ذكريات وأطياف سيرة.
1 عندما غادرتُ “ جزيرة فرسان “ إلى جدة ؛ لأدرسَ في الجامعة ، سكنتُ غرفةً صغيرةً فوق “ السطوح “ ، غرفةً بنافذةٍ وحيدةٍ ذابلةٍ تطلُّ على أفقٍ ممعنٍ في النحول. في تلك الحجرةِ المتقشفةِ قرأتُ باقةً من الكتبِ والنصوص الجميلة ، أذكرُ منها : “ غيمةٌ في بنطلون “ لمايكوفسكي ، “ المهد “ لأدونيس ، الأعمال الكاملة لأمل دنقل ، “ صيادون في شارع ضيق “ لجبرا إبراهيم جبرا ، “قصة حب مجوسية “ لعبدالرحمن منيف ، “ الغراب “ لأدغار ألن بو ، “ وجوه دخانية في مرايا الليل “و “ ترجمة رملية لأعراس الغبار “ لعبدالله البردوني ، “ الأشياء تتداعى “ لغينوا اتشيبي ، “ زيارة السيدة السومرية “ لحسب الشيخ جعفر ، “ الجنوبي “ لعبلة الرويني ، “ الجريمة والعقاب “ لدوستويفسكي ، “ وردٌ أقل “ لمحمود درويش ، “ تقريظ للطبيعة “ لعبدالرحمن طهمازي ، الأعمال الكاملة لبدر شاكر السياب ، الأعمال الكاملة لصلاح عبدالصبور ، “موسم الهجرة إلى الشمال “ للطيب صالح ، وأربعة أجزاء من “ مشاهد إنسانية “لناظم حكمت ، وديوان لخليل حاوي. في تلك الحجرةِ الضامرة بكيتُ حين قرأتُ في الصحف تفاصيلَ انتحار خليل حاوي ، أحزنني كثيرًا إصرارُهُ على إنهاءِ حياتِهِ.. حدث ذلك الأمر المريع على السطح حتى لا يلوث البيت وتتعب أمُّهُ في تنظيفِ دَمِهِ المسفوك ، لقد فعلَ ذلك احتجاجًا على الاجتياح الإسرائيلي لعاصمة بلاده “ بيروت”. في تلك الغرفة أيضًا بكيتُ حين قرأتُ عددًا خاصًّا فريدًا عن أمل دنقل أصدرته مجلة “ إبداع “ إثر رحيله ، بكيت وأنا أقرأ “ قصائد الغرفة رقم ٨ “، وبكيتُ أكثر حين التهمَتْ نيرانٌ غامضةٌ غرفتي الصغيرةَ المتقشفةَ تلك ، وتحديدًا بكيتُ على نواةِ مكتبةٍ فاتنةٍ كانت تحترقُ أمام ناظري ولم أستطعْ إنقاذ كائناتها الجميلة.لقد كان الجحيمُ يتنزهُ متمهلًا على مقربةٍ مني ، و لكنني نجوت. 2 ما أجمل الحديث عن تلك الأيام الصعبة ! أعني تحديدًا حقبة الثمانينات ، حيث كان الكتابُ الجميلُ نادرًا ، و كان العثورُ عليه أمرًا شاقًّا ..لقد كان الكتابُ يرتحلُ بين الزملاء والأصدقاء حتى يصابَ بالبلى و يتغيرَ لونُ غلافه من فرط الاستخدام مثل رواية “ الفراشة “ لهنري شاريير ، أو كتاب “ كبار الكتّاب كيف يكتبون “ ، أو تلك الروايات الجميلة التي كانت تصدر عن سلسلة “ ذاكرة الشعوب “ مثل “ الأشياء تتداعى “ و “ مضى عهد الراحة “ و “ الحوالة “ و “ رحيق في غربال “ و “ دعوني أتكلم “ ...الخ للحصول على حفنةٍ من الكتب المدهشة كان يلزمك أن تصادق صاحب “ الدار السعودية للنشر والتوزيع “ في جدة ، تلك التي كانت تقع في “ شارع قابل “ ، ثم انتقلت إلى مكانٍ آخر في حي الرويس ، وتحديدًا في مواجهة مستشفى الدكتور سليمان فقيه بعد أن تحول مكانها الأول إلى “ كابينةٍ “ للهاتف !