مت قاعد: السخرية العدمية.

في لهجة العامة، حين يُحال الموظف إلى التقاعد، يقولون ساخرين: «مت قاعد». في انشطار الكلمة من «متقاعد» إلى «مت قاعد» تتحول اللغة من وصف إداري إلى حكم وجودي، ومن تسمية لحالة إلى اختزال لحياة. كأن انتهاء الوظيفة إعلان عن انتهاء صاحبها، وكأن الإنسان لا يبقى منه شيء حين ينتهي دوره. هنا تحدث المفارقة: من وصف إلى سرد. «متقاعد» وصف محايد، و«مت قاعد» مشهد سردي. الأول يصف نهاية العمل، والثاني يتخيل نهاية الإنسان. وبينهما مسافة تكشفها السخرية وتخفيها اللغة: أن يموت المرء وهو لا يزال حيًا، وأن يبقى في المكان بعدما فقد، في نظر الآخرين، مبرر الحركة. لكن المتقاعد لم يخرج من الحياة؛ خرج من وظيفة اعتاد المجتمع أن يرى الإنسان من خلالها. وحين تنتهي الوظيفة، تنكشف هشاشة هذا التصور: هل كانت قيمة الإنسان في ما يؤديه، أم في ما هو عليه؟ وهل تنتهي فاعليته بانتهاء دوره، أم تنتهي قدرة المجتمع على الاعتراف بها؟ «مت» هنا موت رمزي، و«قاعد» إقامة في الفراغ. غير أن المفارقة الأشد قسوة تكمن في المبني للمجهول: لم يمت قاعدًا، بل أُميت قاعدًا؛ حين ضاقت الأدوار المتاحة به، واختُزلت خبرته في ماضٍ وظيفي، وأصبح ما أنجزه أقل حضورًا من الصفة التي فقدها. ليست المشكلة في التقاعد؛ فقد يكون تحررًا من العمل واستعادة للحياة. المشكلة في ثقافة تخلط بين المنفعة والقيمة، وبين انتهاء الدور وانتهاء صاحبه. ثقافة لا ترى الإنسان إلا من موقعه، فإذا غادر الموقع غاب عن مجال الرؤية. من هنا، تتجاوز «مت قاعد» حدود الطرفة إلى عدميتها: إنها تمحو ما تبقى من الإنسان، وتختزل تاريخه في كرسي، وحضوره في سكون. لكنها، من حيث لا تقصد، تفضح المجتمع أكثر مما تسخر من المتقاعد؛ إذ تكشف عجزه عن تخيل الإنسان خارج وظيفته. فالمتقاعد لم ينتهِ؛ الذي انتهى هو الدور الذي اعتاد الآخرون أن يروه من خلاله. وليست المأساة أن يتقاعد الإنسان، بل أن يتقاعد اعتراف المجتمع بوجوده.