أكدت مختصات في علم النفس أن الوعي بالمشاعر وفهم أسبابها والتعامل معها بوعي، من العوامل المهمة في مواجهة ضغوط الحياة واستعادة التوازن النفسي، محذرات من أن تراكم المشاعر السلبية والاجترار المستمر للتجارب المؤلمة قد يفاقمان القلق ويؤثران في العلاقات وجودة الحياة. «اليمامة» فتحت ملف المشاعر الإنسانية وتأثيرها في الصحة النفسية، وطرحت على عدد من المختصات والمستشارة أسئلة حول كيفية فهم المشاعر واحتوائها، وسبل تجاوز التجارب المؤلمة والحد من القلق والتوتر، ودور العادات اليومية والوعي بالذات والإيمان في استعادة الطمأنينة. أمل الحرز: الوعي بالجسد مدخل لفهم المشاعر تؤكد الدكتورة أمل الحرز أن الوعي بالجسد خطوة أساسية لفهم المشاعر والاحتياجات؛ فالحالة النفسية تؤثر في الجسد، كما تنعكس الحالة الجسدية على المزاج والتركيز والحيوية. وقد يرتبط التوتر والقلق والحزن المستمر باضطرابات النوم وشد العضلات والإرهاق وضعف التركيز، دون أن يعني ذلك أن كل مرض جسدي سببه المشاعر. وتوضح أن فهم إشارات الجسد، مثل شد العضلات أو اضطراب النوم أو ضعف التركيز، يساعد على إدراك الحاجة إلى الراحة أو التعامل مع الضغوط. ويمكن تخصيص دقائق يومية للتنفس الهادئ وملاحظة المشاعر، إلى جانب الالتزام بالنوم الكافي والغذاء المتوازن وشرب الماء والحركة والعلاقات الداعمة. وتشير الحرز إلى أن تمارين التنفس واليقظة الذهنية وسائل مساعدة لإدارة التوتر، لكنها لا تغني عن الرعاية الطبية أو النفسية عند الحاجة. كما أن التوازن لا يعني الشعور بالسعادة طوال الوقت، بل القدرة على استعادة العافية ومواجهة ضغوط الحياة بوعي ورفق. إسراء موسى: فهم المشاعر يعزز التوازن ترى الدكتورة إسراء موسى أن المشاعر تؤثر في الطاقة النفسية وطريقة التفكير والقدرة على التعامل مع الحياة؛ فالفرح والامتنان والأمان تعزز التركيز والتواصل، بينما قد يؤدي القلق والحزن والغضب المستمر إلى الإرهاق واضطرابات النوم وضعف التركيز. وتؤكد أن المشاعر الصعبة ليست دليلًا على الضعف، بل قد تكشف عن احتياجات داخلية؛ فالحزن قد يرتبط بالفقد، والغضب بالشعور بالظلم، والقلق بالخوف من المستقبل. لذلك، فإن فهم أسباب هذه المشاعر والتعامل معها بوعي أجدى من مقاومتها أو الهروب منها. وتضيف أن التوازن النفسي يتطلب التمييز بين ما يمكن تغييره وما يقع خارج نطاق السيطرة، والاهتمام بالنوم والراحة والحركة المنتظمة، والتحدث مع أشخاص موثوق بهم. فالإنسان ليس مطالبًا بالتماسك والإنتاجية طوال الوقت، والقوة الحقيقية تكمن في فهم احتياجات الذات والتعامل معها برفق. مزنة الجريد: الوعي بالمشاعر يحمي العلاقات تشير الدكتورة مزنة بنت مبارك الجريد إلى أن المشاعر تؤثر في الأفكار والسلوك واستجابات الجسم، وأن الخوف والحزن والغضب المستمر قد تزيد التوتر وتستنزف التركيز، بينما يسهم الهدوء والرضا والشعور بالأمان في تعزيز التوازن النفسي. وتوضح أن التعامل الصحي مع المشاعر يبدأ بالاعتراف بها وفهم أسبابها والتعبير عنها بطريقة سليمة، مع ممارسة التنفس الهادئ وتنظيم النوم والحركة البدنية والاستعانة بشخص موثوق. كما ينعكس الوعي بالمشاعر على العلاقات