إذا اطمأنَّ لك الرجل وتأكد من كونك قارئًا جيدًا يأخذك إلى المستودع ، ويقول لك بلطف : “ اخترْ ما شئت “ ، وهناك قد تعثر على ضالتك. وثمة مكتبة أخرى هي “ مكتبة المريخ “ يُقَال إنها للأستاذ عبدالله الماجد ، كانت تقع في إسكان “ الشرفية “ مطلَّةً على الشارع العام ، إذا “ فتشتَ “ بها جيدًا قد تعثر على كتابين أو ثلاثة من تلك الكتب التي تستحق ضوءَ عينيك. وفي الشارع المقابل لها تقعُ مكتبةٌ رائعةٌ اسمها “ مكتبة البيان “ ، أذكر أني وجدتُ بها كتاب “ المواقف والمخاطبات “ للنفري ، وكتاب “ الهفت والأظلة “ المنسوب إلى جعفر الصادق ، والأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو ، و” موسم الهجرة إلى الشمال “ للطيب صالح. أمَّا كتاب “ ابن الراوندي ملحدًا “ فقد عثرتُ عليه في مكتبةٍ صغيرةٍ منزويةٍ في حيِّ الهنداوية قرب صيدلية “ العاصمة “. وفي هذا السياق ، أشيرُ إلى مكتباتٍ صغيرةٍ تقع في حي “ الجامعة “ ، كانت تبيعُ كتبًا للطلبة بوصفها مراجع أكاديمية ، في واحدةٍ منها عثرتُ على كتاب أدونيس الشهير “ الثابت والمتحول “ بأجزائه الثلاثة فيما كان الجزء الرابع غائبًا ، من فرط فرحي به في تلك المرحلة كدتُ أطير . وثمة مكتبة صغيرة في شارع الميناء بحي الهنداوية اسمها “ مكتبة الخطّابي “ كنا نجدُ بها المجلتين العراقيتين الشهيرتين “ الأقلام “ و “ الطليعة “ ، كذلك نجد بها مجلتي “ إبداع “ المصرية و” اليمن الجديد “ اليمنية ، لكنَّ المرحلة الأهم هي تلك التي تعرّفنا فيها على فايز أبا - الأستاذ و المعلّم والمثقف والمترجم الجميل والإنسان النبيل شفاه الله. كان فايز يملكُ مكتبةً مليئةً بما لذَّ وطاب من موائد الثقافة إبداعًا وفكرًا ونقدًا ، وكان أبو يوسف سخيًّا ومحبًّا لكل مبتلى بالهوَسِ القرائيِّ ، ولم يكنْ يبخلْ علينا أبدًا بكتبهِ الجميلةِ والفاخرة. 3 حقًّا إنها أيام الشغف ، وتستحق أن تُروى. في القسم الثقافي في صحيفة “ عكاظ “ كنا نمكث إلى الساعة الثالثة بعد منتصف الليل .. يحدث ذلك بعد إنجاز عملنا وبعد الاطمئنان على صدور صفحتنا الثقافية في عدد الغد ، أو صدور ملحق “ أصداء الكلمة “ الذي يتكون من ثماني صفحات عامرة بكل ما لذ وطاب ويصدر يوم الثلاثاء من كل أسبوع ..كنا نتحاور في الشأن الثقافي ونشير إلى أهم ما نشر في الملاحق الثقافية الأخرى التي تصدر عن بعض الصحف المنافسة ، كما كنا نتحدث عن كتبٍ جادة وعميقة جديرةٍ بالقراءة ، ونتبادل كتبًا أخرى لقراءتها والحديث عنها لاحقًا..بل كنا - نحن جماعة “ منطق النص “ - نلتقي غرة كل شهر ، وكان لقاؤنا هذا الذي يشبه الندوة الأدبية يلتئم في إحدى قاعات “ عكاظ “..نتناول بالنقد والتحليل والنقاش كتابًا أو قصةً أو قصيدةً يحددها قبل شهر من اللقاء مدير الندوة الذي يتجدد في كل جلسة ..وكنا نسجل تفاصيلَ ما يدور عبر جهاز التسجيل ليتم تفريغها على الورق فيما بعد ومن ثم النشر على مساحاتٍ واسعة في الملحق الثقافي الأسبوعي وفي الصفحة الثقافية اليومية. على أي حال ، “ منطق النص “ هي مجموعة مكونة من عدد من الكتّاب والشعراء والساردين والنقاد ..