مطر تسلل من بعيد.

اختلفت عليّ رائحة الأرض وأنا أتسلل إلى مجرى السيل الذي كان على مقربة من مزرعتنا التي نجلس فيها بشكل شبه أسبوعي. تسللت عبر باب من الحديد، ونحرت الطريق، كما نقولها بالعامية، بين صخور الحرة السوداء. كان معي قريب لي أحبّ أن يشاركني تلك اللحظات. كان السيل نتيجة أمطار تلك الأنحاء القريبة من المزرعة، وقد بدأ يحاذي المكان الذي اعتدنا الذهاب إليه. الماء غمر تجويفات الصخور، وكنا نضع رِجلًا ونرفع أخرى، نتبع صوت تدفقه من بين الصخور. وكالعادة، لا تريد أن تفوّت لحظة دون أن تلتقطها بعدسة الكاميرا؛ كان رفيقي مشغولًا بجواله الذي اشتراه للتو، ودارت لقطاته في كل اتجاه. ورغم أن المطر قد توقف منذ ساعات، بدا أثره في الأرض واضحًا، وعرفنا أنه من السيول المنقولة التي تأتي من أماكن أخرى. كان صوت الماء عبر تلك الحجارة يرتفع ويتقطع وكأنه يعزف، مشهد بديع لا تريد أن تشيح ببصرك عنه. وقبل الغروب بدقائق، قلت لرفيقي: “أريد أن أجلس قليلًا”، مستمتعًا بمنظر الطبيعة وتلك المياه، وصوت الماء يصافح الأرض ويتنقل بين الحجارة. وبقيت أتأمل المكان، ونُتَفٌ من سحاب تتناثر في السماء. ومع الغروب وحمرة الشفق، ترى انعكاس ما تبقى من خيوط الشمس على الماء، وبعض معالم الشجر وأغصانه المبللة بدا وكأنها مغروسة في الماء. رائحة الأرض اختلفت حين خالطها ماء السيل الذي جاء من بعيد مارًّا بمختلف أنواع الزهور والأعشاب البرية. ترددت في الشرب من ذلك الماء، وقد غيّر التراب لونه، رغم أننا كنا نشربه في طفولتنا ونعدّ منه الشاي. فاكتفيت بغسل وجهي، أتحسس براد الماء وأشمّ رائحة الأعشاب. بين صوت للسيل يتقطع، وطيور زاد تغريدها بعكس العادة، تداعت ذكريات حيّنا القديم. وكأن المشهد يعيد نفسه ونحن نرتاد مكانًا يسمى “القليته”، كان عبارة عن تجويف صخري كبير في الحرة تتجمع فيه مياه الأمطار. اقترب الظلام، ولم أكن أحمل كشافي الضوئي، فرأيت أن أعود إلى المزرعة، تحسبًا لصعوبة المشي بين تلك الصخور، بعضها ذو حواف مسننة، غير ما قد تفاجئك به شقوقها في العتمة. وكنت أسمع ضجيج عدد من الأصدقاء في المزرعة، وصلوا متأخرين، على موعد مع سهرة برية على إيقاع مطر تسلل من بعيد.