العـم الســـارد!

عندما زرت الباحة مؤخرا مررت على قرية العسلة، وقلت: هذه ديرة الدويحي، صورت البيوت والحصون، ثم بعثت له الصورة، ورد عليّ وهو سادر في العاصمة: قريتنا العظيمة. أبو إياد أعرفه وأنا لا زالت أنظر بفضول الأطفال للصحف، ثم تابعته وهو يكتب في ملحق الجزيرة، وقرأت رواياته البديعة، المكتوب مرة أخرى، ومدن الدخان، ووحي الآخرة، وغيوم امرأة استثنائية، وآخر رواية له استمتعت بقراءتها “بائعة الشاهي” يتنقل فيها الدويحي بين حدائق السرد، من اللغة العالية الرفيعة، إلى اللغة السردية البسيطة، من التقليدية، إلى التجريب، إلى تيار الوعي، إلى اليومي، تجربة ضربت بأطنابها في الأصالة، وكشفت مواطن الجديدة في عالم السرد. لا شك أن هذه التجربة التي امدت لسبعة عقود، تجربة ثرية ومؤثرة، يدل على ذلك هذا الحضور المدهش والمشرئب دوما نحو الجمال، والاحتفاء الدائم بالكتابة، وتقديم الأقلام الواعدة، ولا أنسى هنا أنه من أوائل من تحدث عن تجربتي الروائية في حينها، عبر زاويته في ملحق الجزيرة الثقافي. ثم عرفته كاتبا محبا للحياة، ألمس هذا من خلال صوته عندما أقابله، أو أتصل عليه بعد كل حين، حتى وهو على سرير المرض، يكون متفائلا، ومبتهجا، ويواجهك محبا، ويصارحك معاتبا، لا ينسى المواقف النبيلة، ويؤلمه الخذلان، ويجيد استيعاب أحزانه، يتفقد أحبابه، ويرحب بالضيوف في بيته العامر. أتذكر مرة أننا اختلفنا على شيء، صدقا لم أعد أتذكره، وأتذكر أني أغضته كثيرا، فحدث ما يشبه القطيعة، لكني بمجرد أن عرفت أن عارضا صحيا ألم به، ذهبت إلى زيارته في الرياض وكنت ملثما مع مجموعة من الأصدقاء، عبدالرحمن عايل، والحسين الحازمي، وما إن رفعت الشماغ عن وجهي، حتى أحاطني بالأحضان والقبل، وأتذكر أننا جلسنا في مجلسه العامر نتحدث عن الأدب، والثقافة، والأفراح والأحزان، والمرض، والفقد، والحب الذي هو دائم الحديث عنه. وكما أن العم أحمد من رسل الحب الكبار، فهو مقاتل صلد في وجه المرض، يقاوم ببسالة، ويسخر ويتعامل معه بصدر واسع، وقلب كبير مثل الترس، وخبرة تؤهله في كثير من الأحيان لهدنة مع الأشياء المصيرية والقاسية، شريطة أن يبقى كل أحد في مكانه، رغم نظراتهم المتربصة الدائمة نحو بعضهم البعض. كما يحسب لأبي إياد محبته لأصدقائه، فهو دائم التذكر لهم والحديث عنهم، إبراهيم الناصر الحميدان، ومحمد الثبيتي، وعبدالله باهيثم، وغرم الله الصقاعي، رحمهم الله وهذا دليل نبل ومروءة يقل أن نجدها في هذا الزمن العجيب، وكما أنه شديد التذكر للراحلين، فإنه دائم التفقد للأصدقاء، ففي كل مكالمة يسألني عن الأصدقاء المشتركين واحدا، واحدا، حتى أولئك الذين قرروا الغياب فجأة دون حتى تلويحة وداع. إن حضور العم أحمد الدويحي في حياتي -رغم تقصيري الكبير معه- من أكثر الأشياء التي أعتز بها، سواء حضوره ككاتب أو إنسان، ومنحني المزيد من الحب، والبهجة، والرغبة في مواصلة الكتابة، وخوض تجارب الحياة بمتعة وإصرار شديدين. وما هذه الكتابة في مجلتنا النبيلة إلا قبلة امتنان، وحب، ووفاء لأستاذنا الكبير والحبيب أحمد الدويحي، حفظه الله وأطال المولى في عمره. في النهاية أجد من الواجب أن أشكر أستاذنا الجميل والأنيق والحبيب عبدالعزيز الخزام على هذا الجمال والوفاء الذي يبعثه في العالم منذ عقود طويلة، عبر الصفحات والملاحق، وعبر مجلتنا العزيزة اليمامة، أشكره لأنه يهزنا ويذكرنا أحيانا كي نعبر عن حبنا، ومواقفنا، وآراءنا، وما ندعيه من معرفة، وليفسح لنا بعد ذلك هذا البياض الشاسع لنقول ما نريد، نشكره ونقول له أننا نحبه أيضا. *روائي سعودي