يقول الروائي أحمد الدويحي ، أن ابنته فاطمة جاءته في مرحلة مبكرة ، وكانت حينها في المرحلة المتوسطة ، لتطرح عليه سؤالاً غاضباً ، إذ قالت : - أبي لماذا نحن لا نملك إلا بيتنا هذا الذي نسكنه، بينما أعمامي كل منهم يملك عدة عمائر؟ يقول الدويحي: اعتدلت ونظرت إليها ، ورفعت أعمالي الكتابية ، قصص وروايات ، أشرت إليها، وقلت: ونحن نملك ست عمائر! لكننها لم تقتنع، وردت: عمائرك هذه يسكنها الغلابى والمعدمين والبؤساء ! فاطمة لم تتوقف في هذه المرحلة، فقد درست اللغة العربية وآدابها، ونالت درجة علمية رفيعة، وها هي تدلي بشهادتها عن والدها القاص والروائي الكبير. صاحب الحرف والكلمة والدي أحمد الدويحي أطال الله عمره ، أديب وروائي أعتز بأنني أنتمي إلى هذا الإنسان الذي استلهم منه الكثير، أورثنا عمق الفكر والاعتزاز بالكلمة، كان حضوره الأدبي يملأ البيت دفئا وحيوية، كنت أجد في أحاديثه عن الكتب والكتّاب والشخصيات الأدبية، متعة في المعرفة وجمال اللغة، كان يأخذنا في حديثه إلى عالم العصور القديمة، ويستحضر أعلام الأدب، يتأمل أشعارهم ويقف طويلا عند أبي العلا المعري، وكان يحظى بمكانة خاصة في نفسه، كنا ننصت إليه بشغف ونرحل معه بين الكتب والقصائد، كان له دور في توجيه شغفي نحو الأدب، فتح لي بابا للتأمل في النصوص الشعرية، واستشعار جماليات اللغة حتى عشقت آداب اللغة، واخترتها تخصصا لدراستي الجامعية . والدي ليس روائي فحسب، بل مصدرا لقوتنا ، علمنا أن الحياة مواقف وأن النجاح يحتاج إلى صبر، فعلى الرغم أنني أنا وإخوتي، ولدنا ونشأنا في الرياض، كان والدي يحرص كل الحرص، ويرسخ حب أرض اجدادنا في نفوسنا، ويصطحبنا في كل مواسم الصيف إلى الباحة، لنعيش جمال طبيعتها، ونتعرف على أواصر تاريخ عائلتنا وأقاربنا، ونتعلم منهم قيمة التقاليد المجتمعية واحترامها، علمنا أن الإنسان مهما ابتعدت به المسافات، يظل محتاجا إلى جذوره وأصالته، ورثنا أبي حب قرية العسلة في الباحة، ليبقى جيلا بعد جيل، ولم يقتصر عطاءه على أبنائه فحسب، بل امتدّ إلى الأحفاد والأسباط . أبي حفظه الله، رغم حدته أحياناً، ومسحة الحزن التي تغشاه ولا نعرف لها سبباً، يحتفي بأطفال العائلة، يهوى مجالستهم وسماع حكاياتهم ونكاتهم وأقوالهم، يسألهم عن مدارسهم وأصدقائهم وتحصيلهم العلمي، يحثهم على الجد والاجتهاد ورسم ملامح أحلامهم، يشاركهم لعب الكرة والألعاب الأخرى، ويمازحهم ويحرص أن يكون قريب عوالمهم بكل تفاصيلها. لدي حكايات كثيرة عن أبي، لكنني أختصر في ختام كلماتي ، فسيظل والدي الحكاية الأجمل في حياتنا ،