من طهارة الجسد إلى تطهير الذاكرة

حرصت أغلب الثقافات على تهذيب الإنسان من نوازع الغريزة بحثا عن السمو الروحي، فكان انتهاك الجسد استناداً إلى تفسيرات دينية وشعبية، حيث تتحول النذور من عبادة إلى مقايضة مع الله وجهل مركب. ويبدو عالم الأغاوات في رواية (إهانة غير ضرورية) لإياد عبد الرحمن، ممثلاً لتلك الحالة التي يغدو فيها النقص الجسدي شرط اكتمال يؤهل صاحبه لأعمال يقصر عنها غيره. المؤلم في تلك الحالة أن الإنسان يقع ضحية أوهام ثقافية، تسلب منه ماء الحياة بفعل (الإخصاء) إلى الأبد، فقد أصبحت الشخصية الرئيسة (آدام) في درجة صفرية من المعنى، يحيل اسمها على أي إنسان (بني آدم)، وبلا هوية أو امتداد وجودي يمكن أن يحققه فعل (الإنجاب). ونتيجة لتلك الحالة غير السوية وذلك التشويه المعنوي؛ تتجاذب (آدم) ثنائية (المقدس والمدنس)، فتتبدل الضمائر في الرواية، للدلالة على الشخصية نفسها، بين غائب ومتكلم ومخاطب، وتتشظى الشخصية فاقدة لهويتها. “يكتشف الرجل وقوفه عاريا في مواجهة مرآة... ينتصب للمرة الألف، أره يراني، كلانا يتأمل الآخر”. فالانتهاك الجسدي أفضى الى تشويه نفسي، واختلال في معنى الحب كقيمة إنسانية لا يمكن أن تستقيم في حالة (آدم)، وهو ما تجلى في علاقته مع (مريم وراجح). ليست مأساة آدام بين (الطهارة والدنس)، بل كذلك حكاية شيخ الأغوات (إسماعيل) الذي يُكتشف حمل المرأة المقترن بها لغرض الخدمة والرعاية، فتبدأ رحلة النفي والمطارة من جماعة الأغوات، ويجد آدم نفسه متعاطفاً معه، فيمضي برفقته في رحلة البحث عن امتداده الوجودي (الابن والزوجة). وبذلك تقدم الرواية مفارقة وجودية، حين يصبح فعل الحياة (الحمل والولادة) سبباً للموت المعنوي (النفي والإقصاء). يعكس السرد بضمير المتكلم محاولة الشخصية استعادة هويتها المفقودة، في سرد تذكري لتجربة الانتهاك والألم، وصرخة في وجه كل إهانة يتعرض لها الإنسان، فالسرد فعل وجود ومحاولة للتطهر والاستشفاء بدلاً عن أوهام الطهارة الجسدية. “أذكر هذه التفاصيل بوضوح كما لو أنها حدثت مساء البارحة، وكما لو أنني لست الآن في أواخر الستين”. وبما إن الرواية ردة فعل إزاء المسكوت عنه فقد حرص الراوي على استحضار المروي له وتوريطه في المغامرة السردية، والمشاركة في المسؤولية عن تلك الجريمة منذ أول سطر في الرواية، وفي بدايات بعض فصول الرواية، إمعاناً في تعميق تلك المأساة، “حسناً وقبل أن نبدأ دعونا نفترض جدلا أن جميع قصص حياتنا تبدأ على هذا النحو...”. لقد انعكس ذلك التشويه الجسدي والنفسي في انتهاك مستمر لحركة السرد، بين حاضر الشخصية وماضيها، سواء القريب منه أو البعيد، من خلال فعل (التذكر)، “من سيمحو من ذاكرتك صورة جبين القابلة الذي ينضح بالعرق”. حيث تتقاطع في الرواية حكاية الماضي مع حاضر الشخصية التي توشك على الغرق، بعد أن يستعيد الماء (ذاكرته) في أحياء جدة (2009) التي شوهها الناس بالاعتداء، فيتوازى (الانحباس/ الإخصاء) الذي حدث لماء الحياة، عند (أدم) مع انحباس الماء في المكان (جدة) بسبب اعتداء الناس عليه، ويصبح تدفق الماء أساس حياة وفعل وجود ورمز طهارة أزلي. *جامعة أم القرى