخ 6 / 1 / 1425هـ، تناولت حياته الشخصية وعلاقتي به خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته، وتحدث الدويحي عن أعماله الروائية، ولقائه به في معرض الكتاب بدمشق. والحبيب أحمد الدويحي عرفته نشطاً في الوسط الثقافي بالأندية والمهرجانات الثقافية، وكان يشاركنا في لقاء الأستاذ عبد الكريم الجهيمان (1330 – 1432هـ) في اللقاء الأسبوعي بمنزله، ومرافقته في بعض المناسبات، وكان حفيّاً به، وقد كتب عنه وداعبه، وكان الجهيمان يعامله بالمثل، وبعد رحيل الجهيمان رحمه الله، كثيراً ما كان يتذكره ويكتب عنه ببرٍّ ووفاء، وقد أهداني أغلب أعماله القصصية والروائية التي بلغت أحد عشر عملاً. ولعلها فرصة أن أذكّره بلقاء منيف في آخر حياته رحمه الله، فلعله يكتب عن اللقاء بتوسّعٍ مع نص الحوار، مع شكري لمجلة اليمامة وملحقها (شرفات) التي أفردت له ما يستحقه.