جاء صابر من زمن بعيد إلى هذه الدنيا جاء قبل أن يخطفه جو هذه المدينة لتأخذه من حياه بسيطة. تنتهي الرواية من حيث بدأت، مشهد جثة صابر وبسمه تقوم بتشريحها، تروعها اللقطات المحذوفة من حياته وتهتف لصابر في نومه، أنا الضحية، وضحية كل مسلوب الهوية مثلي ومثلك.. مازلت أقوم لأكون أنا “. بهذا النمط الروائي الحديث يشرع الكاتب في رسم ملامح بأخته من شخصية صابر بطل رواية مدن الدخان . تحتل هذه الملامح الصفحات الأولى من الرواية ثم تغيب بعد ذلك بين دهاليزها المعتمة وفي متاهات سير شخوصها المتنوعين وأحاديثهم الجانبية ، فهو قد “ جاء من زمن بعيد إلى هذه الدنيا . جاء قبل أن يخطفه جوّ هذه المدينة ، لتأخذه من حياة بسيطة ، ملؤها مخبئات طازجة لغزلان جبلية متقافزة حرّة ، ترعى في الفيافي البعيدة ، لتعصف به رياح الحياة ، وترمي به في صحراء شاسعة , كطائر هدّه التعب “ ص10 ، جاء من الريف ليكمل تعليمه في إحدى مدارس مدينة الرياض ويستقر به المطاف في بيت عزبة الغرباء بيت عم عارف الذي كان مأوى لشباب من أعمار مختلفة “ طلاّباً ، وموظفين في مهن بدائيّة ومحدودة “ أو عاطلين وعابرين إلى مدن أخرى “ ، ويتوالى إعاشة وخدمة هؤلاء الغرباء ليوم واحد في الأسبوع . لكنه في النهاية لم يكن سوى جثة تنتظر الدفن ، يفسح لها الكاتب مجال الحديث عن نفسها ثم يسلبها هذا الحق حين يترك المجال الأكبر للسارد وبقية الشخصيات. جثة رجل ميت وبدون هوية أو ملامح تميزه عن غيره عدا كونه مهملا ً محسوبا ً على هامش الحياة. حظه العاثر في الحياة يقف في طريق زواجه من بسمة الفتاة الوحيدة التي أحبها ، فلم يحظ بها وتزوج من فتاة أخرى ورضي بها ورضخ لكل ماتشيأ وشيء له دون اعتراض أو شكوى أو سخط أو حتى محاولة صغيرة لتعديل مسار حياته ، وكان فوق ذلك عقيما ً بفعل السحر الذي لم يشأ أن يتعالج منه ، لم تؤثر فيه الأحداث والتحولات العقيمة التي واجهت عصره ومجتمعه وكل المحيطين به فبقي مخنوقاً بدخان المدن ، غير قادر على تجاوز حاجته إلى البقاء داخل نفسه ، في وسط لا يفهم دوره الحقيقي فيه ، كل شئ من حوله بلا معنى ، وأسئلة فضولية تنطلق دون إجابات ، يبقى معها حائرا ً ، وحاصرا ً بتلك اللقطات المحذوفة من حياته يحاول ملأها مستعينا ً بمخيلته الشاحبة ، وثقافته المحدودة ، فيعجز عن رتق تلك الفضاءات اللامتناهية . وكل حياته عبارة عن لقطات محذوفة تناسق مع عمله في رقابة اللقطات التلفزيونية. تعدد الأبطال بهذا القدر البسيط من حياة مبتسرة ، وجذور مجهولة ، ووحدة وغربة وإحباط ذريع “ نجح الكاتب في تصويره إلى أبعد مدى “ ، وإمعانا ً في تشخيص هذه الغربة بالأحاديث والحوارات الفرعية حول سير أشخاص لا تربطهم بالبطل صلات عميقة ، يفقد السرد مركزية الحدث ، فيتشتت القارئ وتضيع الحبكة ويتعدد الأبطال ، فلا يكتفي البطل الأساسي بهوية اجتماعية مسلوبة ، بل يضاف إلى ذلك هوية سردية مشتتة ورؤية غامضة ، تحجب عن القارئ جزءاً كبيرا ً من حياة صابر قبل مجيئه للرياض ، وجزءا ً أكبر من حياته بعد ذلك ، فلا نعرف إلا مايخبرنا به الكاتب عن أصدقائه ، ومعارف أصدقائه حتى ننسى شيئا ً كان اسمه صابر . فنلتقي بصديقه سامح الذي يحتل أجزاء كبيرة من السرد ، وأصدقاء سامح : الفنان الموسيقي وشقيقته رمزيه التي ارتبط معها سامح بعلاقة عاطفية ، وزياد رفيقه في المكتب الذي بذل جهود للسفر إلى أمريكا وأخفق ، والخال الذي يقضي جل وقته في السهرات ، وإلقاء النكات ، وإتلاف المال . يتشعب السرد في وجهات متابينة لنلتقي بزوجة الخال الجديدة ، بنت خميس العجوز الذي تزوج