ماذا حدث بسبب أمسية العلي في «أدبي جامعة الملك سعود»؟
يهمني بعد رحيل الشاعر والكاتب محمد العلي أن أوثق أثراً له في حياتي يصعب تصنيفه بأنه موقف شخصي محض، بل مرتبط بحقبة فكرية وثقافية مرت على المجتمع بأسره. ورغم تداخل الشخصي بالثقافي في هذه الشهادة بشكل ملحوظ، إلا أن ذلك ملمح مهم بأن الشخصيات البارزة والمؤثرة معجونة في التفاصيل للحد الذي يصعب معها فصل أحدهم عن الآخر. أثناء الفترة الجامعية، وهي أهم مرحلة إنسانية يتشكل فيها المرء شخصياً وثقافياً، وضعني محمد العلي دون دراية منه على منصة الشهرة في أروقة كلية الآداب تحديداً (كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية حالياً)، والجامعة عموماً. فعلى الرغم من انخراطي في الأنشطة العامة، وكتابة عدة مقالات في مجلة الجامعة الأسبوعية “رسالة الجامعة”، إلا أن حدثاً غير ذلك تماماً، وبات اسمي أكثر تداولاً. قبل تلك الحادثة المرتبط بالعلي، قررنا برفقة عدد من الزملاء الطلبة العمل على إنشاء “النادي الأدبي” (تلاشى أثره الآن) في كلية الآداب، وثقة بمن حولي تم تعييني أول رئيس له، وذلك تحت إشراف أحد أعضاء التدريس القادمين حديثاً من الولايات الأمريكية المتحدة، وهو الدكتور ناصر الحجيلان. كان النادي الذي استهل نشاطه في بداية العام الدراسي من عام 2008 محصوراً على أعضاءه، عبر أمسيات وورش عمل وجلسات نقدية، حتى تم اتخاذ قراراً بتدشين مسار الفعاليات الجماهيرية، وبعد مداولة قصيرة وقع الاختيار على الشاعر محمد العلي كي يقيم أمسية شعرية على مسرح الجامعة، والتي للمفارقة تزامنت كتوقيت مع تصريح الدكتور عبدالله الغذامي الشهير عن شينية العلي. ورغم ما يظهر من بساطة الفعالية في الوقت الحاضر، إلا أن استضافة رأس من رؤوس الحداثة في أحد أنشطة أي من الجامعات المحلية التي كانت محاطة بخطاب صحوي صرف، حدث فارق استدعي معه أحداثاً لا نهاية لها. استرعت تلك الفعالية الانتباه لمن يقف خلفها، وهو رئيس النادي القادم من شرق الوطن لدراسة النقد والأدب، فوجدت نفسي في مرمى الاستهداف وأتلقى ساهماً لم يكن لي بها سابق علم. فقد أوفدت لي جماعة المسجد من يطرق باب غرفتي في سكن الجامعة غير مرة، وفيها يتم تذكيري بالله والتحذير من عاقبة فعلتي في الدنيا قبل الآخرة، بالإضافة إلى إهداء مطويات وكتب وفتاوى تحذر من الحداثة والعلمانية، وعلى رأسها كتاب “الحداثة في ميزان الإسلام”، والذي للتاريخ، رد عليه محمد العلي في سلسلة مقالات نشرت في صحيفة الوطن الكويتية عام 1989 تحت عنوان “قراءة ساخنة في كتاب بارد”. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تلقيت اتصالات ورسائل نصية مكثفة من أرقام أجهل من يقف خلفها، والتي لم يتورع أصحابها عن الهجوم والقذف، بل تم وصفي بالزنديق والضال، وصولاً إلى اتهامي بالكفر. اللافت كانت مكالمة مع شخصية جماهيرية وبارزة جداً في تيار الصحوة آنذاك، والتي امتدت لقرابة الساعة، إلا أن ما حوته في حينه أفضل الاستئثار به لوقت لاحق؛ بخاصة بعد تغيره الآن وانقلابه عما كان عليه؛ بخاصة بعد أن جمعنا لقاء عابر تذكر فيه الموقف وإلا أنه انكر ما قاله، وكل ذلك في جلسة واحدة!. هذه الأحداث التي سبقت الأمسية، بالإضافة إلى التهديد الذي وصل من شخصيات مجهولة بمهاجمة