الأسرية، إذ يساعد ضبط ردود الأفعال على تعزيز التفاهم والاستقرار. وتؤكد أن تحقيق التوازن يتطلب الاهتمام بالاحتياجات الجسدية والنفسية والاجتماعية، ووضع حدود صحية في العلاقات وتقليل مصادر الضغط، إلى جانب ممارسة الامتنان والتأمل أو الذكر. ولا يعني النضج النفسي غياب الحزن والغضب، بل القدرة على فهمهما والتعبير عنهما بحكمة دون إيذاء الذات أو الآخرين، مع ضرورة التقييم الطبي للأعراض الجسدية المستمرة. نسيم الغامدي: استعادة الاتزان تبدأ بفهم أسباب الاستنزاف تطرح الدكتورة نسيم بنت ربيع الغامدي تساؤلًا حول ما إذا كانت أحداث الحياة هي التي تستنزف الإنسان، أم الطريقة التي يتعامل بها مع مشاعره تجاهها. فالكلمات الجارحة وخيبات الأمل والقلق والتجارب العالقة في الذاكرة قد تسبب إرهاقًا نفسيًا حتى بعد الحصول على قسط كافٍ من النوم. وتوضح أن ما يُسمى «طاقة المشاعر» تعبير عن الحيوية النفسية التي تتأثر بالانفعالات وتفسيرات الأحداث، وتنعكس على الأفكار والجسد والعلاقات وجودة الحياة. كما أن الاستغراق المتكرر في التجارب السلبية قد يزيد التوتر ويؤثر في النوم والتركيز والاستقرار الانفعالي. وتؤكد أن المشاعر الثقيلة لا تعني الضعف، بل قد تكشف عن احتياجات نفسية أو حدود شخصية تستدعي الفهم. ويبدأ النضج الانفعالي بالاعتراف بالمشاعر وتنظيمها دون السماح لها بالتحكم في السلوك. وتضيف أن استعادة التوازن تتطلب إعادة تقييم المواقف، والتمييز بين الحقائق والمخاوف، وممارسة التنفس الهادئ وتنظيم النوم ووضع حدود صحية، مع طلب الدعم عند الحاجة. فالتوازن ليس غياب المشاعر السلبية، بل القدرة على احتوائها واستعادة الاتزان بعد الأزمات ومنح النفس وقتًا للتعافي. مزيانة الخليوي: ليس مطلوبًا تفسير كل تجربة مؤلمة توضح الدكتورة مزيانة بنت عبد المحسن الخليوي أن قدرة الإنسان على تجاوز التجارب المؤلمة تختلف باختلاف سمات الشخصية والخبرات السابقة وأساليب التفكير وتنظيم المشاعر. فالأشخاص ذوو الحساسية الانفعالية المرتفعة أو الميل إلى القلق قد يكونون أكثر عرضة للاجترار الفكري، الذي يجعلهم يستعيدون المواقف المؤلمة مرارًا. وتشرح أن محاولة تحليل كل تفاصيل التجربة والبحث عن تفسير لكل تصرف قد تمنح الإنسان شعورًا مؤقتًا بالسيطرة، لكنها قد تتحول إلى دائرة من التفكير المتكرر دون الوصول إلى حلول أو فهم جديد. وهنا يظهر الفرق بين الوعي بالذات والإفراط في التحليل؛ فالوعي يساعد على فهم المشاعر والاحتياجات، بينما قد يطيل الاجترار الارتباط بألم الماضي ويعطل التعافي. وتطرح الخليوي سؤالًا: هل نحتاج فعلًا إلى تفسير كل ما يؤلمنا حتى نشعر بالراحة؟ وترى أن بعض التجارب قد لا تحمل إجابات واضحة، وأن الاستمرار في البحث عنها قد يزيد المعاناة بدلًا من تخفيفها. وتؤكد أن التقبل النفسي والمرونة لا يعنيان الاستسلام للألم أو تجاهل المشكلات، بل الاعتراف بالمشاعر والتعامل معها بوعي، دون السماح لها بالسيطرة على القرارات والسلوك. وقد تبدأ السكينة حين يدرك الإنسان أنه ليس مضطرًا إلى إيجاد تفسير لكل خذلان، وأن تجاوز الماضي لا يتوقف دائمًا على فهم جميع تفاصيله. هدى أشكناني: ثلاث وسائل