روائي من جيــل الثمانينــات شكـــل باكــورة الانفجـــار الروائـي فــــي المملكــة..
أحمد الدويحـي: أنـــا مفتــون بالروايــــــة ولا أمشـــي فــي الطريــق الواحــد مرتين.
يُعد الأديب والكاتب أحمد الدويحي أحد العلامات الفارقة والأسماء البارزة في مسيرة المشهد الروائي السعودي؛ إذ ينتمي إلى النخبة القليلة من جيل الثمانينات الذين شكلوا باكورة الانفجار الكتابي والنهضة الروائية الحديثة في المملكة. وعلى مدار مسيرة حافلة بالإنجازات، أسهم الدويحي بفاعلية في تطوير بنية السرد المحلي، متسلحًا بتجربة ثرية اتسمت بالجرأة في التجريب وتعدد التقنيات السردية التي تكسر القوالب المألوفة. انطلقت رحلة الكاتب رحاب الفن الأدبي من بوابة القصة القصيرة، حيث أصدر مجموعته القصصية الأولى «البديل» عام 1986. ولم تلبث هذه البداية المبكرة أن مهدت الطريق لتحول ناضج نحو الفضاء الروائي، فاستهل مسيرته في هذا الجين الأدبي برواية «ريحانة» عام 1991. وتجلت ذروة مشروعه الروائي في ثلاثيته الشهيرة «المكتوب مرة أخرى»، التي يعتبرها الكاتب “سنام” نتاجه الإبداعي وعماد تجربته، وصولًا إلى عمله البارز «بائعة الشاي»، ليواصل بذلك حفر اسمه بعمق في ذاكرة الرواية العربية والسعودية المعاصرة. في هذا الملف، نستعيد تجربة الدويحي من خلال حوار يتناول بداياته في قرية العسلة بالباحة، وانتقاله إلى الرياض في سن الثانية عشرة، وملامح تكوينه الأول بين الخطابة والغناء والحكاية الشفوية. ونتوقف عند سنوات عمله الصحفي، وقراره مغادرة الصحافة، كما نناقش انتقاله من القصة إلى الرواية، ومغامراته في التجريب، ورؤيته لتطور الرواية السعودية والمشهد الثقافي والنقدي. ويكشف الحوار عن جوانب جديدة من مسيرة الكاتب تتعلق بموقفه الراهن من الكتابة؛ إذ يتحدث عن توقفه عن النشر الإبداعي، ورفضه تقديم أعماله الجديدة إلى الناشر، بعد أن بات يشعر بأن الكتابة لم تعد تمنحه ما كان يجده فيها من تداوٍ وراحة. هنا ملف خاص عن هذا الروائي الرائد، يضم إلى جانب هذا الحوار الطويل، شهادات لعدد من الكتّاب والنقاد الذين قرأوا تجربته وعايشوا محطاتها، وشهادة من ابنته تقترب من جانب آخر من حياته، من داخل المنزل، لتكتمل صورة الكاتب في علاقته بأعماله وأصدقائه وأسرته.. تأملات في الرحلة الطويلة *بالنظر إلى مسيرتك المتنوعة في العمل الصحفي والحكومي والكتابة الأدبية، ما أبرز المحطات التي أسهمت في تشكيل شخصيتك الأدبية؟ وكيف تقيّم رحلتك الثقافية بعد هذه السنوات الطويلة من العمل والإنجاز؟ - رحلة الحياة مسيرة واحدة، لا تتجزأ إلى محطات، يتم تصنيفها حسب العمر و طبيعة الممارسة، أو هكذا أنظر إليها من زاوية إبداعية، فالكتابة الروائية بالذات شمولية، ومن تكرار القول بأن الرواية، فن مدني يزدهر في المجتمعات المدنية، ويستوعب كل الشرائح المتنوعة والمتعددة، وهي جنس أدبي شامل لكل الفنون الأدبية الأخرى، بمعنى أن ألواناً أخرى تدخل في البناء الروائي، كاللوحة والقصة والفلكلور والمسرح، والشعر الذي يعد الجنس الأدبي الأثير لدى الذاكرة العربية، والرواية عالم من الخيال موازٍ لعالم الواقع، يتداخل فيه السياسي والديني والشفــوي والتاريخي والأسطوري . أقف هنا – للنظر