الفعالية وإيقافها بسبب ما وصف بالمكابرة بعد تمسك النادي بإقامتها، استدعى أن يحيط رجال أمن الجامعة بمداخل ومخارج المكان بشكل مُحكم، وإخضاع كافة الضيوف إلى التفتيش. من أبرز تلك الأسماء التي حضرت الأمسية من خارج الجامعة، العم محمد القشعمي (أبو يعرب) أطال الله في عمره، والأستاذ الراحل سعد البواردي. ووسط بهجة الحاضرين بهذه الفعالية، كان العبد الفقير مع رفاقه يخوضون خارج المسرح نقاشاً حاداً مع “مجموعة محتسبة” رأت في إقامة الأمسية فعل منافياً لمنهج الله ورسوله الكريم. ورغم حداثة التجربة وقتها على فتية في مقتبل العمر، إلا أنه تم التعامل بحكمة في صد ذلك الهجوم، حتى غادرت تلك المجموعة بدون أضرار مادية، وكل ما لحق بنا هي دعاوي بعقوبة من الله لا تبقي من نسل أي منا ولا تذر. من لطائف ذلك اللقاء هي الخروج برفقة الضيف، وعدد من الحضور المقربين منه لتناول العشاء في مطعم “الريف اللبناني” في شارع التحلية، الذي يعتبر بالنسبة لأعضاء النادي الذين لازالوا طلاباً، حلماً من أحلامهم التي يمنون نفسهم بدخوله كلما مروا به صدفة. تلك النشوة التي طالت أعضاء النادي، دفعتنا إلى مواصلة الفعاليات الجماهيرية بحماسة عالية، فكانت المحصلة استضافة الروائي يوسف المحميد للحديث عن تجربته، ثم إقامة أمسية شعرية للشاعر عبدالله الصيخان، وعقد محاضرة للدكتور صالح زياد للحديث عن المنتج الروائي السعودي، وأخيراً، استضافة عضو مجلس الشورى الدكتور خليل الخليل للحديث عن ثقافة الاختلاف. والقاسم المشترك بين جميع الأسماء السابقة، أنها ليست على ذات المنهج والخط المتعارف عليه في فعاليات الجامعة، ما تسبب بأن يتم الانتقام من الطلبة القائمين على فعاليات النادي الأدبي من بعض أعضاء هيئة التدريس، منها تعمد أحدهم أن أتعثر عن قصد وعمد لثلاثة فصول متتالية في مادة عن وزن وبحور الشعر، حيث صارحني بذلك في مكتبه، مؤكداً بأني سأبقى حبيس هذه المادة التي لا يقدمها أحد غيره؛ بحجة وجوب تأديب فتى مثلي على كل ما يفعله. استمر الحال عليه حتى شاءت الأقدار أن تفتح شعبة حديثة، ومن خلالها تم العبور لدرجة النجاح بسلام ولله الحمد. بعد التخرج والعودة إلى مدينتي الدمام، وتحديداً عام 2015 تلقيت اتصالاً من العزيز أحمد الملا، والذي كان يرأس فرع جمعية الثقافة الفنون بالمدينة نفسها، وأبلغني باختياري لتقديم حفل مهرجان الشعر الأول الذي يتم فيه الاحتفاء بمحمد العلي. واقفت دون تردد، فأنا مدين لهذا الرجل بشهرة أوصلتني إلى الصحافة، والتي على إثرها تم استقطابي من قبل الأستاذ أحمد زين، وعلى يديه تتلمذت حتى تم تعييني صحفياً في صحيفة الحياة. في ختام حفل مهرجان بيت الشعر عمدت أن أذكر أبرز نقاط القصة الماضية، ومن خشبة المسرح كنت أرى اندهاش العلي بالقصة التي كنت أرويها، وملامحه تعلوها البهجة. بعد انتهاء الحفل، حرص الرجل الذي كان في منتصف السبعين من عمره أن يجلس مع ذلك الشاب الذي تلاشت ملامحه من ذاكرته المزدحمة، فكان سلامه حاراً، وحرص فيه على الاستماع إلى ما قد يكون قد سقط مني سهواً، وقبل أن يغادر أهداني قلمه الشخصي الذي كان يوقع به كتاب “تلك الزرقة التي علمتنا الأناشيد” الصادر احتفاء به في هذه المناسبة، فكانت هدية عزيزة علي واستذكرها بكافة دلالاتها في يوم رحيله.