ثرثرة فوق النيل..

سيرة الهروب من الواقع.

حين صدرت رواية “ثرثرة فوق النيل” 1966 تعرض الأديب “نجيب محفوظ” لغضب من مجلس قيادة الثورة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. القصة تحكي أفكار المثقفين وواقعهم، وتعطي لنا نماذج لأيدولوجياتهم التي عاشوها ردحًا من الزمن، وهي جامعة بين النقد السلبي والإيجابي، بين محاولة ترميم حالتهم التي تهدمت وإظهار سلطتهم التي يتمتعون بها. في عام 1971 كتب محمود الليثي سيناريو الفيلم وتضمين هزيمة حرب 1967. إذ اجتمع عدد من الشخصيات من المجتمع يحاولون الهروب من الواقع اليومي البائس الذي يحيط بهم، يجتمعون بشكل دوري في عوامة مطلة على نهر النيل من أجل التعاطي واللهو، من بينهم الموظف بوزارة الصحة المحبط أنيس زكي (عماد حمدي)، الغائب عن الوعي بفعل الحشيش، كان يقضي وقته في غرزة المعلم أبو سريع (محمود كامل) على النيل، قابل رجب القاضي (أحمد رمزي) الممثل الجميل الجذاب الذي كان جاره في المنيرة منذ 20 عامًا، الذي اصطحبه إلى مملكته الخاصة وهي عوامته المطلة على النيل وعرفه بأعضاء المملكة؛ قائد الجيوش ومارشال المملكة رع الأول خالد عزوز (صلاح نظمي) وهو كاتب قصص فاقد العقيدة ومنحل. وإمبراطور المملكة الناقد الفني علي السيد (عادل أدهم) أفّاق لا يكتب إذا لم يقبض. وزير العدل المحامي مصطفى راشد (أحمد توفيق) ذو مظهر براق للثقافة، أجوف، لا يقدم ولا يؤخر. عندما تكتشف “الشلة” أن أنيس بارع في “الشيشة” وبحوزته قطعة من الحشيش الممتاز، عينوه وزيرًا لشئون الكيف. جاء رجب إلى العوامة بآخر ضحاياه، الزوجة الخائنة لزوجها الخائن، سنية ألماظية (نعمة مختار) التي تبحث عن سبب لتخون به زوجها، وسلمها إلى علي السيد يدًا بيد، ليبحث عن غيرها. وكانت ضالته ليلى زيدان (سهير رمزي) المترجمة بشركة بترول مقابل 17 جنيه شهريًا، وتصرف على أخوتها الثمانية وأمها (قدرية كامل) باستغلال عشاقها، وقد سلمها إلى خالد عزوز. أثناء أداء رجب لفيلمه الأخير “الطشت قالي” قابل بعض المعجبات، انتقى منهن سناء (ميرفت أمين) الطالبة بكلية الآداب، وتعتبر من الجيل الضائع، بلا ثقافة، ولا تربية، حيث طلبت منه أن يعلمها التمثيل، فاصطحبها إلى منزله، ولما اعتذرت له بأنها مازالت بكرًا، اصطحبها إلى العوامة. كان أنيس يراقب كل ما يحدث في صمت، متفرغًا للشيشة. اصطحب رجب كل أعضاء العوامة في سيارته إحتفالًا بعيد الهجرة بمنطقة سقارة، وفي طريق العودة حصل حادث اصطدام، صدم رجب فلاحة (زيزي فريد) فماتت، وهربوا متناسين ما حدث، واستمروا في اللامبالاة. سمارة (ماجدة الخطيب) صحافية شابة كتبت مقالًا عن إسفاف رجب القاضي وسلمته لرئيسها علي السيد الذي نصحها بمعرفة رجب عن قرب، واصطحبها إلى العوامة. قررت سمارة كتابة تحقيق عن الذين يهربون من الواقع ليعيشوا في الخيال باستخدام المخدرات، وكررت زيارتها إلى العوامة واهتم بها رجب لتكون ضحيته الجديدة، وخافت منها سناء فسلمت نفسها لرجب. سقطت النوتة “الدفتر” الصحفية الخاصة بسمارة، والتقطها أنيس، وقرأ ما فيها وقال للجميع رأي سمارة فيهم، وكان رأيها في أنيس أنه نصف مجنون ونصف ميت. عرضت سمارة على الجميع زيارة الجبهة وجنودها البواسل، فذهب معها أنيس وشاهد الدمار الذي لحق بمدن القناة، وفاق وندم على غيبوبته، وتذكر البنت الفلّاحة التي ماتت، وعندما عاد إلى العوامة حاول ومعه سمارة أن يحث الجميع على أيقاظ ضمائرهم، وقال لهم: “الفلّاحة ماتت ولازم نسلم نفسنا”. ورقص  الجميع وطردوا أنيس الذي خرج ومعه سمارة، وقام عبده (أحمد الجزيري) حارس العوامة بفك سلاسلها لتنطلق في النيل بمن فيها، وهم لاهين، وأخذ أنيس يصيح: “فوقوا.. فوقوا”. كتب السيناريو محمود الليثي، وأخرج العمل حسين كمال، تُعد من أبرز الأعمال التي تعرّت فيها النخبة أمام المرايا الصامتة، في لحظة تاريخية كانت تمور بالتناقضات والانهيارات. تفوّق الرواية والفيلم في جذب الانتباه النقدي والجماهيري يعود إلى بنائهما الرمزي العميق، دون التخلي عن سلاسة السرد. نجيب محفوظ صاغ شخصياته بعناية؛ “أنيس” يحمل خيبة المثقف المتردد، و”سمارة” تمثل صوتًا يقظًا وسط بحر من الغيبوبة، أما بقية الشخصيات فهي نتف من مجتمع يُحب التبرير أكثر من الفعل. هذا البناء جعل العمل يحمل أبعادًا سياسية واجتماعية دون أن يغرق في المباشرة. المخرج حسين كمال صاغ المشهد في فضاء مغلق، شديد الرتابة، كأن العوامة جزيرة معلّقة خارج الزمن. الإضاءة كانت باهتة متعمدة، الموسيقى خافتة، والأداء التمثيلي يشيء بانطفاء داخلي. جمهور ما بعد 1967 وجد نفسه أمام مرآة مؤلمة. الأحداث التي عاشها لم تكن غريبة عن عالم الرواية والفيلم، إنما متصلة بها بخيوط خفية. الانهيار يبدأ من التراكمات النفسية والفكرية. ما زال ذلك العمل قادرًا على فضح العوامات الجديدة، التي تغيّرت أسماؤها، لكنها ما زالت تسبح فوق نهر من التبريرات.