ما الضروري وما الفائض في إهانة الإنسان؟

يمكنني الزعم أن “إهانة غير ضرورية” ليست روايةً عن الأغوات فحسب؛ بل إنها نص روائي سعودي فريد، ينتسب بوعي إلى مجال أدبي شائع لم نكتبه نحن من قبل بهذه الصورة، وهو (سردية العبودية)، وعلى بحرٍ أحمرَ لا محيطٍ أطلسي! ذلك السنبوك الذي كان يُستخدم سابقا لنقل العبيد إلى السفن الكبيرة” يصارع الآن أهوال المسافة بين ميناء عصَب وسواحل اليمن حاملًا بين ركابه طفلًا حبشيًا في عمر التاسعة، في رحلة طوعيّة تبتغي القربى من الله. تحيط بالنص عتبتان تشكّلان ميثاق قراءة يقع في بداية النص ونهايته؛ العتبة الأولى تنص – في مطلع الكتاب- على فتوى صدرت في نهاية السبعينيات الميلادية بإلغاء نظام الأغوات في الحرمين الشريفين، وتأتي الثانية بعد نهاية الرواية بفقرة قصيرة للكاتبة الأمريكية الأفريقية مايا أنجلو تقول: “إن كان خوض الحياة كشخص أسود أمرًا مؤلمًا وصعبًا جدًّا، فإن معرفة أن هذا الدور لا يليق بك هو شعور أشبه بشفرة صغيرة وصدئة تجزّ عنقك ببطء، إنها فقط إهانة غير ضرورية!”، وبين نص الفتوى ونص الشفرة يقع النص الروائي كله! ينشئ إياد عبد الرحمن سردية موازية – وربما مقلوبة- لسردية الأطلسي الأسود التي رسمت ملامح الحيّز المائي الذي تبلورت فيه ثقافةٌ سوداء عابرة للقارات من أحشاء العبور الإجباري، حيث يمتد البحر الأحمر هذه المرة فضاءً شرقيًا لعبور الأجساد السوداء باتجاه الأماكن المقدسة، مستعيرةً أدبيات سردية العبودية المتواترة منذ “سيرة حياة فريدريك دوغلاس، عبد أمريكي بقلمه) عام 1845م، مع أوجه اختلاف كثيرة؛ فالانتزاع من الوطن الأصلي وقع على بطل الرواية (آدم) من قِبل أمّه التي نذرته لخدمة بيت الله، وليس على يد تاجر الرقيق، والعبور البحري القاتل في سنبوك يركبه الجميع طواعية لا قسرا، والجسد المستباح يُفحص أكثر من مرة؛ رجلٌ غريب يقلّب ذلك الشيء بإصبعه، وقاطع الطريق يحشر يده في تلك المنطقة، وشيخ الأغوات يجرّد الفتى من ثيابه أمام لجنة الاختبار. ويأتي التناص في ذروته عندما يتحرر آدم بالمعرفة والتعلم على يد الناظر الصوفي في مكة؛ الذي علمه الشعر والمجاز، فيتحول آدم من أغا أمّيّ إلى شاب متعلم، ويكتسب اللغة والثقافة التي تمكّنه بعد سنوات طويلة من رواية قصته. وكأن قصة آدم في بعض وجوهها إجابة سردية متقنة على سؤال غياتري سبيفاك الشهير: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ نعم؛ إذا اكتسب اللغة ممن حرروه بها، لا ممن استعبدوه بها، وهذه إحدى أهم عناصر قوة الرواية؛ إذ أسندت ضمير السرد إلى المتكلم، يحكي قصته، ويروي التاريخ من وجهة نظر الآخر المخصيّ، والتابع المُهمَّش. يخوض (آدم) في رحلته من الحبشة إلى اليمن إلى مكة فالمدينة فجدة مسار حجّ تامًا، لكنه حجٌّ ما اختاره آدم، حج جبريّ لا اختياريّ، دائم لا مؤقت، يزداد صاحبه بعدًا عن الله كلما ازداد قربه من بيته! فالمقدّس في هذه الرواية وجهةٌ لا بلوغ، والأماكن المتعاقبة ليست محطات على الطريق بل فضاءات خسائر؛ إذ فقَد أمه وذكورته في عصب، وخسر طفولته في الحديدة، وفقد اسمه في المدينة وصار مجرد (أغا) وخسر أول حب له (مريم) في مكة، وأخيرًا خسر كل شيء في جدة، حتى حياته! يتكئ النص على مفهوم القربان المقلوب؛ أمٌّ مدقعة ترى في المنام أن ابنها ولد مبارك، فتنتزع ذكورته ثم تجرّه إلى ربها مثل كبش فداء، بيقين قارّ أنها تحاكي نبيا جرّ ابنه إلى صخرة النحر، وتردد هاتفةً على طول الطريق “كل هذا لأجلك يا الله”، ومذ ذاك يقع الإخصاء بمثابة طقس عبور عكسي، يحبس الصبيّ على عتبات الأشياء