أعود لسيرتي، ومجاعتي المعرفية، وعلاقتي بالكتاب؛ إنني بشغفي المعرفي، وتعلقي بالكتاب؛ مدينٌ للسنوات المبكرة من حياتي؛ فقد اجتاحتني تساؤلات ملحَّة حول قضايا وجودية، وحول مكانتنا الحضارية، والمكان الذي تحتله حضارتنا بين حضارات العالم؛ وخصوصًا حضارة الغرب التي بدَّلَتْ كل شيء؛ لقد سبَّبتْ لي تلك التساؤلات؛ مجاعة معرفية؛ إن المجاعة المعرفية؛ أشد إيلامًا من المجاعة المعيشية؛ فليس أقسى، ولا أشد إلحاحًا من جوع العقل؛ إن العقل حين تجتاحه التساؤلات العميقة الحادة؛ يكون جوعه مشتعلاً، وملحًّا، وضاغطًا، وموجعًا، وصاخبًا؛ فقد عشتُ ككل الأطفال من جيلي في صحراء نجد؛ طفولةً شاقةً وبائسةً من الناحية المادية؛ لكن كانت مجاعتي المعرفية أشد إيلامًا؛ فقد غمَرَتْني مبكرًا تساؤلاتٌ حادة وحارقة؛ فرغم أن حياة الفقر في سنوات طفولتي؛ كانت عامة وثقيلة وعسيرة وبائسة، وأن كل البيئة التي عشت فيها كانت حياة فقر ونكد وتعب وكد، وأن أغلب الأطفال في قرى نجد في جيلي لم يعرفوا لهو الطفولة وراحتها المزعومة؛ فالحياة كانت جادة وحادة منذ بزوغ وعي الطفل؛ إلا أنني كنت أغبط أشد الأطفال فقرًا، حين أراهم فارغين من الهم المعرفي؛ فأُدرك أنهم لا يعرفون التساؤلات الحارقة؛ لقد حاصرتْني في مطلع حياتي؛ تلك التساؤلات وكنت لا أزال في أواخر مرحلة الطفولة؛ تساؤلاتٌ معرفية عميقة، وتساؤلات وجودية محيِّرة؛ ومن المحال أن تكون لها إجاباتٌ حاسمةٌ مُطَمْئِنَةٌ؛ بل تفرُّ منها الإجابات؛ إنها تساؤلات يتفجَّر منها الفؤاد، ويَغلي بها الجسد، فلا تسمح أحيانًا بالنوم المريح؛ فكان الناس والأطفال الآخرون ينامون، وأنا أتقلب في فراشي؛ فالليل طويلٌ، والناس نيامٌ، والسكون قاتلٌ، والقلق ضاغط، والليل يأبى أن يتحرك، والعقل يأبى أن يكفَّ عن التساؤل، والنفس تأبى أن تطمئن، والوقت يأبى أن يتحرك؛ فالغليان دائم، والتوتر مستمر، والوقت ثقيلٌ لا يكاد يتحرك. وكان يريحني بعض الراحة؛ أنني كنتُ أعتقد بأن الإجابة على التساؤلات الحارقة؛ لابد أنـها موجودة في الكتب؛ فكنت أقرأ أيَّ كتابٍ أستطبع العثور عليه لكن البيئة كانت مُقْفِرة فما هو متاحٌ آنذاك من الكتب قليل وما يوجد منها لا يتناول القضايا التي كانت تشغل ذهني وأنا مازلت صغيرًا، ومن دون مال. وفي نهاية عام 1383 وبداية عام 1384حصلتُ على شهادة المرحلة الإعدادية المتوسطة؛ فانتقلتُ من القصيم إلى الرياض وصرتُ أذهب راجلاً كل مساء إلى المكتبات التي كانت منتشرة على شارع البطحاء؛ مثل (مكتبة النهضة) و(مكتبة الرياض) وغيرهما أُقَلِّب الكتب وأقرأ واقفًا لأنني لا أملك قيمة الكتاب لأشتريه. وخلال مدة قصيرة من