أذكر منهم عبدالله الغذامي وسعيد السريحي وعثمان الصيني وعالي القرشي ومحمد الثبيتي وعبده خال ومحمد الطيب وقينان الغامدي وحامد بدوي وفايز أبا وأنا..وليعذرني من نسيت اسمه لأن ذاكرتي أضحت مثقوبة. 4 في تلك الأيام الصعبة ، القصية ، والنائية كان العثور على كتابٍ جميلٍ بمثابة عرسٍ كبير ، تمامًا كما حدث معي حين عثرتُ على كتاب [ ضبط الرعاع ] لنعوم تشومسكي في مكتبة “ تهامة “ بجدة .. هذه المكتبة كانت رئةً من تلك الرئاتِ القليلةِ المهمةِ والنادرة التي كنا نتنفسُ عبرها شيئًا من الهواءِ النظيف. أتذكرُ جيدًا أنني اشتريتُ نسخًا عديدةً من هذا الكتاب ، احتفظتُ بواحدةٍ منها ، وقرأتُها بشغف ، وهي في مكتبتي حتى يومنا هذا ، فيما وزعتُ النسخَ الأخرى على عددٍ من الأصدقاءِ والزملاءِ في “ عكاظ الأسبوعية “ التي كنتُ مديرَ تحريرِها عددَ سنين..فعلتُ ذلك لكي تتسنى لنا - كما هي عادتُنا في أوقاتِ الراحة - مناقشةُ الكتاب ، بعيدًا عن ضغوطِ العملِ الصحفيِّ المضني الذي وصفه محمود درويش بأنه “ طاحونةُ اليومِ المعتاد “. تلك الجلسةُ الطويلةُ من النقاش المثمر والحوار الممتع كانت تنعقدُ عادةً في “ استراحة “ صديقنا وزميلنا الصحفي الجميل حسين الحجاجي ، التي كانت تقعُ في حَيِّ” الحرازات “ الموصوف بالهدوء وبكلِّ ما يفضي إلى السكينةِ و راحةِ البال بعيدًا عن صخبِ المدينةِ وضجرِها الذي لا يغيب. إن هذا الكتاب الثمين هو بمثابة حوار طويل عميق أجراه مع نعوم تشومسكي المحاورُ العنيد ديفيد بارساميان وترجمه بحبره الفصيح هيثم حجازي. 5 وفي هذا السياق - سياق الحديث عن الكتب - أتذكرُ هذه الحكاية: عندما كنتُ “ معلّمًا “ ، زارنا في المدرسة “ مشرفٌ تربوي “، أقام لنا ورشةَ عملٍ عن مفهوم “ إدارة الصف “ .. في البدء سألنا ماذا يعني لكم هذا المفهوم ؟ أجاب زميلٌ لنا : يعني لي “ ضبط التلاميذ “ ، حانت مني ابتسامةٌ عريضةٌ هادئة ، وإذّاك سألني المشرفُ : لماذا تبسمت ؟ قلت : لأن إجابة الزميل العزيز ذكرتني ب “ ضبط الرعاع “.هنا بدت على وجه المشرف ـ الذي لم يكن يعرفني على المستوى الشخصي ـ دهشةٌ واضحةٌ وشيءٌ كأنه البهجة ، وأضافَ متسائلًا : هل قرأتَ كتاب “ ضبط الرعاع “ لنعّوم تشومسكي ؟ .. قلتُ : نعم ، وأضفتُ مؤكدًا : هذا الكتابُ حوارٌ طويلٌ معه وأنا أعتبره واحدًا من أهم وأجمل كتبه لأنه ـ وهو اليهودي الأمريكي ـ يدينُ في كتابه هذا “ الكيان الصهيوني “ بكل وضوح ويعتبر “ الصهاينة “ محضَ رعاعٍ يجبُ على العالمِ ضبط سلوكهم ، ردَّ مبتسمًا : هذا صحيح. ثم سألني : هل قرأتَ إدوارد سعيد ؟ أجبت : قرأت له “ تغطية الإسلام “ و “ خارج المكان “ و “ القلم والسيف “ ، ردَّ بسعادةٍ كبيرة : أنا قرأتُ له “ الاستشراق “ ، ما رأيك تعيرني “ خارج المكان “ .. قلت : بكل سرور ، وليتك تعيرني كتابه الأهم “ الاستشراق “ الذي لم أعثرْ عليه. هذا المشرف “ المثقف “ هو : محمد إسماعيل الغامدي ، عملتُ تحت إشرافه ثلاث سنوات كانت من أجمل سنوات حياتي العملية.. لأنه كان شغوفًا بالكتبِ الجميلةِ كان راقيًا ، ومختلفًا ، وكان العملُ معه محضَ متعةٍ كبيرة. بقيَ أن أقول : أسردُ هذه الحكايةَ هنا ؛ لأؤكد فقط على أهمية الكتب ، ودورها في تجسير العلاقة والمحبة بين البشر. 