قبيل ولادة المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية بعدة أشهر..

د. حمزة المزيني يرفد المكتبة العربية بأهم الأعمال الأنثروبولوجية

قبل أكثر من أربعة أشهر من الإعلان عن إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية( في منتصف شهر مارس الماضي)، كان الدكتور حمزة بن قبلان المزيني يوقّع، في الأول من نوفمبر 2025، مقدمة الترجمة العربية لكتاب «الأغربون» للأنثروبولوجي الأمريكي جوزيف هنريك، الذي يبحث في دور الثقافة في تفسير تفرّد المجتمعات الغربية نفسيًا وازدهارها اقتصاديًا. واليوم، مع صدور الكتاب عن دار جداول في 936 صفحة، يكشف المزيني عن فراغه من ترجمة كتاب آخر للمؤلف نفسه، يمثل إضافة إلى المكتبة العربية في مجال الدراسات الثقافية، الذي يُنتظر أن يحظى باهتمام المعهد. ويفتح هذا التزامن بابًا للسؤال عن فرص الاستفادة من خبرة المترجم في نقل الأعمال الأنثروبولوجية إلى العربية، في ظل الاهتمام المؤسسي المتنامي بالدراسات الثقافية. كيف تفرّد الغرب؟ تبحث الترجمة الجديدة للمزيني في سؤال ظل يشغل المفكرين والباحثين طويلًا: كيف بلغ الغرب ما وصل إليه من تقدم علمي وفكري وصناعي واقتصادي وعسكري؟ وكيف تحوّل إلى نموذج تسعى مجتمعات أخرى إلى محاكاته أو اللحاق به؟ ويقدّم المؤلف جوزيف هنريك، أستاذ كرسي «روث مور» في الأنثروبولوجيا البيولوجية بجامعة هارفارد الأمريكية، وأستاذ علم النفس فيها، تفسيرًا لهذا التباين ينطلق من التحولات الثقافية والمؤسسية، لا من افتراض وجود فوارق فطرية أو تفوق وراثي لدى الأوروبيين. وفي مقدمة الترجمة العربية للكتاب، يوضح الدكتور حمزة المزيني أن عمله يأتي «محاولةً لرفد المكتبة العربية بعمل علمي رائد يتجاوز حدود التخصص الواحد»، ويتناول أحد الأسئلة الفكرية العميقة: كيف تغيّر الغرب عبر الزمن، وكيف أسهمت الثقافة في تشكيل العقول التي صنعت العالم الحديث؟ ويؤكد المزيني أن الكتاب لا يتناول الغرب من منظور تمجيدي أو تفوّقي، وإنما يحلل التحولات التاريخية التي شهدتها المجتمعات الأوروبية منذ العصور الوسطى، مستندًا إلى دور الثقافة والمؤسسات الاجتماعية في تشكيل السلوك البشري وتطوره. ويرى المزيني أن الكتاب يُقدِّم منظورًا مغايرًا لفهم الفجوة بين العالم العربي والغرب، إذ يُعيد النظر في أسباب التقدم والتأخر في ضوء منهج علمي يجمع بين الأدلة التجريبية والرؤية التاريخية الطويلة المدى. ويناقش أسباب فشل محاولات استيراد النموذج الغربي السياسي والاقتصادي إلى مجتمعات لم تمر بما مرَّت به المجتمعات الغربية.” ومن أهم القضايا التي يضيئها الكتاب، انتقال المجتمعات من الروابط القرابية والأسرية إلى الروابط المدنية والمؤسسية القائمة على الثقة والقانون والعقود؛ وهي تحولات يرى المزيني أنها تستحق البحث في سياق دراسة المجتمعات العربية وتطورها. الثقافة وإعادة تشكيل العقول يصف المزيني ترجمة الكتاب بأنها “دعوةً إلى حوار علمي عن إمكانات تطبيق المنظور الثقافي التطوري الذي قدَّمه الكتاب في دراسة مجتمعاتنا، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الانبهار بالنماذج الخارجية.” ويرى أن الكتاب وإن كان يتناول التجربة الأوروبية، فإنه “في جوهره تأملّ في قابلية الإنسان للتغيّر، وفي قدرة الثقافة على إعادة تشكيل العقول والأنماط السلوكية بمرور الزمن.” ويختصر المترجم دلالة هذا المنظور بالقول إن “القوانين تُغيِّر السلوك، ولكن الثقافة تُغيِّر العقول”، مؤكدا “أنّ أي مشروعِ للإصلاح المؤسسي أو النهضوي لا يمكن أن يُصمَّم بفعالية من غير فهم عميقٍ للجذور الثقافية والنفسية التي تُشكِّل المجتمعات. وهذا ما يجعل قراءة هذا الكتاب خطوةً ضرورية لمحاولة فهم الإنسان في تاريخه، وللتفكير في مستقبلٍ أكثر وعيًا بتفاعلات الثقافة والعقل والمؤسسة.” وفي هذا السياق، يشدد المزيني على أن ترجمته لا تعني تبنّي آراء المؤلف أو الدفاع عنها، وإنما نقلها بأمانة ودقة لتكون متاحة للقارئ العربي، ومادة للنقاش والنقد والتحليل في ميادين الفكر والعلوم الاجتماعية. ويأمل أن تفتح الترجمة بابًا لتفاعل علمي مع القضايا التي يطرحها الكتاب، على غرار ما شهده في لغته الأصلية من نقاشات ومراجعات. ترحيب المؤلف والأوساط العلمية وقد رحّب المؤلف جوزيف هنريك بصدور الترجمة العربية، معربًا عن سعادته بإتاحة كتابه للقراء الناطقين بالعربية، وكتب: «من الرائع رؤية ترجمة WEIRD إلى اللغة العربية! شكرًا لحمزة قبلان المزيني على عمله الممتاز». كما عبّر عدد من زملاء المؤلف، في منشورات أعاد نشرها عبر حسابه في منصة «إكس»، عن ترحيبهم بوصول الكتاب إلى جمهور أوسع، مشيرين إلى وجود قراء مهتمين بموضوعاته في العالم العربي. وكتب أحدهم: «لقد أخبرت العديد من أصدقائي في الوطن عن الكتاب. أنا سعيد أنني أستطيع الآن إخبارهم أنه متاح بالعربية»، فيما وصف آخر صدور الترجمة بأنه خبر رائع، مرجحًا أن يجد الكتاب كثيرًا من القراء المهتمين. ترجمة ثانية في الطريق ولا يتوقف اشتغال المزيني على أعمال هنريك عند «الأغربون»؛ فقد فرغ مؤخرا من ترجمة كتاب: ‏THE SECRET OF OUR SUCCESS ‏How Culture Is Driving Human Evolution, Domesticating Our Species, and Making Us Smarter ‏«سر نجاحنا: كيف تقود الثقافة التطور البشري وتستأنس نوعنا وتجعلنا أكثر ذكاءً»، الصادر عام 2016، ودفع به إلى دار جداول، متوقعًا صدوره قريبًا. ويواصل بذلك نقل أعمال المؤلف التي تتناول أثر الثقافة في التطور البشري، في مسار يتيح للقارئ العربي الاطلاع على أحد الاتجاهات البحثية التي تربط بين التحولات الثقافية وتشكّل السلوك والقدرات الإنسانية.