للتعامل مع القلق تشبّه الدكتورة هدى يوسف حجي أشكناني المشاعر بحركة المد والجزر؛ فهي تتغير بين الهدوء والاضطراب، وقد تتراكم الضغوط اليومية في صورة إحباط أو شعور بالعجز أو استياء، لتنعكس على النفس والجسد في هيئة قلق وتوتر. وتوضح أن استمرار حالة التأهب النفسي قد يصاحبه اضطراب في النوم والتركيز وأعراض جسدية، وأن محاولة إخفاء القلق أو كبت المشاعر لا تعني زوالها، بل قد تزيد العبء النفسي. وتستعرض ثلاث وسائل للتعامل معها: أولًا، تسمية المشاعر؛ فبدلًا من مواجهة القلق بوصفه حالة غامضة، يمكن سؤال النفس عن مصدره: هل يرتبط بالتعب، أم الخوف من عدم إنجاز مهمة، أم القلق من تقييم الآخرين؟ ويساعد التعرف إلى الشعور والاعتراف به على فهم أسبابه والتعامل معه. ثانيًا، إتاحة وقت للهدوء، من خلال الابتعاد مؤقتًا عن ضغوط المهام وممارسة أنشطة بسيطة، كالمشي في الطبيعة أو ركوب الدراجة أو الاستماع إلى الموسيقى أو احتساء مشروب دافئ. وترتبط هذه الفكرة بمفهوم «النيكسن» الهولندي، الذي يقوم على منح النفس مساحة دون الانشغال بهدف محدد. ثالثًا، التنفس البطيء، الذي يمكن أن يساعد على تنظيم الاستجابة للتوتر والقلق. وتؤكد أشكناني أهمية السماح للمشاعر بالمرور بدلًا من خوض معركة مستمرة معها، مستشهدة بقول الشاعر والروائي راينر ريلكه: «دع كل شيء يحدث لك: الجمال والرعب، فقط امض قدمًا، فليس هناك شعور نهائي». فاطمة الشافعي: الكتابة تساعد على استعادة الصفاء ترى الدكتورة فاطمة فتح الدين الشافعي أن المشاعر وتجارب الماضي تسهم في تكوين الشخصية وتؤثر في القدرة على الصمود النفسي، مشيرة إلى أن المشاعر، مهما بلغت قسوتها، ليست حالات دائمة، بل قد تساعد الإنسان على فهم ذاته وتوجيه قراراته. وتوضح أن تراكم الضغوط الفكرية قد يبقي الذهن في حالة تأهب تستنزف الطاقة النفسية، ما يجعل منح النفس وقتًا للتعافي أمرًا مهمًا. وتنصح بالاعتراف بالشعور وتحديده دون جلد الذات، مع الفصل بين الإنسان وما يشعر به؛ فقول المرء لنفسه «هذا شعور بالضغط أشعر به الآن، ولكنه ليس أنا» قد يساعده على مراقبة مشاعره بوعي ومسافة أكبر. وتشير الشافعي إلى أن كتابة الأفكار بحرية ودون ترتيب لمدة خمس دقائق قد تخفف العبء الذهني وتمنح شعورًا بالوضوح. كما تدعو إلى التركيز على اللحظة الراهنة بدلًا من اجترار الماضي أو استباق المستقبل بالقلق، وإلى محاورة الذات بصدق عبر سؤالها عما تحتاج إليه في اللحظة الحالية. نورة الزهراني: الإيمان يعزز الطمأنينة تؤكد المستشارة نورة الزهراني أن المشاعر تؤثر في اختيارات الإنسان ومسار حياته، وأن الانكسار والخذلان والصدمات قد تدفعه إلى ردود أفعال مبالغ فيها أو متسرعة، تنتهي أحيانًا بالندم والألم. وترى أن الهدوء والاتزان يساعدان على التعامل مع هذه الحالات، إلى جانب الإيمان بالله واليقين والرضا والتوكل عليه في مختلف ظروف الحياة، سواء ارتبطت بالنجاح أو الفشل أو غيرهما من التجارب. وتضيف أن التوكل لا ينفصل عن السعي والعمل بالخير والصبر والصدق، وأن اجتماع هذه المعاني يعزز الطمأنينة ويمنح الإنسان شعورًا بالسكينة والاستقرار الداخلي، ويساعده على مواجهة القلق والتوتر.