أحمد الدويحي.. حياته ورؤيته الأدبية ومسيرته الإبداعية

أحمد بن سعيد الدويحي كاتب صحفي وأديب سعودي، ولد في قرية العسلة -الباحة- عام 1954م. ترعرع في بيئة ريفية تركت أثرا ملحوظا في نتاجه الأدبي، وتكوينه الثقافي، فقد كانت ذاكرته الأولى وثيقة الصلة بحياة القرية وأعمالها الزراعية والاجتماعية، كما كان فقد والده في سن مبكرة، عاملا مؤثرا في تشكيل وعيه بالحياة ودفعه إلى تحمل المسؤولية والعمل في مهن متنوعة في سبيل لقمة العيش، وفي ظل هذه الظروف الصعبة انبثق حبه واهتمامه المبكر بالكتابة، مما دعا والده يلقبه بـ”محمد حسنين هيكل”. امتازت تجربة الدويحي بتنوع معرفي وثقافي، حيث بدأ مسيرته كاتبا صحفيا في صحيفة (عكاظ) ثم انتقل إلى صحيفة (الرياض) حيث أمضى قرابة الثمانية عشر عاما في العمل الصحفي، محررا ومشرفا. وكان له دور صحفي أيضا في مجلة (اليمامة) و(البلاد) و(الجزيرة) التي نشر فيها زاويته “وجوه وزوايا”. وعلى هذا الزخم الصحفي غير انَّ الكتابة الأدبية شغفته حبًا، فجمع بين المقالة النقدية والثقافية، والقصة القصيرة، والرواية، قبل أن يضع عدته وعتاده في العمل الروائي. ويعد الدويحي من الأسماء الأولى التي أسهمت في الحراك الأدبي السعودي، حيث شارك مع عدد من الأدباء منهم: خالد اليوسف وحسين علي وعبدالعزيز الصقعبي، في أنشطة (جماعة السرد) في الرياض، التي ارتبطت بنادي القصة التابع لجمعية الثقافة والفنون، وكان لهذا النشاط فضل في دعم التجارب القصصية المحلية، وعلى رأسها صدور مجموعة الدويحي القصصية الثانية (قالت فجرها) عام 2000م، بعد مجموعته الأولى(البديل) عام 1986م. ولأن الدويحي ينتمي إلى جيل الثمانينات في القصة القصيرة السعودية فقد اتسمت تجربته القصصية بالميل إلى التجريب، وتوظيف الرمز والأسطورة الشعبية، ومزج الواقعي بالفانتازي، مع اهتمامه باللغة، وتكشف مجموعته الأولى (البديل) عن ميله إلى فضاء القرية الذي عدَّ أبرز الملامح المميزة لعالمه السردي، بما يتضمنه من ذاكرة اجتماعية وشخوص وعادات.... في حين شكلت تجربته الروائية السواد الأعظم من كتابته الأدبية، فقد استهلها برواية (ريحانة) عام 1991م، التي جاءت امتدادًا لرؤاه القصصية والثقافية والجمالية. وقد برز اسم الدويحي ضمن كتاب المرحلة الثالثة من مراحل الرواية السعودية، التي بدأت عام 1980م، التي اختصَّت بعدد من الخصائص الفنية من مثل: التناوب الزماني، وتعدد الرواة، وتداخل الحكايات، والإفادة من تيار الوعي. وتميزت كتابته الروائية بالمزج بين فضاء القرية والمدينة، فالقرية ذاكرة الماضي والجذور، في حين ترصد المدينة التحولات الاجتماعية وأزماتها، وقد حظيت رواياته باهتمام الباحثين والباحثات وصدرت عدة دراسات علمية وبحثية حولها تعكس أهمية نتاجه الأدبية وفضول الباحثين حول تجربته التي امتازت بملامح بارزة تنتظر الدرس والتنقيب. وتنكشف رؤى الدويحي حول الكتابة عبر تصريحاته المنثورة في الصحف والمقالات فهي رؤية تتجاوز الشهرة والجوائز؛ يقول: “أتداوى بالكتابة، فعلا أنا أكتب لأرتاح، أكتب لأشعر بوجودي، أكتب لأشعر بكياني، أكتب لأشعر حتى ولو بالحلم بأنني وضعت نقطة انطلاق لأحلامي”. قال عنه خالد اليوسف: “الدويحي كاتب قلق، مثير، يلهث خلف الجديد من الإبداع ولهذا تراه قارئاً نهماً، يملك أدوات خاصة بقلمه، لديه إرث كبير يمتاح منه مكانياً وزمانياً وشخوصا وعادات لا حصر لها وتقاليد تتوارثها الأجيال حسب قدراتها، من هنا جاءت الكتابة التلقائية المتداخلة لديه، تشعر بالفعل أنك أمام حكواتي محترف لذا لا تحكم القصة أو الرواية في عالمه قانون أو نظام.. بل لا يعترف بالقواعد والتقنيات التي يضعها النقاد!؟ لأن كل ما يهمه حينما يلج في عالمه الخاص ويمارس الكتابة الوصول إلى نص يحمل أفكاره وسماته وبصمته السردية”. ختاما فإنَّ الأديب أحمد الدويحي من الأسماء التي أسهمت في الحراك السردي السعودي، وتجربته الأدبية تجمع بين الوعي الاجتماعي والحس الإنساني، والشغف تجاه التجديد والتجريب الإبداعي. وقد أسهمت نشأته في الريف وبدايته الصحفية وتنوع مجالات الكتابة الثقافية آنذاك في تشكيل مشروعه الإبداعي، الذي يجعل من الذاكرة والإنسان والتحولات الاجتماعية والسياسية عناصر أساسية في بناء النص، ويمنح الكتابة وظيفة تتجاوز الحكي إلى مساءلة الواقع والكشف عن تعقيداته.