ماذا نفعل حين تصل الفتنة إلى جوالاتنا مرتديةً أسماء أهلنا؟ وجّه وزير الشؤون الإسلامية و الدعوة و الإرشاد، الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، خطباء الجوامع بتخصيص خطبة الجمعة للتحذير من العصبية القبلية و الحسابات المضللة. و هذا التوجيه يضع سؤالنا أمام مسؤوليتنا اليومية، فقد يرفض الإنسان العصبية في حديثه العام، ثم يمارسها عند أول استفزاز، و يجد لنفسه تبريراً جاهزاً: أدافع عن قبيلتي. هنا يبدأ الامتحان الحقيقي، حين نزن دفاعنا بميزان الحق، و نسأل عمّن يستفيد من الطريقة التي اخترناها لهذا الدفاع. القبيلة انتماء له مكانته، و الاعتزاز بتاريخ الأهل شعور مفهوم، لكن هذه الرابطة تفقد أثرها الأخلاقي حين تصبح إذناً بالإساءة. لا يستطيع أحد أن يستعير فضيلة أجداده ليبرر بها خطأ يرتكبه اليوم، أو يجعل ما ورثه من اسم سبباً لانتقاص من ورث اسماً آخر. و حين نصفق للمخطئ لأنه منا، فإننا نحميه من المراجعة، ثم نطالب المتضرر باحترام مشاعرنا بينما تُهدر كرامته. و من حق أبناء القبيلة أنفسهم أن يرفضوا تحميل اسمهم تبعة تصرف لم يختاروه، فالانتماء لا يلغي مسؤولية الفرد، و لا يوزع خطأه على الآخرين. لنتصور مشهداً: حساب ينتحل اسم قبيلة، ينشر إساءة إلى أخرى، فيرد عليه غاضب بتعميم جارح، ثم تنتقل لقطة شاشة إلى مجموعات الأهل و الأصدقاء تحت عنوان «شاهدوا ماذا يقولون عنا». في هذه العبارة الصغيرة حدثت القفزة الكبرى، صار كلام شخص كلام جماعة، و تحول أناس كثيرون إلى طرف في خصومة لم يدخلوها. و القبيلة التي انتحل الحساب اسمها معتدى عليها أيضاً، فقد استُخدم اسمها لإيذاء غيرها، ثم أصبحت مطالبةً بالجواب عن كلام لم تقله. الاسم على الشاشة مزوّر، لكن الغضب الذي ينتقل إلى الناس حقيقي، و كذلك الضرر الذي قد يصيب علاقاتهم. ثم تصبح المشاركة في الخصومة اختباراً للوفاء، يُحرَج المتعقل بصمته، و يُطالَب الرافض للتعميم بإثبات غيرته، و تُفسَّر دعوته إلى العدل على أنها تخاذل عن أهله. عندها يفوز المحرّض بسلطة إضافية: يختار لك خصمك، ثم يحدد الطريقة التي يجب أن تغضب بها، و يجعل استقلال رأيك شبهة. و قد تجد نفسك تردد كلاماً لا تقبله في الأصل، فقط لأنك تخشى أن يقال إنك لم تقف مع جماعتك. و هكذا يتحول إثبات الانتماء إلى تنافس على الإساءة، كلما هدأ صوت اتُّهم صاحبه بالتراجع. و يحذّر التوجيه من حسابات مضللة يقف خلفها أعداء يسعون إلى تأجيج الفتنة و تفكيك اللحمة الوطنية. هنا يتضح كيف تخدم الحميّة العدو، فهو يضع الإساءة على الشاشة، و يتولى الغاضب إدخالها إلى بيوت لم يكن صاحب الحساب قادراً على بلوغها. تصل الرسالة من قريب موثوق، فتستعير من اسمه مصداقية لم تكن لها عند مصدرها، ثم يُطلب من الجميع تداولها دفاعاً عن الأهل. و حين ينتقل التعميم إلى التعامل مع زميل أو جار بسبب نسبه، يكون المحرّض قد حوّل كلامه إلى مسافة بين مواطنين. الفارق في النيات قائم، و مسؤولية المحرّض المتعمد أشد، لكن حسن القصد لا يمحو أثر الكلام المنشور. و لنفترض أن صاحب الحساب معروف، و أنه ينتسب فعلاً إلى القبيلة التي يحمل اسمها. ماذا يغيّر ذلك في أصل المسألة؟ ثبوت نسبه يثبت انتماءه، لكنه لا يمنحه وكالةً على ضمائر أبنائها، و لا يحوّل رأيه إلى قرار جماعي يلزمهم. من حقك أن تخالفه، و أن ترد خطأه، و أن تحمي أهلك من الخصومة التي يريد إدخالهم فيها. فالقرابة لا تسلب الإنسان استقلال حكمه، و لا تجعل العدالة خاضعةً لاسم الطرف الآخر. قد يحتج الغاضب بأن السكوت يترك الإساءة بلا جواب. و هذا اعتراض يستحق جواباً واضحاً: يمكن رد الكذب بالحقيقة، و مطالبة المسيء بتحمل مسؤوليته، و حفظ الأدلة و إبلاغ الجهة المختصة، مع إبقاء الخصومة في حدود صاحبها. أما إهانة أشخاص لم يشاركوا في الإساءة، فتمنح الخطأ ضحايا جدداً، و تحول صاحب الحق إلى صاحب اعتداء آخر. كرامة أهلك لا تحتاج إلى ظلم أهل غيرك كي تستعيد اعتبارها، و مساءلة المسيء تحمي الجميع من أن تتحول كل إساءة فردية إلى خصومة جماعية. و إثارة النعرات القبلية إلكترونياً على نحو من شأنه المساس بالنظام العام جريمة يعاقب عليها النظام، و تنص المادة السادسة من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية على أنه: «يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين». و تشمل فقرتها الأولى إرسال المحتوى المجرَّم، إلى جانب إنتاجه و إعداده و تخزينه، فيمكن أن يتحمل المرسل تبعة فعله متى انطبق عليه الوصف النظامي، و يبقى تقدير ذلك للقضاء. الحميّة لا تمنح صاحبها حصانة. و عدالة الموقف تبدأ من معيار واحد، ترفض به الإساءة إلى أنساب الآخرين كما ترفضها إلى نسبك، قبل أن تعرف اسم المخطئ أو اسم من وقع عليه الخطأ، و لا تتخلى عنه حين تعرفهما. و يتجلى ذلك في التوقف قبل إعادة الإرسال، و التحقق من أصل الكلام و سياقه، و رفض استنتاج موقف قبيلة من عبارة فرد. و يحتاج أيضاً إلى شجاعة من يقول في مجموعة أهله إن هذا التعميم لا يمثلهم، و إن تداول الشتيمة يوسع أثرها. لقد جمعنا الوطن على حقوق و واجبات مشتركة، و صيانة هذه العلاقة مسؤولية نمارسها في كلامنا عن بعضنا، و في قدرتنا على إنصاف من نختلف معه. خط أخضر: قد يغلق المحرّض حسابه بعد أن يزرع الخصومة، و يبقى عليك أن تواجه جارك و زميلك بما تركته كلماتك بينكم. احمِ بحميّتك ما ستعيش أنت و أهلك فيه.