انتقالي إلى الرياض؛ تم الإعلان عن مسابقة وظائف بالمديرية العامة للجوازات والجنسية، ووظائف أخرى بوزارة الدفاع؛ فنجحتُ في المسابقتين في الجهتين؛ ولكني اخترتُ المديرية العامة للجوازات والجنسية؛ وكتبتُ تنازلاً عن وظيفة وزارة الدفاع؛ فتعينتُ بوظيفة رسمية براتب شهري يقلُّ عن خمسمائة ريال لكنني أصبحتُ أملك دخلاً شهريًّا يضمن لي طعام الكفاف وأجرة السكن. أما ما يبقي من الراتب الشهري؛ فأصرفه على شراء الكتب، فقد كنت وما زلت شديد النَّهَم بالقراءة؛ وكنت أجد متعةً غامرةً حين أقرأ كتابًا أنا اخترته؛ لذلك كنت أقرأ طول الوقت ولا أتحرك إلا ومعي كتاب لأنتهز أية فرصة للقراءة أو التصفُّح. كنتُ أبحث عن كتبٍ مترجَمة؛ فقد كان اهتمامي يتـركَّز حول قضايا عديدة من أبرزها؛ معرفة الأسباب التي جعلت أوروبا تنفصل عن نمط التكرار الأبدي، وتنعتق من حالة الدوران الأُفُقي، وتَثِبُ وثبتها العظيمة التي مكَّنتها من أن تتحكَّم بالأمم، وأن تتصدر المشهد الإنساني، وأن تُحدِث كل هذه التغيرات النوعية في الحياة البشرية، فتكتشف قارات لم تكن معروفة، وتغزو أوطانًا بعيدة؛ وعن طريق العلم، والاختراع، والتنظيم، وحشد الطاقة؛ أنجزتْ هذه التغيرات النوعية الهائلة في الحضارة الإنسانية؛ فسادت بها الدنيا. من الانبهار إلى البحث كنت منبهرًا بالحضارة الغربية، وكنت أشعر بألم شديد بسبب تخلف العرب والمسلمين؛ وكنت أريد أن أعرف العوامل التي مكنت الغرب من ذلك التميُّز الخارق. لكن ذلك الانبهار بالغرب سوف يزول تمامًا؛ حين تعمَّقتُ في دراسة تاريخ أوروبا، فبعد التأمل الطويل وبعد البحث الموغل؛ سوف أكتشف بأن الجهل هو الأصل على المستوى الفردي، وأن التخلف الحضاري؛ هو الأصل على المستوى البشري كله، وأن تاريخ الحضارة بأكمله؛ ما هو إلا لمحة خاطفة في التاريخ السرمدي الذي قضاه الإنسان طريدًا جوَّالاً متنقلًا تائهًا، وأن الإنسانية كلها باختلاف أممها؛ ماتزال في مرحلة البدايات، وأن أوروبا ذاتها ظلت أكثر من عشرة قرون تعيش في الظلام والركود وأن انعتاق أوروبا من أسر التاريخ؛ قد تحقق ضمن ظروف تاريخية ضاغطة؛ استنفرت طاقات الإنسان الأوروبي؛ واضطرته بأن يندفع ليبحث عن مسارات بديلة؛ فصار من نصيبه أن يحقق انعتاقًا نسبيًّا من الأسر التاريخي قبل انعتاق غيره، وأن الانعتاق الأوروبي هو انعتاقٌ نسبيٌّ؛ فما يزال العقل الأوروبي يتحكم به نسقه الثقافي الموروث. لقد أدركتُ بعد البحث الممض؛ أن عمر الحضارة قصير شديد القصر، وأن الفارق، بين مجتمعٍ آخذٍ في الازدهار، ومجتمعٍ باقٍ في مساره النسقي التاريخي؛ هو اختلافٌ في الموقف من الإبداع والمبدعين، وعن