الدويحي صاحب السكين الحمراء

الصديق الأديب أحمد الدويحي، على المستوى الإنساني أولًا، صاحب الفزعة الغامدية الأصيلة، المنحوتة من صلابة جبال الباحة الراسية، وممتهن الابتسامة الجنوبية التي لا تكاد تفارق محياه في حلّه وترحاله، وصحوه ومرضه؛ تلك الابتسامة التي صاغها الغيم المرتحل على مدار العام، وغذّاها أعذب المطر. وهو ممن يصح أن تصفهم العرب، على سبيل المجاز، بأن سكينه حمراء؛ وذلك كناية عن خصلة الكرم العربي السابحة في دمه، بكرم لا ينقطع، وسخاء يسري في العروق قبل أن يظهر في الفعل. فالدويحي رجل مضياف، كثير الرماد، مفتوح القلب والدار، كأنما خُلق ليمنح الآخرين من دفء روحه ما يبدّد وحشة الأيام. وللأصدقاء في نفسه منزلة لا يبلغها كثيرون؛ ينزلهم منزلة الأبناء، ويحفظ لهم من الود ما لا تنال منه المسافات ولا يبدّده الغياب. فإذا اختطف الموت أحدهم، بالغ في الحزن عليه حتى لتخال أنه لو خُيّر بين بقائه ورحيل صديقه لاختار أن يكون هو الراحل. وليس ذلك إلا لأن الصداقة عنده عهد يتجاوز حدود الحياة، ووفاء لا ينتهي عند عتبة الموت. وهو حامل سجلّ أصدقائه، وأمين صورهم وحكاياتهم، والحارس الذي لا يترك النسيان يستولي على وجوههم. فالذكريات لديه ديوان شعر حزين، يعيد ترتيل قصائده بين حين وآخر، وكأن استعادة الراحلين شكل آخر من أشكال إبقائهم أحياء. ولأن الدويحي يؤمن بأن الرقص جزء من الرجولة، أو مكمّل لها، تراه حين يرقص قادرًا على أسر الناظرين إليه؛ إذ لا يرقص بجسده وحده، بل بتاريخ المكان الحربي والاجتماعي وإيقاع الجبال وذاكرة الجنوب الحية، وفي رقصه شيء من الفرح القديم الذي لا يحتاج إلى تفسير، لأنه لغة الجسد حين يتكلم بلسان الأرض واستخلاف الإنسان فيها. هكذا يبدو الدويحي في علاقته بالناس: رجلًا لا يكتفي بأن يكون صديقًا، بل يتحول، على اتساع قلبه، إلى أكاديمية حب ووفاء، وإن كان فردًا واحدًا. الدويحي صاحب البلاغة الأولى ثمة بلاغة لا تولد بين دفتي كتاب، ولا تتشكل في قاعات الدرس، بل تنبثق من الأرض حين تتكلم، ومن الأمهات حين تمنحن أبناءهن مفرداتهم الأولى، ومن الإنسان حين يتعلم الإصغاء إلى الحياة قبل أن يتعلم الكتابة عنها. ولعل هذه هي البلاغة التي حملها أحمد الدويحي من قريته الجنوبية إلى فضاء السرد السعودي. ذلك الفتى اليافع الذي اعتلى منبر الخطابة ذات جمعة، وأخذ يقود كلمات الوعظ إلى أسماع القرويين الجنوبيين، الذين شخصت إليه عيونهم اللامعة بالذكاء الفطري، كان يُظهر، دون أن يدري، بواكير بلاغته الأولى. هناك، أمام وجوه تعرفه ويعرفها، كان يختبر سلطان الكلمة، ويتلمس قدرتها على استمالة القلوب واستدعاء الإصغاء. غير أن الفتى الخطيب هو نفسه الذي كان يخاتل الجمع، ويغيب بين أشجار العرعر والتين والعنب، متوحدًا مع الأرض، رافعًا عقيرته بالغناء الجنوبي الشجي. وكأن البلاغة عنده كانت تسلك طريقين متوازيين: طريق المنبر الذي يمنح الكلمة جلالها، وطريق الطبيعة الذي يمنحها عفويتها وصدقها الأول. وللدويحي مع التراب حكاية عشق لا تنتهي. فهو القروي الساخر الذي إذا ما لمست أصابعه التراب أحبّت أصابعه بقاء التراب عليها وكأنه يريد أن يحيل التراب حبراً يكتب به، أو أن يفتح له مسامات جلده ليبلغ قلبه العاشق لأرض الميلاد. وإذا كانت تلك بلاغته الأولى، فإن نصه السردي هو الامتداد الناضج لها؛ نص مكتظ بالعمق الإنساني، ضاجّ بالتأمل الفلسفي، بارع في اقتناص الغرابة الكامنة في السلوك البشري. وتكاد الشخصية الإنسانية تكون عماده الأساس، حتى لتبدو لغة الدويحي كلها مسخّرة للكشف عن فكر الشخصية ووجدانها، وما تضمره من تناقضات وأسرار. ولا تنفصل هذه البلاغة عن يومياته التي يرحّلها إلينا من المشفى الطبي أو الممشى الرياضي؛ فالمكان العابر عند الدويحي ليس عابرًا بالضرورة؛ إذ يستطيع أن يستخرج من مشهد يومي بسيط حكاية، ومن وجه مألوف شخصية، ومن تفصيل صغير