6 ذات أمسيةٍ من أمسياتِ نادي جدة الأدبي الفخمة - في التسعينيات إنْ لم تخذلني الذاكرة - غَصَّتِ القاعةُ عن بكرةِ أبيها بالحضور ، وثمة من ظلَّ واقفًا يصغي بانتباهٍ واحترامٍ وإعجاب. كان شاعرُنا وكاتبُنا و مفكرُنا وأستاذُنا الكبير محمد العلي رحمه الله هو سيد تلك الأمسية ، وفيها قرأ أجملَ قصائده بإلقائِهِ المميز وحضورِهِ المدهشِ الذي يأسرُ الروح ، وعلى رأسِ تلك القصائدِ رائعته الكبرى “ لا ماء في الماء “. في ختام الأمسية التي استغرقـتْ ساعاتٍ ، فُتِحَ بابُ المداخلات والحوار والنقاش الذي يثري ويضيف.في هذا السياق طلبَتِ التعليقَ صبيّةٌ مبتدئةٌ في دنيا الكتابة ، ولأنَّ ذاكرتي مثقوبةٌ تذكرتُ الآن فقط اسمَها الأول “ سهام “. وكانتِ الصحفُ حينذاك تفردُ مساحةً واسعةً لمقالاتها ولمقالات سواها من الكاتبات “ الصاعدات “ ؛ تشجيعًا ودعمًا للصوتِ النسائي ، وهي صدّقَتْ نفسَها ! المهم ، هذه الصبيةُ قالت لشاعرنا وكاتبنا و مفكرنا وأستاذنا الكبير - قامةً وقيمةً وسِنًّا - بغضبٍ صريحٍ وطيشٍ كبيرٍ وكلامٍ يشبهُ الإساءةَ العلنيةَ ، وكأنَّها تنتقصُ منه شخصًا ونصًّا ، هكذا : “ في الساحةِ الثقافيةِ يعتبرونك أستاذًا كبيرًا وكاتبًا متميزًا ومفكرًا عظيمًا وشاعرًا متفردًا مع أنك لم تصدرْ أيَّ ديوانٍ ولا أيَّ كتابٍ عليه القيمة “. صمتَ العلي هنيهةً ، ورَدَّ بصوتٍ واضحٍ رصين ، هكذا : “ يالها من سهامٍ طائشة “ !! ثم أطلقَ ضحكةً طويلةً مجلجلةً كأنَّها سربُ نسورٍ في تلك القاعةِ الفسيحةِ التي دوّى فيها تصفيقُ المحبين الشغوفين بجمالِ وإبداعِ وثقافةِ وعطاءِ محمد العلي رحمه الله. *تنويهٌ لابد منه : لم يكنْ أستاذُنا العلي حريصًا على طباعةِ ديوانه ، لكنَّ محبيه جمعوا قصائده المبعثرة ، وأصدروه عن نادي حائل الأدبي تحت عنوان “ لا ماء في الماء “ ، مصحوبًا ب CD نفيس يلقي فيه بصوته الفاخر عددًا من قصائده المميزة. كذلك هناك من الأصدقاء المحترمين المشتغلين بمجلة اليمامة وسواها ، جمعوا مقالاته الرصينة العميقة المنشورة في “ اليمامة “ منذ سنواتٍ بعيدة ، وأصدروها في كتاب. 7 لستُ أدري لماذا دائمًا تلحُّ عليَّ هذه الذكرى ؟ عندما كنتُ طالبًا في الجامعة كنتُ بعد محاضراتِ الصباحِ التي تمتدُّ حتى منتصف النهار أمكثُ طويلًا في المكتبة ، أقرأ ما أدهَشَ وأضَاءَ وأغنى من الكتبِ الجميلة والمجلات الفاتنة المعنية بالأدب والإبداع والجمال حتى يحينَ موعدُ محاضراتِ المساء. وهنا لا يسعني إلا أنْ أقولَ بصراحةٍ : جلوسي الطويلُ في المكتبةِ ليس كلُّهُ حُبًّا في المكتبةِ والكتب ، وإنما يعودُ لشرطٍ اقتصاديٍّ محض ، ألخصه في كونه محاولةً مني - أنا ابنُ الصيّادِ الفقيرِ المغتربِ في جدَّة - لترشيدِ نفقاتِ المواصلات. وهنا أقولُ باحترامٍ كبير : أيُّها الفقرُ النبيلُ ما أجملك !