والأحوال إلى الأبد، خادمًا للمقدس محرومًا من أنعُمه، ذكرًا دون ذكورة، وحبشيًا انتُزع من قريته، وسعوديًا لم تتقبله المدينة، وجسدًا -هو الوثيقة الكبرى في الرواية- تَـكتب عليه السلطة نصوصَها قسرًا بحسب تعبير ميشيل فوكو. وعلى طريقة شهرزاد؛ يؤجِل الحكي الموتَ غرقًا في الحمام تسعة عشر فصلًا! إذ قام السرد مقام العضو البديل؛ فمنذ مطلع الرواية نجد الراوي المحتضر تحت ركام حمّامه المتهدّم - بفعل الأمطار التي تحولت سيولًا- غير مكتفٍ باسترجاع الوقائع من خزان ذاكرته فقط، بل أفسح للخيال مساحة صريحة كشفت عنها أفعال مثل “أتخيل، لعلّ، من المرجح...” إنه يروي قصصا لم يشهدها، يخترع له زوجة لم يرها، يستحضر أمه الغائبة وينسج لها عودة وعتاباً وضربًا بسعف النخل، وكأننا بالإنسان الذي حُرِم من التزاوج والإنجاب يَلِدُ القصص! وبهذه الوظيفة العضوية لا التزيينية للتخييل ينجرف السرد راجعًا إلى مشاهد قديمة في حياة العجوز الأغا العجوز المحتضر المحصور تحت الركام، مشهد السكين يجز عضوه، تظاهُره بالنوم كلما اقترب منه أحد، ورسم خطة مغادرة لكل من يحبه قبل أن يحبه “لم يصدف أن التقيت شخصًا إلا وقد رسمت لأجله خطة محكمة يغادرني بها”. إنها تداعيات جرح لا يندمل، يظلّ قرينًا مصاحبًا لآخر لحظات الحياة. يلفت النظر في الرواية شبكة أسماء الشخصيات ودلالاتها الرمزية الظاهرة “كيف لشخص مخصيّ (آدم) أن يحمل اسم الرجل الذي أنجب الحياة بأسرها”، وكذلك حواء التي لا يقضي معها أكثر من ليلة وحيدة، إشارةً لحياة لن تكتمل، ومريم الحب العذري الممتنع، وإسماعيل الذبيح الذي نجا من الذبح صغيرًا لتذبحه المنظومة كهلًا... وغير ذلك من الأسماء المحيلة. يتدثر السرد في معظم مقاطعه بنبرة غير شائعة في السرد العربي؛ تتمثل في حس الفكاهة السوداء لواذًا واعتصامًا لا زخرفًا لغويًا، فالعجوز الأجرد تحت الركام يفكّر -موشكًا على الغرق- بتلَف سجادته التبريزية! وأمام المرآة “أراه، يراني، كلانا يتأمل الآخر” يبلغ النص واحدة من ذرى التكثيف الدلالي، جسدٌ يشيخ أمام انعكاسه ويفرك فراغًا ظل ستين عامًا يحلم بأن ينبُت. سؤال مركزي عريض يتمدد على جسد هذا العمل الروائي المميز، ما الضروريّ وما الزائدُ في إهانة البشر؟ ومن يملك حق التمييز أو التصنيف؟ تتناسل أسئلة الأعراق والتفاوت الاجتماعي، الجسد والخصاء والهوية والتأمل في المصائر والمآلات، بين القدرة على الاختيار والخضوع للأقدار، جرأة على اقتحام المقدس ومساءلته والهُزء به أحيانا، وجرأة في تسريد الجسد وعلاقاته وشذوذه أحيانا أخرى، في سرد مؤلم مضحك، ساخرٍ باكٍ. حضرت الهوية الاجتماعية بتفاصيل مميزة منسابة في تضاعيف الحكاية، تشير إلى الحقبة الزمنية والفضاء المكاني وتضع القارئ في عمقها، في سرد متماسك وانتقالات سلسلة وتعامل ذكي مع الزمن، لكنّ وتر السرد ارتخى بوضوح في الثلث الثاني من الرواية، وأصبح الإيقاع بطيئا يدور في متوالية مكرورة؛ عندما اتجهت العدسة لرصد رحلة البحث عن زوجة الشيخ، وتوسعت في تفاصيل كانت في غنى عنها. كما أن المصادفة (وهي مستنكرة في الأدب معقولة وواردة في الحياة) بدَت حبل نجاة لاذ به السارد لحلّ بعض تعقيدات السرد، فجاءت خارجة عن منطق الأحداث، كما في الاكتشاف المفاجئ أن للشيخ إسماعيل توأمًا سليما خاض الكشف الجسدي مرة عنه ومرة عن أخيه، وهو تسويغ لمفصل أساس من مفاصل الرواية، كان الأجدر ألا تكون المصادفة هي ذريعة تذويبه. وكذلك في لقاء محسون في جدة بعد غيبة طويلة. وحتى لا أطيل؛ فإنني أزعم أيضًا أن إياد عبد الرحمن قدّم عملًا محكمًا ممتعًا غنيًا وناضجًا.