عن المشروع السردي للدويحي..

حين تبدأ قراءة الكاتب من الإنسان ولا تنتهي عنده

ثمة كتّاب لا تكتمل قراءة نصوصهم إلا بعد أن تمر أولًا عبر الإنسان الذي كتبها. أرسل إليّ أحمد الدويحي رواياته إلى الرياض، ظنًّا منه أنني أقيم فيها، وحين عرف أن وجهتي الصحيحة هي جدة، أعاد إرسالها من جديد. لم يكن الأمر أكثر من تفصيلة عابرة في سياق التعامل مع كاتب، لكنها كشفت عن إنسان يحرص على التفاصيل، ويرغب بصدق في أن تصل كتبه إلى قارئها. قبل أن أقرأ الدويحي الروائي، تعرّفت على الدويحي الإنسان: رحبًا، متجاوبًا، منحني من الثقة ما جعل القراءة أكثر راحة وصدقًا. تعاون بانفتاح مع طلبي، وكأن الكاتب الذي يفتح نصه للناقد يؤمن بأن العمل، حين يصل إلى القارئ، يصبح جديرًا بأن يُقرأ من زوايا متعددة. وهنا يكمن سؤال يستحق التوقف عنده: هل يحجب القرب الإنساني من كاتب ما صرامة النقد الموجّه إلى نصّه؟ في تجربتي معه، لم يحدث ذلك؛ بل دفعني هذا القرب إلى الاقتراب من نصّه بوعي أكبر، والتمييز بين تقدير صاحبه وقراءة عمله بوصفه كيانًا مستقلًا تُقاس قيمته بما يقدّمه من أسئلة جمالية وفكرية، وبقدرته على بناء عالمه وإقناع قارئه. فمعرفة الإنسان، في أفضل حالاتها، لا تصدر حكمًا على النص، بل تفتح الباب للاقتراب منه؛ وتظل قيمة العمل، رغم ذلك، رهينة بما يكشفه هو من جماليات وأسئلة، لا بما نعرفه عن كاتبه. ومن هذا التوازن بين معرفة الإنسان واستقلال النص، بدأت قراءتي لرواياته الأربع: «مدن الدخان»، و«وحي الآخرة»، و«غيوم امرأة استثنائية»، و«منابت العشق». وجدت فيها، ليس فقط حكايات بسيطة تُروى، بل مشروعًا سرديًا يتكشف تدريجيًا: زمنًا متعدد الاتجاهات، ومكانًا فاعلًا لا مجرد خلفية للأحداث، وشخصيات تتشكل تحت ضغط المجتمع والذاكرة والاختيارات، ولغة تتنوع بحسب الموقف والحالة. الدويحي، كما بدا لي، لا يكتفي بتشييد الحكاية، بل يشتغل على أثر التحولات الاجتماعية في الفرد، وعلاقته بماضيه، والتوتر بين رغباته وما تسمح به بيئته وذاكرته. خذ مثلًا الزمن في «مدن الدخان». الرواية لا تبدأ من حيث تبدأ الحكايات التقليدية، بل تفتتح بجملة لافتة على لسان الراوي: «غادرتُ وجثة صابر تنتظر الدفن، والجسد خرجت منه الروح، فلا بد من نهاية تحفظها إلى الأبد». من اللحظة الأولى، يضع الدويحي القارئ أمام هذا المشهد، وتلفت الدراسة إلى استخدام صيغة الماضي مع ضمير الغائب، رابطةً بينهما وبين المعرفة الشاملة للراوي بشخصياته وأحداثها. وهذا، في قراءتي، يبرز أهمية الاختيارات السردية في بناء المعنى، لا مجرد ترتيب الوقائع. وإذا كان الزمن عنده متعددًا، فالمكان عنده فاعل لا ساكن. في «غيوم امرأة استثنائية»، يلتقي فيصل بليلى أول مرة لا في الشارع أو المقهى، بل في فضاء افتراضي على الإنترنت، يمنحهما حرية تعبير لا يجدانها في عالمهما الواقعي المقيّد. وفي المقابل، تحضر الرياض في وعيه حضورًا مختلفًا كليًّا: ماضٍ ثقيل موروث عن الأب والجد، وصمت صحراوي تتوه فيه. هكذا يتحول المكان، الواقعي والافتراضي معًا، في قراءتي، من مجرد مسرح للأحداث إلى قوة تعيد تشكيل العلاقات وتحدد ما هو ممكن وما هو ممنوع. أما الشخصية عند الدويحي، فهي، كما تصوّرها الرواية، نتاج ضغط لا اختيار حر منذ البداية. في «منابت العشق»، تتجلى هذه الفكرة في شخصية “سفر”: شابّ ثريّ، يرسم له والده مسار حياته بالكامل، فيدرس الطب رغمًا عنه، ويتزوج ابنة عمه بقرار عائلي يحفظ ثروة الأسرة، ثم يُطلّق منها بقرار عائلي آخر. لسنوات، يبدو سفر محكومًا بقرارات الآخرين، لا بقراراته. لكن الرواية لا تتركه أسيرًا لهذا المصير؛ فهو يعود، بعد خسارات متتالية، لينتفض من جديد ويقرر أن يبدأ حياته وفق طموحاته هو، لا وفق ما رسمه له مجتمعه وأسرته. ثلاثة أمثلة من ثلاث روايات، لكنها تتقاطع، في قراءتي، عند فكرة واحدة: الدويحي لا يكتب الحكاية فحسب، بل يكتب شروطها؛ الزمن الذي يحيط بها، والمكان الذي يصوغها، والضغط الذي يشكّل من يعيشها. وهذا، في تقديري، ما يجعل من عالمه الروائي، وإن بدا في ظاهره قصصًا عن أفراد، مرآة لأسئلة أوسع عن المجتمع والذاكرة والحرية الفردية. وهكذا، فإن ما بدأ من ملاحظة إنسانية بسيطة، تفصيلة صغيرة عن روايات أُعيد إرسالها إلى جدة بعد أن وصلت أولًا إلى الرياض، وجد امتداده داخل النص، لا بوصفه حكمًا مسبقًا على قيمة هذا النص، بل سؤالًا عن كيفية تحوّل حساسية الكاتب تجاه التفاصيل إلى بناء سردي ودلالي. فمعرفة الكاتب بوصفه إنسانًا قد تكون بداية جيدة للقراءة، نقطة انطلاق تفتح الباب وتُحسن الظن، لكنها لا تغني أبدًا عن الحكم على عمله الأدبي بمعاييره الخاصة، وبما يستحقه فعلًا من جماليات وأسئلة لا تمنحها له صداقة أو معرفة شخصية، بل يمنحها النص لنفسه، سطرًا بعد سطر. * إدارة تعليم جدة. باحثة في النقد الأدبي والسرد. تناولت في أطروحتها للدكتوراه تجربة الروائي أحمد الدويحي، من خلال قراءة نقدية لأربع من رواياته: مدن الدخان، وحي الآخرة، غيوم امرأة استثنائية، ومنابت العشق.