​سفينة البياض والخلاص..

تداعيات من “وحي الآخرة”.

​“وحي الآخرة”: العودة للمصب الأول، منبت الروح، ملاعب الصبا، لحظة التفتح الأولى على الأسئلة، الحب، رائحة الأماكن، الخيارات الأولى، أخطائنا، أحلامنا التي سرقتنا لنبحر بعيداً. ​يعبر عنها في الصفحة (31): «فكرة ذلك الكائن السحري، فكرة صوت ملائكي، فكرة هي النور الذي يضيء، يأتي مغايراً للون الظلام، فكرة تلك السحابة التي تمطر، فتحيل الأرض إلى نماء، والحياة إلى بهجة، فكرة ذلك الهاجس العذب، يزرع الغبطة في الأرواح..». ​هي الأحلام بالمدن الفاضلة قبل أن يكبر الفتى ويشتد عوده ويرحل ليرى الأشياء على حقيقتها؛ فالحياة ليست غناء ومراعي حب يمكن أن يتحقق بسهولة، فللحياة صراعاتها التي لا تنتهي. ولم يحضر الشرق والغرب في “وحي الآخرة” عبثاً؛ فتقاطع رحلة الفتى مع “موسم الهجرة إلى الشمال” دليل وعي لرحلة اختبرت حياة مضت وقاربت على الانتهاء. الفقد يهز كل ما فيك، يفقدك السكون، ويعود بك لأعوامك البكر لقراءة تود أن تسقط كل زلة لتعود ماءً لم تعكره الحياة. ​وفي الصفحة (21): «فكرة لغة أولى متفردة، لم تطأ باباً لمدرسة، لكنها تدوزن الحياة والحروف والكلام ببراعة، وعرفت كيف تعلم القلب لغة توحي له أن يحترس». ​هي الحب الأول الذي يبقى يسكننا، نحنو إليه ويشتد الحنين كلما اقتربنا من الآخرة؛ نتذكره ليسكن الفرح قلوبنا، وننعم بالسعادة بحياة طالت بآلامها. ​ويقول في الصفحة (35): «تسامت فكرة إلى سماوات عراض، وملأت الأرض جاذبية، تصعد درجات المجد خطوة بعد أخرى، اللغات التي صارت ترطن بها فكرة حلت مكان الصوت الشجي بالغناء، خطت عالماً آخر مليئاً بالرومانسية، ووطنت النفس على بلوغ مرام بعيد يتجاوز كل واقع وسوء ظن». ​فكرة هي سفينة أحمد الدويحي يبحر بها للخلاص؛ لذلك كانت ناصعة البياض. وهي كتابة الألم والفقد؛ الوجع الذي يحفر عميقاً فينا يأخذنا لأعماق أعماق أرواحنا، لخطايانا وأفكارنا التي لم تر النور لتطهير أنفسنا من كل ذنب. هي الكفن الأبيض الذي نحلم أن نلف به بياضاً يسبقنا، لتسقط الأحلام في “وحي الآخرة” فنعيش أمام المرآة عراةً كما ولدتنا أمهاتنا.