صدر هذا الكتاب عام 2021، وكان ثالثاً ضمن مجموعات الرسائل هذه التي توجهت أولاهما إلى دمشق والثانية إلى المغرب. يشرف على هذه الرسائل الإعلاميان اللبنانيان، المقيمان في باريس والمعروفان، سامي كليب، وفيصل جلول. في المقدمة إشارة إلى أن في الوطن العربي الكبير كثيراً من جسور المحبة وبذور الأخوة وآفاق التعاون وإمكانيات التكامل، لكن عششت فيها العقارب واتسعت رقعة الغربة، وأطلت الفتن برأسها القبيح تقتل النخيل والتين والزيتون. أمل المحرران أن تكون هذه السلسلة صلة وصل بين عرب الشمال والجنوب والشرق والغرب. استُكتب لهذه السلسلة اثنان وعشرون كاتباً، اثنان من المغرب، ستة من لبنان، اثنان من العراق، واحد من الأردن، اثنتان من سوريا، ثلاث من الجزائر، وواحدة من كل من ليبيا واليمن وتونس، وكاتب من موريتانيا، كما نشرت مقالاً عن ظفار للرحالة ابن بطوطة، ومقالاً للكاتب أمين الريحاني عن حدود سلطنة نجد قبل اكتمال توحيد الجزيرة على يد الملك عبد العزيز. ينقسم الكتاب إلى جزأين الأول عن المدن شمل: جدة ومكة والمدينة، ونزوى وظفار ومسقط في عُمان، ثم مقالين عن كل من الدوحة والكويت والمنامة، ومقالاً واحداً عن كل من أبوظبي والشارقة ودبي، والعين، والمنامة. أما الجزء الثامن فتضمن مجموعة من المقالات التحليلية عن النفط والحداثة والرواية النسوية والأغنية الخليجية. الكتابات عن الخليج ينحرف كثير منها إلى أحد الطرفين، طرف يتضمن ثناءً مسرفاً، لا تنطلي فجاجته على مثقفي الخليج، وطرف يأخذ شكل النقد ولكنه أبعد ما يكون عن ذلك وربما من اللائق أن يسمى النقد العدواني. الحق أن هذا الكتاب ليس مما يؤخذ عليه ذلك بل يمثل نموذجاً للكتابة الرصينة في الأغلبية الساحقة لمقالاته. لم يتضح لي سبب اختيار الكُتاب، معظمهم سبق لهم التأليف، بعضهم عاش في المنطقة أو عمل فيها في مرحلة من حياته، وآخرون زاروا بعض مناطقها. الكاتبة اليمنية كتبت قصيدة نثرية جميلة في الإشادة بالمنامة، بينما كانت ترثي صنعاء، وكذلك كتبت اللبنانية عزة سليمان مقالة تمجيدية لمدينة نزوى في عمان لكنها كانت مرثية لبيروت في نفس الوقت. من الواضح أن كل كاتب لم يُعطَ نمطاً محدداً ليكتب عليه مقالاته وإنما ترك ليكتب على سجيته، وحسب المكتوب على الغلاف فإنه كتاب في أدب الرحلات والواضح أنها لم تكن رحلات بالمعنى المألوف، ولكنها رحلات في المكان والزمان والثقافة والسياسة والأدب. سأستعرض فقط اثنين من المقالات الخاصة بالسعودية، المقال الأول في الكتاب عن مدينة جدة، كتبه المفكر الإسلامي الجزائري جلول صديقي، طُلب منه الكتابة عن مدينة الرياض، فأجاب أنه يفضل الكتابة عن جدة لكثرة زيارته لها معتمراً ومشاركاً في مؤتمرات رابطة العالم الإسلامي، في مقاله نبذة عن تاريخ مدينة جدة عبر القرون، وعن معمارها، وما كتبه عنها وعن أهلها المؤرخون السابقون، ناصر خسرو الرحالة الفارسي زارها عام 1050 للميلاد، وهي في حينها تحت حكم العباسيين فقال إنها “مدينة كثيرة الخيرات مزدهرة بالتجارة، باسقة العمران وأسواقها نظيفة وجيدة”. تعرضت جدة لغارات الأساطيل البرتغالية، وغارات القراصنة الهولنديين، وعندما كان الصراع يشتد بين