الاختلاف في اتجاه الحركة، وفي أنواع الاهتمامات، وفي الهمِّ المحوري الذي يتحرك به المجتمع، كما أنه محكومٌ بأسلوب التنظيم الذي يدار به المجتمع، وكل ذلك مرهونٌ بالظروف التاريخية، وفي استثمار التراكم الحضاري؛ فالإنسان الغربي؛ لا يختلف عن الإنسان الشرقي، وأن التحولات النوعية التي حققتها أوروبا؛ كانت بسبب عدد من العوامل الموضوعية من أبرزها؛ الضغط التركي، وانسداد سبل التواصل بين أوروبا والعالم، والتنافس الشديد بين الدول الأوروبية، وتزاحمها على الصدارة؛ وعوامل أخرى؛ استفزت فرديات خارقة مثل كولومبس، لقد غيَّرتْ أوروبا اتجاه حركتها، وبدَّلتْ اهتماماتها، وتحررتْ من أسوأ قيودها؛ فتضافر عددٌ من العوامل فتحت لها مجالات التغيير ثم التحول النوعي، وأدَّت لظهور فرديات استثنائية خارقة مثل دافنشي، وكوبرنيكوس، وجاليليو، وفرنسيس بيكون، وشكسبير، وديكارت، ونيوتن، وجون لوك، وديفيد هيوم، وآدم سميث، وإدوارد جيبون، وجيمس وات، ورتشارد آركرايت، وفراداي، وآخرين؛ إن الأفراد الخارقين، والظروف الاستثنائية التي أحاطت بهم؛ قد انجلت عن تحوُّلٍ في الاتجاه، وتبدُّل في الرؤية، واكتشاف طرق جديدة؛ لحشد الطاقة الإنسانية، وتنظيم الجهد؛ لقد كان ذلك كله نتاجًا لعبقريات فردية خارقة، وظروف تاريخية ضاغطة، ومصادفات، وأحداث، وتقلبات، ومنافسات، وصراعات؛ فالإيجابيات التي تراكمت فأنتجت التحولات الأوروبية الخارقة؛ وهي في البدايات؛ لم تكن ثمرةً لخططٍ واعيةٍ، وإنما هي اندفاعات، وتدافعات، وصراعات؛ انجلت عما يعيشه العالم من تطورات اجتماعية وثقافية وفكرية وعلمية وتقنية على النحو الذي يعيشه العالم. كما اتضح لي بأن العقلانية التي سادت في الغرب؛ في القرون الماضية منذ نهاية القرن الخامس عشر، والعقلانية السائدة حاليًّا في كل العالم؛ لم تكن عقلانية أفراد ولا عقلانية مجتمعات ولا عقلانية أنساق ثقافية وإنما هي عقلانية، اتجاه حركة، وعقلانية قوانين، ودساتير، ونُظُم، ومؤسسات؛ فالبشر عمومًا في الغرب، وفي الشرق، في الماضي والحاضر؛ مازالوا غير عقلانيين. أما التحولات الحضارية؛ فتقوم على ومضات إبداعية فردية خارقة؛ وتطبيقات عامة لهذه الومضات الإبداعية الخارقة. وقد تناولتُ ذلك في كتابي (الريادة والاستجابة) المجاعة المعرفية إن المجاعة المعرفية التي تأجَّجَتْ مبكرًا، قد ربطتني بالكتاب وشدتني إلى البحث فقد كنتُ أبحث عن إجابةٍ مقنعة؛ لهذا الانعتاق الباهر؛ الذي انفردتْ به أوروبا. لكن البيئة كانت مقفرة؛ فقد كنا آنذاك نعاني من مسغبةٍ أو مجاعةٍ معرفيةٍ؛ ففي ذلك الزمن كانت الرقابة على المطبوعات موغلة في الشدة إلى درجة التنطُّع الخانق، فالكتب الفلسفية، والفكرية كانت ممنوعة؛ بل كانت الرقابة متعجرفة وحادة وقاطعة؛ كانت تُراقب وتَقرأ حتى الجرائد والمجلات الوافدة من الأقطار العربية الأخرى؛ قبل السماح بتوزيعها؛ فكان مثلا يتم توزيع مجلة العربي وفيها سطرٌ مطموسٌ طمسًا كاملًا في جميع النسخ، وأحيانًا نجد عبارةً واحدةً مطموسةً في كل النسخ !!!