في هذه الرحلة الطويلة، وتأملها كما هي مجردة، بدون تأويل ولا تقييم مغري، ولكن من المؤكد بلا أدعاء أو شوفة النفس، أرى في تجربتي ما يشبه، تجربة مؤسس الرواية الفرنسية الحديثة، فالروائي الفرنسي آلان روب غرييه، قد لا يكون أهم روائي في فرنسا، ولكن لم يسقط أحد حقه في أولوية، تأسيس الرواية الفرنسية الحديثة، فروايتي ( ريحانة ) هي باكورة هذا الانفجار الكتابي الروائي الحديث، يقاسمني هذه الأولوية الزملاء عبد العزيز الصقعبي في رواية رائحة الفحم، والدكتور ناصر الجاسم في رواية الغصن اليتيم، وبالتأكيد الكتابة الروائية لم تتوقف أيضا في هذه المحطة، ورأينا أننا بعد الحادي من سبتمبر، نصدر في بعض المواسم أكثر من 100 رواية، بينما كنا نفرح سابقاً، إذا صدرت رواية واحدة في الموسم الواحد . الغناء فوق سطح البيت *وُلدت في قرية العسلة بالباحة، ثم انتقلت إلى الرياض، فعشت بين فضاءين مختلفين في تفاصيل الحياة والعلاقات الاجتماعية. ما الذي بقي من العسلة في وجدانك، وما الذي أخذته الرياض منك أو أضافته إليك؟ -في عمر الثانية عشرة، فرضت ظروفي المجتمعية، أن أغادر قرية نائية في أعالي جبال السروات، والحقيقة أني غادرتها بجسدي، ولكني حملتها معي في ذاكرتي، بصباياها، وغنائها، وحقولها، ومراعيها، وناسها بأفراحهم وأتراحهم، وصدمتني الرياض التي كنت أطوف حواريها و شوارعها، بدءاً من الصالحية شرقاً إلى ظهرة الشميسي غرباً، ومن شارع الريل والغرابي شمالاً، حيث موقف الشاحنات والمقاهي الشعبية، إذ نأتي إلى أحد أقربائي هناك، وكان يمتلك مقهي شاسعا وشهيراً، ونمر بشارع البطحاء وحلة الأحرار في طريق عودتنا، ونصل إلى مسجد العيد ومعهد النور جنوباً، رحلات بصحبة أبناء الجيران ٌ، أقرباء من أندادي، نطوف الشوارع فوق ظهور السياكل، كانت هذه هي كل الرياض تقريباً، الشاسعة الممتدة في كل الجهات، واتجاهات بشكل مذهل الآن . وصدمتني الرياض لأني كنت أرى القرية أكثر منها ثراء، ففي القرية كان الرجال الكبار آبائي، والنساء الكبار أمهاتي، والصبايا شقيقاتي، وأدخل كل بيت، وأتناول الطعام مع كل عائلة بلا حرج، أما الآن فلا أرى إلا أزوال سوداء تتحرك بحذر، ولا أكاد أبني علاقة مع أحد، فكل شيء يشعرني أني غريب . ولا أشعر بحرية إلا فوق سطح بيتنا الطيني، إذ أسرح بخيالي، وأغني كأني فوق رؤوس الجبال، ولذلك فقد حملت مجموعتي القصصية الأولى البديل، تلك الأصوات وتلك الوجوه، وقبلها مخطوطة مجموعة قصصية أخرى بلا عنوان، لم تطبع مع أن الناقد المغربي الأستاذ محمد السلاوي، كتب لها قراءة نقدية في مجلة الأوراق الاماراتية، وكنت أقرأ بعض نصوصها في سهرات الأصدقاء، ولكنها ضاعت وفقدتها إلى الأبد . السنوات الصافية *ربما لا يعرف كثيرون أنك اعتليت منبر الخطابة في سن مبكرة، وكنت تميل إلى الغناء والتأمل في الطبيعة. إذا عدت بنا إلى تلك السنوات، كيف تشكلت علاقتك الأولى بالكلمة؟ وإلى أي مدى أسهمت الخطابة والحكاية الشفوية والأغنية الشعبية في تكوين حسك اللغوي؟ وما الذي بقي من تلك التجارب في لغتك الروائية وإيقاع سردك وأصوات شخصياتك؟ -هذا سؤال فيه رشوة، بمعنى أنك تأخذني إلى سنوات صافية، تخلو من التعقيدات والتراكمات، وتمضي بنا إلى مراتع تتشكل فيها اللبنات الأولى، وأنت حتما تشير إلى فضاء القرية، فالتأمل لا يكون إلا في الطبيعة الجميلة، والسماء البهيجة القريبة وطقسها الفاتن، ولا شك كنا نغني ونحصد في الحقول، ونرعى في الجبال مع الأغنام والصبايا، كان هذا في سنوات الزهو الأولى التي لن تعود. . في تلك الحقبة أيضا كان لنا مدير مدرسة، اكتشفت فيما بعد أنه، ينتمى لتيار الاخوان المسلمين، وكان نموذجا بالغ السطوة في المجتمع، ويخلق بيننا نحن الطلاب تنافساً غير عادي، وكان صوتي جميلاً يصلح للغناء، وقراءة القرآن الكريم في طابور الصباح، وكان لي الحظوة وأنا في الثانية عشرة، لأكون ضمن خياراته المفضلة، يعطيني خطبة الجمعة المكتوبة، ويرسلني إلى قرية مجاورة، لنا فيها أرحام وأقرباء يستقبلوني استقبال الفاتحين، ألقي خطبة الجمعة وأصلي بهم، ثم أذهب إلى بيوت الأقرباء، محتفى بي معززاً مكرما للغداء، والحمد لله لم أقع في إغواء ذلك الشعور، ولما تكررت التجربة مع تيار الصحوة، كنت قد نضجت ونجوت من لوثتها . حّملت من هذه المرحلة، وجوه وأصوات نصوصي القصصية، حينما عركتني الغربة بقسوتها، وربما شعرت بمس من الجنون، إذ كنت أحادثهم وأغني معهم، وأسمع أصواتهم في صحوي ومنامي، تهتف في سمعي كل وقت، ولم أرتح إلا بعد ما زرعتهم على الورق . التحولات المهنية *أمضيت سنوات طويلة في العمل الصحفي، لكن مسارك لم يكن تقليديًا بالنسبة إلى كاتب وقاص وروائي؛ فلم تعمل في القسم الثقافي، بل تنقلت بين الصفحات السياسية والاقتصادية ولم تكن الصفحة الثقافية بينها. وقد وجدت لك، في أرشيف جريدة «الرياض»، مساهمات حتى في الصفحات الرياضية. هل كان هذا التنوع خيارًا منك، أم فرضته طبيعة العمل الصحفي ومتطلباته؟ وكيف أفادك الاحتكاك بمختلف مجالات الصحافة في معرفة المجتمع والناس والتقاط تفاصيل الحياة، وانعكس على كتابتك الأدبية؟ ثم أخبرنا، لماذا اتخذت قرار التوقف عن العمل الصحفي وانتقلت إلى العمل الحكومي، لقد كان قرارًا جريئا في حينه، خصوصًا أن الصحافة تتيح للأديب اتصالًا يوميًا بالواقع وتحولاته. ما الذي دفعك إلى ترك الصحافة والانتقال إلى الوظيفة الحكومية؟ وماذا كسبت من الابتعاد عن الصحافة، وماذا افتقدت ؟ -يا الله عبد العزيز!، سؤال طويل جداً، لكنه حتما رصد دقيق جداً لتحولاتي المهنية، يأتي هذا بحكم معرفتنا وصداقتنا الجميلة من سنوات بعيدة، ولست أعرف كيف أجيب ومن أين أبدأ ؟، ولكن على كل حال، حتى لو لم أجب بما يرضيك، فقد عملت في الرياض متعاونا ومتفرغاً سنوات طويلة، ربما أكثر من عقدين، كانت أزهى فترة لي في الصحافة، وكنت قد بدأت في عكاظ، وعملت فيها من الرياض خمس سنوات، أشرفت في الرياض على الملحق السياسي والاقتصادي، والحقيقة الرياض مدرسة جميلة وكبيرة، ليس لأنها مكان عمل ولكنها حياة، زاملت فيها أجيالاً في كل التخصصات، وعرفت شرائح مجتمعية واسعة، وكنت أنا والصديق المثقف تركي الناصر السديري، نقتسم مكتباً واحداً، كان يشرف على الملاحق الرياضية، وكنت أشرف على الملحق السياسي والاقتصادي، ومن العجائب أن تركي الحاصل على درجة علمية عالية في الاقتصاد، يكتب في الرياضة لأنه ينتمي إلى الهلال، وكان يعرف بطبيعة الحال أني أهوى الاتحاد، ولم تكن نقاشاتنا تخلو من هذا