البرتغاليين والهولنديين والإنجليز على سيادة البحر كانت تجارة جدة تصاب بضرر كبير، ولولا وفود الحجيج والمعتمرين ما استطاعت المقاومة إلا أن الفرج الأكبر جاء مع العهد السعودي، وخاصة عندما أمر الملك المؤسس بإدخال السيارات إلى بلاده، وأكثر منها في الحجاز لتؤمن للحجاج نقلاً مريحاً، على الرغم من معارضة بعض رجال العشائر الذين رأوا فيها منافساً قوياً لجمالهم التي كانت تنقل الحجاج. ذهب البعض إلى الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، سألوه عن رأيه في السيارات فقال: أقول إن هذه السيارة أزين من الحمار، لأن الحمار يبول والسيارة لا تبول، فتساءلوا إن كان فيها شيء من السحر فقرأ عليهم الآية الكريمة (والخيل والبغال والحمير لتركبوها، وزينة ويخلق ما لا تعلمون). وبعد جولة في أنحاء مدينة جدة، اختص الكاتب اثنين من رجالها بالترجمة، عالم جدة ووجيهها الشيخ محمد نصيف، وهو من بيت علم وأدب، تتلمذ على أيدي كبار علماء جدة والطائف، كان شغوفاً بالكتب والمراجع، اشتملت مكتبته على ستة آلاف مجلد في مختلف العلوم والفنون، أصبحت مزاراً للعلماء والباحثين، وكان الرجل يرسل في طلب كل إصدار جديد. كذلك كان بيته موئل كبار زوار جدة ومكة، والوحيد الذي ينزل فيه كبار ضيوف الدولة وكان الملك عبد العزيز ينزل في داره عندما يأتي إلى جدة. العالم الثاني هو الشيخ محمد بن أبي بكر باعشن، وهو أيضاً من عائلة علم ودين ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد أسست أسرته في حضرموت “رباط باعشن” للعلم قبل ستة قرون، وحسب فهمي فهي قرية يعيش فيها من ينقطع للعلم فترة من حياته. قالت عنه ابنة أخيه الروائية مها باعشن، إن محاسنه ظهرت بعد وفاته لزهده في الشهرة، وذكرت أنه كان يجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية، عرفه أهل جدة بدروسه العلمية في مسجده، وأحبوا قراءته للقرآن، التي كانت ذات نغمة شجية على طريقة قراء حضرموت، وكان مشهوراً بالتمسك بالمذهب الشافعي فكان لا يترك الجهر بالبسملة ولا القنوت في صلاة الفجر. كتبت نوال سالم الباحثة الجزائرية مقالاً مهماً عن مكة بعنوان “قصي يؤسس الدولة المكية، وحفيده الرسول الهاشمي ينقلها إلى قلب العالم” وقد عادت فيه إلى مراجع فرنسية ومراجع عربية مترجمة للفرنسية، ولذا فقد استعملت تعبيرات سياسية حديثة، معبرة وطريفة في آن، تقول إن فترة الجهل التي كانت قائمة قبل الإسلام وُصفت بطريقة تحقيرية، ومع ذلك فإذا حرر المرء نفسه من ثقافة الإمبراطورية يمكنه أن يرى أن مكة المكرمة قبل الإسلام كانت مدينة تحتفظ بـ”حضارة راقية ومؤسسات سياسية متقدمة”، والمقصود بثقافة الإمبراطورية هي تلك التي تقول إنه قبل عصر نشوء إمبراطورية في مكان ما لا يقدر التاريخ أي حدث سبقها مهما كانت أهميته. ولذا لم تُقدر دولة مكة قدرها قبل عصر الإسلام. قصي بن كلاب أدى دوراً حاسماً في تأسيس الدولة المكية، إذ تمكن من إعادة توحيد قبيلته وتوفير شروط استقرارها حول الكعبة، ثم أنشأ نظاماً سياسياً متطوراً يقوم على ثلاث ركائز: دينية وسياسية وعسكرية. في المجال الديني أدى القرشيون دور “حراس الهيكل” في الكعبة، ومن خلال هذه