برمزية عشيقة سامح ، ونجح في البقاء في القصر الكبير بمكره ودهائه فيما أخفق الآخرون . وأخيرا ً “ الفتى الجبلي “ مجهول الاسم الذي لا نجد لسرد تفاصيل علاقته العاطفية بمصباح الأدبية أي مبرر إلا أنه زوج عزة شقيقة حفيد سويد الذي جاء من الجبال ليقيم في عزبة الغرباء ، مع ذلك يحظى هو وصديقته مصباح بمساحات شاسعة من الرواية ، يتجلى فيها سمو نفسه ورجاحة عقله وثقافته العالية ، وتتسامى هي في عقله وثقافته العالية ، وتتسامى هي في علاقتها به لتخاطب فيه ما فقدته من أبوة وحنان . الذات من خلال الآخرين وتتوالى الأحداث الفرعية المتعلقة بأناس مختلفين ليس بينهم روابط ، وتترابط معا ً وتتعقد لتكشف للقارئ حجم شخصية مثل شخصية صابر المنطوية المنعزلة تلك التي سرعان ما تضيع وتذوب في مجتمع أكثر عزلة وغربة . الموت هو قدره الذي شاء له الكاتب، متخلصا ً من كل ما يحيل إلى تباشير حياة قد تولد في رحم رواية مفقود جزء كبير من نصها. وصابر لاشيء سوى ما يتشكل في أذهان الناس ووعيهم به ، وهو لا شيء سوى ما بقي من أجزاء يسيرة هنا وهناك مما علق بالذاكرة الجمعية ، لأن السارد منذ البداية قرر ألا يحدثنا عن صابر ، بل عن شخصية أخرى غير صابر تتخلق من اللحظات المارقة حوله “ كخيوط من نسيج يقود إلى رؤية ما نرى وما لا نريد “ ص 9 . يحاول الكاتب بهذه الفلسفة العميقة في تشكيلة رؤية الذات من خلال علاقتها بالآخرين أن يكون مفهوما ً إيجابيا ً لاستقلالية الذات واجتماعيتها في آن واحد ، إلا أن هذا المفهوم يأبى التكون في عالم يسلب الأنسان أبسط حقوقه ، فليس صابر سوى ما نراه نحن لا مالا يراه هو عن نفسه . ولتأكيد هذا المنحنى يقوم السارد بوصف تأثير التغير الذي حدث لبسمة “ حين كبرت وأصبحت أستاذة جامعية “ على سامح الذي صدم بهذا التغير الكبير وفكر كيف سيكون وقع هذا على صديقه صابر، فبينما كان التأثير مباشرة على صابر عشيق بسمة الذي كان سيصدم بشدة ، وكأن حياة صابر ليست حياته ، وإنما هي حياة المحيطين من حوله . مدن الدخان في مدن الدخان يسلب البطل هويته ، بفعل المدن الجديدة وظغوطها الاجتماعية ، وفوضى الحياة الصاخبة ، وإيقاعها المتسارع ، بفعل الحروب ، والانكسارات المتوالية . كل ذلك كفيل بضياع تفاصيل كثيرة من سيرة صابر : “ صوت الغناء الممتد إلى الخاصرة ، ذات الصوت الملتاع ، يرشق الجبال كل مساء ، وقد تحولت بوصلة السفر والغايات ، تجاه مدن جديدة ملوثة ، يحترق فيها صوت العشق والعشاق . المدن الكبيرة كالنساء المسنات تخفي التجاعيد، تفاصيل تصبح أسيرة تابوت الظلام “ . ص 59 مدن الدخان هي مدن تنمو فيها الأفكار الجوفاء ، والانبهارات الزائفة ، فقد “ كان الفتى على حق في بداية مجيئه ، وطوافه الدائم مدن الدخان ، كان على حق يرفض أن تبهره ، أفكار سامح التنظيمية السرية وتجذبه ، فلا يجدها إلا جوفاء من الداخل ، وأكثر جفافاً وبؤساً من الواقع “ . ص 107 . هي مدن الأحلام والطموحات المحترقة ، والدخان الكثيف الذي يفسد حكايات الحب والأمل ، وهذا ما يفسر لنا سبب بقاء صابر الوحيد الذي لم يتغير ، فلم يتأثر بالأحداث ولم تؤثر فيه : “ كل ما كان حوله ، واقعا ً صابر يدفعه بين يديه كل يوم “ ص 227 . وهو الوحيد الذي ظل محاصرا ً بعزبة الغرباء ، لم يستطع التخلص من ماضيه الذي ظل متشبثا ًبه إلى حين موته . تنتهي الرواية من حيث بدأت: مشهد جثة صابر وبسمة تقوم بتشريحها، تروعها اللقطات المحذوفة من حياته. التقت بجسده فقط ، بينما ضاعت روحه قبل ذلك بكثير ، غاب في ثنايا الآخرين وبين أعطاف ذكرياتهم وسيرتهم الذاتية .