وذاك، وكان يثق بي، ويطلب مني تسليم مادته الصحفية للمخرج، يتم ذلك في حالة غيابه أو سفره، فينالني من العشق جانب . طبعاً كنت متفرغاً، وليس مسموح لي نشر مواد إبداعية أدبية، ولهذا السبب ورغبتي التفرغ للقراءة والكتابة، هربت من العمل الصحفي القاتل الذي لا يتيح لي، ممارسة الهوية الأدبية بما أريد، وعملت موظفا براتب أقل من نصف راتبي في الصحافة، لكني كسبت حريتي قراءة وكتابة، خصوصاً أني عملت أمين مكتبة وعشت بين الكتب، وكانت تلك أمنيتي ورغبتي حتى لو ضحيت بدخلي المادي . تجربة الفقد *عشت تجربتين قاسيتين مع الفقد؛ فقدت والدك في سن مبكرة، واضطررت إلى تحمل مسؤوليات الحياة والعمل في مهن متعددة، ثم فقدت اثنين من أبنائك في سنة واحدة، فكتبت «وحي الآخرة»، التي تفتح أسئلة الفقد والوجود والمصير. كيف أسهمت التجربتان، على اختلاف مرحلتيهما وأثرهما في حياتك، في تشكيل رؤيتك للإنسان والحياة؟ -سأبدأ من حيث انتهى سؤالك في الماورائيات، والرواية بكلها تدور في هذا العالم الميتافيزيقي، وكتبت بمزاجين، كنت قد بدأت كمشروع وفكرة، وهذا اسم بطلة النص وهي كذلك فكرة متحولة، الموت حياة يا أولى الألباب، لما فقدت ابني عبد الله كان قد تخرج من كلية العلوم جامعة الملك سعود، وفقدت رامي بعد أقل من ستة أشهر، وكان على وشك التخرج من معهد الإدارة قسم المحاسبة، ورحيلهما نقلني إلى فضاء الآخرة، لم يورثني رحيلهما الحزن فقط، ولكنه زادني معرفة وثقافة بالغيبيات، وبت أحيا في عوالم، الكلمة تهزني وتغتالني، وهنا – توقفت عن الكتابة في هذه الرواية . كان لا بد من الكتابة لكي، أتحلل من حالة الفقد الشديدة والانكسار، بدأت الكتابة في رواية أخرى، أنجزتها وبعثتها للناشر، وجاءتني رحلة ثقافية إلى اليمن، وأصر الأصدقاء وبالذات شاعرنا الكبير الراحل محمد الثبيتي لروحه السلام، بضرورة مرافقتهم في تلك الرحلة الثقافية الفاتنة، ولما انتهت الأيام الثقافية، ذهبنا عدد محدود من الأصدقاء على رأسنا شاعرنا الكبير الثبيتي، نزور مدن وقرى الجنوب اليمني، ونتعرف على ثقافاتهم وتقاليدهم، وسجلنا ليالي وأيام غاية في الجمال، وكيف لا تكون بصحبة محمد الثبيتي، ولا تشعر بزخـــم وثراء إبداعي ومعرفي؟ وهنا – وجدتني أتدفق وأنا أبوح له بكتابة فصول رواية (وحي الآخرة) الأخيرة . لست براغماتيا *بدأت تجربتك بالقصة القصيرة، ثم اتجهت إلى الرواية التي أصبحت المساحة الأوسع في مشروعك الأدبي. ما الذي وجدته في الرواية ولم تجده في القصة؟ وهل كان انتقالك إليها استجابة لعوالم وشخصيات لم تعد القصة تتسع لها، أم أنه قادك إلى طرائق جديدة في الكتابة والنظر إلى الحياة؟ وبعد تجربتك الممتدة في النوعين، أيهما تشعر اليوم بأنه أقرب إلى صوتك الإبداعي والأقدر على التعبير عنك؟ - القصة القصيرة، كانت الجنس الأدبي السائد إلى جانب الشعر في تلك الأيام، ولها رواد وأساتذة سبقونا في كتابتها وتعلمنا منهم الكثير، هذا الجنس الأدبي الأثير الممتع، المراوغ، الميال إلى التكثيف، الوامض في لغته، وزمانه وشخوصه، الحميمي الدافئ في دلالاته، لتشكِّل القصة القصيرة حضوراً مدهشاً في الثمانينيات والتسعينيات الميلادية، والقصة القصيرة أقرب جنس للشعر، وكنت قد أصدرت مجموعتين هما ( البديل ) و ( قالت فجرها ) وقد كانت لغتي بالذات في البديل موجزة، شاعرية، لكن بعض النقاد والأصدقاء قالوا بأن النص مترهل، ويكاد يقترب من الرواية، والواقع أني ميال إلى الرواية، لكن خوفي الشديد منعني من المغامرة وإعلان هذه الرغبة، وكنا في دورية نقرأ نصوص بعضنا ونتناقش، فأسررت للصديق الشاعر والناقد أمجد ريان بذلك، وأني أمتلك مخطوطة روائية، وأريد يطلع عليها ويسمعني رأيه فيها، وكان الصديق الأستاذ خالد اليوسف رئيس نادي القصة، قد جمع مجموعة نصوص، وقدمها لجمعية الثقافة والفنون، ليصدر المجموعة الثانية قالت فجرها، وصادف أن أمجد ريان المهووس بالأعمال الجديدة، يصدر رواية (ريحانة) في ذات الوقت بدون علمي، والواقع أنا مفتون بالرواية، وأجدها الجنس الأدبي الذي يلبي حاجتي النفسية والأدبية، والرواية فن شمولي تراكمي، تحدثنا عنها في سؤالك الأول بتوسع . لا شك أن رغبتي الشاسعة في التجريب والكتابة الروائية باتت مغرية، وتسنمت في ( ثلاثية المكتوب مرة أخرى ) هذا المشروع، وحققت في منابت العشق قمة النضج، وأصدقك بأن قولي السائد ( لا أمشي في الطريق مرتين ) صحيح، وحقيقي فأنا لا أكرر نفسي، ولست برغامتي ولا أبحث عن الجوائز كغيري، أكتب فقط لما يحقق شهوة الكتابة والتجديد، ولو كنت أريد أمتطي صهوة الشعر لما ترددت، الرواية فن يدخل في نسيجها كل الفنون، بما فيها الشعر والقصة القصية والمسرح واللوحة، وفي رواية ( وحي الآخرة ) شيء من الشعر، وقال ناقد جزائري عنها في الجنادرية، بأنها عبارة عن قصيدة . توطين الفضاء السردي *خضت تجربة مهمة في العمل الثقافي بنادي الرياض الأدبي وجمعية الثقافة والفنون، وشاركت في جماعة السرد بالرياض، حيث التقى عدد من كتّاب القصة وتبادلوا القراءات والتجارب. كيف تتذكر تلك المرحلة، وما الذي أتاحته من فرص لتطور القصة السعودية وظهور أصوات جديدة؟ وإلى أي مدى أسهمت هذه البيئة الثقافية في الإضافة إلى تجربتك الأدبية؟ -أسمح لي، لا أود الخوض من جديد في نشاط المؤسسة الثقافية . فقط أتذكر الأصدقاء الرائد إبراهيم الناصر الحميدان، والميدع حسين علي حسين لأرواحهم المحبة والسلام، والدكتور سلطان القحطاني رفع الله عنه وشافاه، فقد كنا نبذل حراكا واسعاً وجهداً كبيراً، لتوطين الفضاء السردي إبداعاً ونقداً، أصبنا بشيء من الفرح مرات، وخاتلتنا في مراحل أخرى خيبات . مزايا جيل اليوم *إذا انتقلنا من ذاكرة تلك المرحلة إلى المشهد الثقافي السعودي اليوم، كيف تقارنه بالمراحل التي عاصرتها؟ ما الذي تراه قد تطور فيه ويبعث على التفاؤل، وما الذي تشعر أنه يحتاج إلى المراجعة؟ -الرحمة والسلام لأجيال الحبر والورق، جيل اليوم الذي توفرت له كل الوسائل والأدوات، لن يعجز عن التعامل مع الذكاء الصناعي، فالذكاء الصناعي يجري العمليات الجراحية، فلماذا لا يكتب نصوصاً إبداعية، يا صديقي لكل جيل معاناته، ولا أحصرها في الماديات، فالإبداع أسمى وأنزه من الشكليات، اجتراح الروح ليس مسألة، يمكن طرحها في ميدان المزايدات، وحتما لجيل اليوم مزايا، لم تكن متوفرة للأجيال السابقة . العالم الثقافي لا بد أنه يحتاج إلى مراجعات باستمرار، وفحص في كل زمان ومكان، وإلا لأصبح كاسدا ولا معنى له . سنام نتاجي الروائي *تبدو ثلاثية «المكتوب مرة أخرى» علامة أساسية في مشروعك الروائي، من حيث تيار الوعي والبناء السردي. بعد ما كتبته من روايات لاحقة، كيف تقرأ هذه التجربة اليوم؟ هل تراها مشروعًا فنيًا متكاملًا ظل وفيًا لأسئلته الأولى، أم أن أعمالك اللاحقة أعادت النظر في بعض اختياراتها الجمالية؟ -رواية ثلاثية المكتوب مرة أخرى سنام نتاجي الروائي، لأني ذهبت في جرأة بلا حدود، ومارست إلى أقصى مدى عالم التجريب والمغامرة، وكنت فقط ممسكاً بخيط الحس الإبداعي، وتركت لخيالي يجمح، ويحيل كل ما أحس به إلى مدماك البناء الروائي، في العالم هناك دور نشر، تتبنى الكاتب وتعين له مصححين لغويين، وملهمين ونقاد يذكرونه بالأساطير والتقاليد الكتابية، ونحن لا نسلم من التشكيك والنيل منا بلا وجه حق، ولا نجد دور نشر محلية تسأل عنا، لأنها في حينه انشغلت بالمناقصات الحكومية، وليذهب الكتاب والكاتب إلى الجحيم بلا رجعة، فذهبت إلى دمشق كإسم غير معروف، ولم أذهب لدار نشر، تتشرط بهدف التسويق، وطبعت لدى امرأة روسية . أنصفني المشهد الثقافي بعد هذه التجربة، فوجدت الدكتورة أسماء الزهراني، تكتب مقالاً مهما في صحيفة الرياض، وتسمّ الرواية برواية الروائي، وتلك دلالة بالغة القيمة، بمعنى أن الكاتب وضع بصمته، والمنتج يرتبط بشخصية الكاتب، وسجلت الدكتورة هند الشقير رسالة ماجستير عن الرواية، كأولى الباحثات في أعمالي الروائية . الراحل الكبير الشاعر والناقد الصديق علي الدميني لروحه السلام والمحبة، همس في إذني مازحا : -يا ولد يا فنان، تكتب ببراعة عبر تيار الوعي ! ولم أستوعب، ورحت أقرأ أحاول معرفة هذا التيار، فوجدته تعبير مجازي، يصف حالة الوعي البشري، بأنها أشبه بنهر أو تيار متدفق مستمر، لا يتوقف من الأفكار والمشاعر والأحاسيس، ويُعرّف بأنه أسلوب سردي، يسعى إلى تصوير التدفق الطبيعي للأفكار والمشاعر والانطباعات الحسية، تترجم عقل الشخصية بشكل واقعي وغير خطي، ويشبه المونولوج الداخلي، لكنه يتجاوزه ليعكس تداعي الأفكار العفوي، والذكريات، والترابطات الحرة، وغالباً ما يظهر دون الالتزام الكامل بقواعد النحو، أو علامات الترقيم التقليدية . مــرة قــال لي الصديق الحميـــم الشــاعر الكبير علي بافقيه : -أحمد أنت كسيول جبال السروات، تتدفق بقوة، وتقتلع كل ما في طريقها من أحجار وأشجار، ويعجبني فيك أنك لا تلفت لكلمات الإطراء، ولا تتوسل النقاد يكتبون عن عملك ! وفي هذه الحالة، أنا أحاكي وانتهج نهج هذا الشاعر العظيم ! وفوجئت بالروائي الصديق عبد الواحد الأنصاري، يكتب بثراء معرفي عن ثلاثية المكتوب مرة أخرى، وكان أول من يصرح بأن هذه الرواية، تأتي عبر تيار الوعي، وجاءت المفاجأة هذه المرة مدوية، فقد قال لي الناقد الدكتور سعيد الجعيدي، هناك كتاب مهم في نادي الباحة، صدر من سنتين يتحدث عن رواياتك، استغربت، وطلبت نسخة من رئيس النادي الشاعر حسن الزهراني، وتكرم عليه الصديق حسن وأحضر نسخ في نفس الليلة، فوجدت الدكتور الذي أول مرة أتشرف باسمه أحمد يحيى علي، قد كتب عن أربع روايات منها ( ثلاثية المكتوب مرة أخرى ) بطبيعة الحال، ويصنفها تحت تيار الوعي الفلسفي . الرواية الحميمة *تكشف روايتك «بائعة الشاهي» عن قدرتك على التقاط الشخصيات من تفاصيل الحياة اليومية، وتحويل مشاهد عابرة في الممشى أو المشفى أو الأماكن العامة إلى مادة روائية. كيف تعمل عين الروائي لديك حين تصادف شخصًا أو تلاحظ سلوكًا يستوقفك؟ متى تشعر أن ما تراه يصلح لبناء شخصية روائية، وكيف ينتقل من واقعة عاينتها إلى عالم من صنع المخيلة؟ -بائعة الشاهي رواية حميمية، فرضها الواقع المعاش، ولم أدخرها من تراكم حياتي، رواية يوميات معاشة، وقطرات عرق لأجناس بشرية، تلتقي في مكان واحد يومياً، الممشى، مكان واحد جمع نوعيات، لكل فرد منهم خصائصه المتفردة، شخوص هذه الرواية، فرضوا حضورهم على جسد الرواية، كما فرضوا وجودهم في الوقع، ولم أسعى لتنظير بقدر ما هو استبطان تجربة كل شخصية، وربما تكون التقاطة شكلية، إذ لم يتيسر لي الاقتراب من عالم الشخصيات وبالذات النساء، ولعل إحدى الشخصيات الرجالية، قد جذبتني بسيرتها الإشكالية، ولا شك بأن الشخصية الثانية في الرواية الدكتور محمد، جاءت بلغة المتكلم، كانت أكثر فاعلية ومندمجة في السياق الروائي، والواقع أنها كآخر رواية، مارست فيها تمريناً كتابياً، لكي أختبر لياقتي الكتابية . منصات التواصل الاجتماعي *تكتب عبر منصات التواصل الاجتماعي نصوصًا قصيرة تستلهم مشاهد الحياة اليومية، وتمزج الملاحظة الإنسانية بالتأمل والسخرية. هل تراها امتدادًا لتجربتك القصصية والروائية، أم مساحة كتابة لها طبيعتها الخاصة؟ وكيف تنظر إلى أثر النشر الرقمي في علاقة الكاتب بالقارئ، خصوصًا حين يتعلق الأمر بكتابة تحتاج إلى التأمل والتأني؟ -اتواجد عبر منصات التواصل، وبالذات منصة أكس، لكي أعلن أني ما أزل حياً، وكان الراحل الكبير الأستاذ محمد علوان لروحه المحبة والسلام، يمدني بطاقة خلاقة كل يوم، فهو الوحيد الذي يشاكسني بقسوة، وأتحملها كأنها العسل على قلبي، لأني أعرف طوية نفسه جيداً، وهو لا يتوقف عند هذا الحد، الاتصال بيننا يومي، وأحمل لهذا الرائد الكبير دين في عنقي ما حييت، وأعتقد أنه لا يدع أحداً بدون أن يسهم في مد يد العون، والسؤال عنه . . لا بأس، استطردت قليلاً، وما أكتبه يأتي من سياق تأملات فلسفية عميقة، ولا أكتب لأرضي قارئاً محدداً أنتظره، أكتب ما يتوافق تماما مع رؤيتي، وأنشر ما في جعبتي من قصص قصيرة جداً، لم يتح لي جمعها وطباعتها في مجموعة قصصية، وأرى مثل هذا الفعل الكتابي زائل، وربما يكون مفيداً للأجيال الشابة . الأصدقاء الذين رحلوا *يُعرف عنك وفاؤك لأصدقائك من الكتّاب الراحلين، وحرصك على استعادة نصوصهم ومواقفهم والإشارة إليهم في منشوراتك. هل ترى في ذلك وفاءً شخصيًا للأصدقاء فحسب، أم مسؤولية ثقافية تجاه ذاكرة جيل وتجارب قد يغيب بعضها عن الأجيال الجديدة؟ -قافلة من الأصدقاء رحلوا، لأرواحهم المحبة والسلام، عشنا معهم وتقاسمنا نخب الحياة ومرها، وأقل ما يجب نلوح لهم في وداعهم بكلمات، تليق بما تركوه في أنفسنا من لوعة، وما سببه فراقهم لنا من وجع، هكذا يا صديقي هي الحياة، وصدق من يقول أن الحياة قصيرة، وسنكون في ذات الطريق في لمحة عين، وعسى الله يلهمنا الصواب في كل خطواتنا. الفرج جاء من الجامعات *شهدت الرواية السعودية توسعًا كبيرًا في النشر والانتشار، وتنوعًا في الأجيال والموضوعات، وحضورًا في الجوائز والترجمة. بوصفك روائيًا عاصرت مراحل مختلفة من تطورها، كيف تقرأ هذا التحول؟ هل واكب التطور الكمي نضج مماثل في البناء الفني والنقد الروائي، أم أن المشهد ما زال بحاجة إلى معايير نقدية أكثر رسوخًا؟ -تطور كبير ولا شك، وتوسع في كمية المنتج، وحضور الأجيال وأقدامهم على الكتابة الروائية، ويبقى السؤال حاداً كنصل، ينغرس في خاصرة المشهد، حينما نشاهد هذا التراكم بلا فرز وبلا قراءة منهجية، أستثني من هذا الدراسات الجامعية، للحصول على درجات علمية في الأدب في مراحل مختلفة، والحقيقة لقد بشرت بهذا من سنوات بعيد، وقلت بأن الفرج سيأتي من الجامعات، وسيأتي مع جيل جديد متسلح بالمعرفة، ويبشر بخير لنقد المنجز الروائي . المشهد الآن ليس في عافية مطمئنة نقدياً، وقد تلوث بالعلاقات والمصالح والرغبات الذاتية وبلا منهجية واضحة، كتبنا الرواية بعد غيرنا بسنوات حتى الدول المجاورة لنا، وكنا نخشى المحظورات لأن الرواية تكشف المستور، ولا بد أن ننتظر سنوات لتكون ثمار هذا التراكم يانعة، فتلك طبيعة الفعل الروائي ونحن نرى في العالم، روايات كلاسيكية حية من سنوات بعيدة، والفعل الروائي ليس وجبات سريعة، تفسد وتنتهي صلاحيتها بمجرد بقائها بلا تناول . أرفض طباعة أعمالي الجديدة *لطالما رددت مقولة إنك «تتداوى بالكتابة»، وإنك تكتب لتشعر بوجودك وكيانك. بعد عقود من الكتابة، هل لا تزال الكتابة تؤدي الوظيفة نفسها في حياتك؟ وهل تغير ما تتداوى منه الكتابة مع تقدم التجربة وتراكم الخبرات والفقد؟ -يذكرني سؤالك، بنصيحة صديق كاتب رفيع القيمة، صديق يفهمني ويتواصل معي، وألمس منه دائماً، حرصاً على تجربتي، قال لي مؤخراً، أرجوك لا تركن إلى الدعة والكسل، فنتاج الكاتب كالماء الزلال، ما دام يجري فهو صالحاً ونظيفاً، وإذا توقف فإنه آسن وراكد وغير طاهر ! والحقيقة أجد في كلامه، شيئاً من الدقة والصحة، وأنا حينما أحتشد وتركبني الهواجس، حينها أكون ممتلئا ومشغول البال، وبالكتابة أتنفس لأنها تعيدني إلى حالتي الطبيعية، وتمنحني الهدوء النفسي، وأرتاح كأني خرجت من معركة، أنا يا صديقي كثير العلل والأمراض، وحساسيتي المفرطة تربكني، وتحملني كثير من الخطايا والشبهات، وتدخلني في متاهات لا نهاية لها . وأحتاج إلى فضاءات تستوعبني، وأصدقاء يعرفون نزاهة نزقي، وصدق وبراءة نيتي، وقد قيل بأن الكتاب خير صديق في الزمان، وأنا أقول بأن الكتابة في هذه الحالة خير صديق . توقفت من زمان ليس يسير عن الكتابة الإبداعية والنشر، إلا في حدود نزرة عبر وسائل التواصل . والأصعب من هذا، أرفض طباعة أعمال جديدة، وأعيش عزلة أعرفها جيداً، فأنا خبير بالعزلة، وقد عشتها مرات ومرات . ولدي نصوص لأكثر من مجموعتين قصصية، ومخطوطات لمشاريع روائية، أرفض تقديمها للناشر ( دار الانتشار العربي ) نهائياً، وقد توسل مالكها الصديق أبو علي الذي يحرص على طباعة نتاجي، لأني لم أعد أجد في الكتابة ما يداوي، ولا في الطباعة جدوى، وعسى أتجاوز حالة، لم أبح بها من قبل، ولو لمسها ولاحظها بعض الأصدقاء . *أخيرا، وبعد هذه الرحلة الحافلة الطويلة والممتدة حتى الآن، ما الذي ذهب، وما الذي بقي؟ -مضى ما مضى منه خيرا وشرا. . هكذا قال أحد الشعراء، وأقول: يا رب الستر والعافية .