المهمة، كان عليهم أن يضمنوا أن المدينة بإمكانها أن توفر مياه الحجاج وطعام الناس وإرشاداً للزوار طوال فترة الحج، وفي الميدان السياسي: أنشأ قصي مجلساً للشيوخ (دار الندوة) ونظاماً ضريبياً. يضم مجلس الشيوخ زعماء عشيرة قريش وحلفاءهم من كنانة، فضلاً عن وجهاء المدينة، وفيه تُعد المراسيم التي تُنسخ في وريقات ولفائف، وتخزن في نهاية المطاف داخل الكعبة بما يشبه أرشيف الدولة الحديثة. يعتبر المستشرق هنري لامنس أن جمهورية حقيقية قد قامت في قلب الجزيرة العربية، فلم يكن هناك ملك أو زعيم، ولكن فقط رئيس للجمعية هو من يترأس المناقشات ويستعرض آراء أعضاء المجلس، ثم ينطق بالقرار النهائي، وكان رئيس المجلس يستمد سلطته من الزمالة، فلم تكن السلطات تتركز في رجل واحد. يخطر ببالي هنا حلف الفضول وصدوره باسم عبد الله بن جدعان، وإشادة رسول الله به. أصدر قصي مرسوماً يتعلق بقريش يقضي بإلزامية ضيافتهم للحجاج، وهذا نص القرار: “يا أهل قريش، أنتم مضيفو الله، حراس بيته ومعبده، الحاج هو ضيف الله، زائر بيته، كونوا كرماء، قدموا للحجاج الماء والكساء أيام الحج”، وفرض رسوماً على جميع سكان المدينة. بين عامي 500 - 520 للميلاد استخدم أحفاد قصي مهاراتهم الدبلوماسية لتعزيز تحالفاتهم التجارية في المنطقة، حصل هاشم من العرب الغساسنة ومن الإمبراطور البيزنطي أنستازي على إذن لتجار مكة للوصول إلى أسواق دمشق، أما عبد شمس فقد حصل على اتفاقية تجارية من نيغوس ملك إثيوبيا يسمح فيها لسفن المكيين بالرسو في موانئ القرن الإفريقي والوصول إلى أسواق إفريقيا، نوفل بدوره حصل على اتفاقية كهذه مع إمبراطور فارس “كافادة الأول”، تسمح للمكيين بالتجارة في مدن الإمبراطورية، واستطاع المطلب الحصول على إذن بالمرور للتجارة في اليمن، مع حكام اليمن (أبو نواس وحنيف بن عالم) وهما من الملوك الحميريين. أدت هذه الاتفاقيات للازدهار الاقتصادي في مكة، فقد أصبحت أحد أهم مراكز التجارة الدولية في العالم القديم. ولضمان الطرق البرية أقامت قريش اتفاقيات مع القبائل الواقعة على هذه الطرق يحفظ الأمان فيها. وتطورت الحالة السياسية بما يسمح بمنع تضارب المصالح، إذ عهد أبناء قصي لعشائر قرشية من غير أبناء قصي بمهمات أخرى فأصبح القضاء لبني تميم، والسفارات السياسية لبني عدي، فعزز هؤلاء من تحالفات قريش القبلية، كما عهد لبني مخزوم بوظائف تشبه وظائف المؤسسة العسكرية اليوم، وهكذا انتهى الأمر إلى ما يسمى “فصل السلطات”، وهو أمر مهم للتوازن والاستقرار الداخلي. وتطور الأمر إلى رعاية قريش للذائقة الشعرية العربية، من خلال تعليق القصائد الفائزة على جدران الكعبة. وهو ما سُمي بالمعلقات، وهكذا فإنه عندما جاء الإسلام ورث وطور هذه الحالة المتقدمة اجتماعياً، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلن “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، والإشارة النبوية إلى ما تحقق من إنجازات في الماضي واضحة. بالإسلام تحولت مكة من مدينة نافذة في شبه جزيرة العرب إلى مدينة عالمية مقدسة. هناك الكثير في الكتاب مما يستحق العرض، ولعله أظهر أن التأليف الجماعي أقرب إلى تحقيق أهداف نشر الكتاب.