، أي أن الرقيب كان يضيق بكلمة واحدة في مجلة أو جريدة !!! وأحيانًا لا يتم توزيع المجلة إلا بعد نزع صفحة أو عدد من الصفحات وهذا نموذجٌ يوضح كيف أن الرقابة على المطبوعات كانت بالغة الصرامة والشدة والتدقيق والتحجر، وكيف أن العقل المحلي كان محاصَرًا، حصارًا يضيق بكلمةٍ أو عبارةٍ في مقالٍ بمجلة العربي، أو روز اليوسف أو مجلة طبيبك؛ وأجزم بأن تلك المجاعة المعرفية كانت بسبب جهل المراقبين؛ فهم يبالغون في الاحتياط؛ فيمنعون أي شيء؛ يُحتمل أدنى احتمال أن يثير مشكلة؛ فالمنع احتياطًا هو الأسلم. ومن الوقائع ذات الدلالة الصارخة على العمى والتحجُّر الرقابي على المطبوعات؛ أن أحد المشايخ، كان قادمًا من الهند إلى مطار الرياض، وكان منتدبًا إلى الهند؛ ليعمل معلمًا دينيًّا منتدَبًا رسميًّا من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكان معه كُتُبُه ومراجِعُه الدينية، ومنها كتاب (كنز العمال) وهو كتابٌ تراثيٌّ محضٌ حتى النخاع؛ فصادره الرقيب. لأن الشيوعية كانت آنذاك ذات نشاط عالمي محموم أثناء عنفوان الاتحاد السوفييتي؛ فالرقيب رغم وضوح أن الكتابَ إسلاميٌّ محضٌ، ورغم أن حاملَ الكتاب شيخٌ يحارب الأفكار غير الإسلامية؛ فهو معلِّمٌ ديني بلحية طويلة كثة؛ إلا أن الرقيب شعر بالفزع من مُفردة (العمال) فهذه المفردة كانت مدانة لأنها قد وردت في البيان الذي أصدره كارل ماركس ففيه عبارة: ((يا عُمَّال العالم اتحدوا)) إن هذه الواقعة تؤكد كيف كان الرقيب يمنع ما لا يُمنع. وهنا ندرك عَظَمَة وروعة الانفتاح العظيم الهائل الذي تحقق في عهد الملك سلمان ومحمد بن سلمان. لقد كان بعض المشايخ والوعاظ وبعض الكتاب؛ آنذاك يخيفون الناس من الفكر الوافد، وكان الخوف المفْرط من الغز الفكري؛ مسيطرًا بشكلٍ مَرَضِيٍّ، وكان يتم ترويج معلومات خاطئة، أو غير دقيقة؛ وعلى سبيل المثال كان الشائع بأن كُتُب كارل ماركس كلها إلحاد ودعوة إلى الإلحاد وحين حصل الانفراج وتم الاطلاع على أهم كتبه وهو كتابه (رأس المال) اتضح أن الهمَّ الذي كان يستغرق تفكير كارل ماركس هو هَمٌّ اجتماعيٌّ واقتصاديٌّ محض. صحيح أن ماركس فيلسوفٌ ملحد لكن كتاباته كلها كانت في المجال الاجتماعي والاقتصادي؛ فالجانب الاجتماعي هو الذي كان يستغرق اهتمامه.