سؤالًا كبيرًا عن الحياة. ولم يكن الممشى الرياضي عنده مكانًا لرياضة البدن فحسب، بل صار مناخًا خاصًا لالتقاط أفكار الكتابة السردية، ومراقبة الشخصيات الحية التي تقيم على هامش الحياة، مثل بائعة الشاهي، التي يمكن أن تتحول، بعين السارد، من حضور يومي مألوف إلى كائن حكائي يحمل عالمًا من التفاصيل المسكوت عنها. وهكذا تظل بلاغة الدويحي وفية لمنابعها العربية الأولى؛ بلاغة لا تتعالى على الحياة، بل تنحني لالتقاط ما يسقط من تفاصيلها، ولا تبحث عن الإنسان في المواقف الاستثنائية وحدها، بل تجده في الطرقات والمماشي والقرى وغرف المرض، حيث تختبئ الحكايات التي لا ينتبه إليها إلا من امتلك عين السارد وقلب الإنسان. الدويحي الكاتب النبيل حين يغرد أحمد الدويحي على منصة «إكس»، أو يكتب في «فيسبوك»، فإنه يكاد يجبرك على وضع علامة الإعجاب اختيارًا وطوعًا، وأنت تبتسم، وربما وضعتها قبل أن تبدأ القراءة؛ إيمانًا منك بأن هذا الأديب لا يكتب إلا وقد طعّم حروفه بدهشته الخاصة وتأمله الوجودي، أو كأنه غمس مفرداته في نبيذ معتّق، فأسكرنا بها قبل أن نستوفي معانيها. وللدويحي قدرة لافتة على تحويل اليومي التافه البسيط إلى أدبي، والعابر إلى باقٍ خالد في الذاكرة. ففي يومياته التي يكتبها من المشفى أو الممشى، تتجاور الجملة الشاعرية مع الواقعية المؤلمة، وتطل السخرية من وراء التعب، كأنها طريقته في مصالحة الحياة حين تستعصي على المصالحة. وهو الأديب الساخر، الضاحك بقوة على تناقضات الحياة، وعلى تقلّبات الشخصيات وانحرافها عن جادة الصواب. غير أن سخريته، في جوهرها، لا تبدو خصومة مع الإنسان، بل محاولة لفهمه، والكشف عن المفارقات التي تصنع ضعفه وتناقضاته. ولعل أجمل ما في الدويحي أن وفاءه للكتابة لا ينفصل عن وفائه لأهلها. فهو مسوّق إبداعي ملحّ، وصاحب ذائقة شعرية عالية، لا يملّ استعادة نصوص صديقيه الشاعرين الراحلين محمد الثبيتي وغرم الله الصقاعي، منتقيًا من شعرهما مقطوعات جميلة وخالدة، يعيد نشرها في حساباته، وكأنه يفتح لهما نافذة جديدة على القراء. إنه لا يستعيد الشعر وحده، بل يستعيد أصحابه معه؛ أصواتهم ووجوههم وصداقاتهم القديمة. وفي كل مقطع ينشره، شيء من وفاء الصديق الذي يأبى أن يترك الغياب يستأثر بمن أحب. ويمتد هذا الوفاء إلى أصدقائه المبدعين، شعراء وقاصين وروائيين، في حياتهم وبعد رحيلهم، وإلى استذكار أعلام أدبيين مثل إبراهيم الناصر الحميدان وحسين علي حسين وأنور آل خليل، والترحم عليهم بين حين وآخر. فكأن الدويحي قد جعل من ذاكرته مجلسًا أدبيًا لا يُغلق بابه، ولا تُطوى فيه أسماء الغائبين. وهو، إلى جانب ذلك، حكم أدبي وفاحص سردي عتيد، يراقب المشهد القصصي والروائي السعودي بعين الخبير، ويتابع نتاج الأقلام الجديدة باهتمام المعلم الذي يرصد نبوغ تلاميذه، ويتأمل مواطن تفوق هذا الكاتب أو ذاك في جوانب الكتابة الأدبية. وفي متابعته تلك ما يكشف عن صلة عميقة بالمشهد الثقافي، لا تنحصر في إنتاجه الشخصي، بل تمتد إلى الاحتفاء بإنتاج الآخرين. ومن هنا يبدو نبل الدويحي أبعد من مجرد خصلة شخصية محمودة؛ إنه موقف من الإنسان والكتابة والذاكرة. فالأديب النبيل ليس من يحسن الكتابة عن البشر فحسب، بل من يحسن الاحتفاظ بهم في قلبه، ومن يرى في نجاح الآخرين امتدادًا لفرحته بالأدب، وفي ذكرى الراحلين مسؤولية لا تسقط بالتقادم. كل هذه السمات في شخصية أحمد الدويحي، السارد الرائد والإنسان الوفي، تجعلنا ننعتُه بالكاتب النبيل؛ فالنبل ليس وصفًا طارئًا على شخصه، ولا زينة نعلّقها على تجربته الأدبية، بل سمة متأصلة في علاقته بأصدقائه، وفي صلته بالأرض، وفي كتابته السردية. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال فيه إن بعض الكتّاب يتركون كتبًا نتذكرهم بها، أما الدويحي فيترك، إلى جانب كتبه، قلوبًا تتذكره، وأصدقاء يجدون في سيرته ما يستحق أن يُروى.