ظل الكتابة الأبيض..

حين سألتني أمي ذات مرة: لماذا يبرز الموت في عناوينك؟

ثمة أشياء تختلج في النفس ولا تهدأ؛ قد تغفو أعوامًا، لكنها لا تموت؛ تنتظر شكلها فقط، وربما لهذا تظهر يومًا في هيئة نص سردي، أو قصيدة، أو لحن، أو لوحة؛ فكأن ما نعجز عن قوله يبحث لنفسه عن لغة أخرى يتخلّق فيها ويلبسها، وفي الكتابة؛ تلك الحرفة التي أحب وأمتهن، أرى وجهًا آخر لها ألا وهو الاعتراف؛ إنها تقودنا إلى التعبير عما نعجز عن قوله ونحن صامتون، وتمنح الأشياء التي تعجز عن الكلام فرصة لأن تجد صوتًا. وفي القصّ، يحضر سؤالان لا يكادان يغيبان عن الكاتب: ماذا كتبت؟ ولمن؟ أما السؤال الذي يربكه حقًا فيظل واقفًا في مكان آخر: لماذا كتبت؟ فهل نكتب لأن شيئًا فينا يحتاج إلى أن يلتئم، أو يُرمَّم، أو يُعاد تلوينه؟ هل نكتب ماضيًا نود استرجاعه، أو حياة لم نعشها كما أردنا؟ ولماذا لا نكتفي بالواقع وما نعيشه، لماذا نبحث عن اختراع حكاية جديدة؟ وهل ستكون جديدة فعلًا، أم أنها تحمل شيئًا منّا بطريقة لا نراها. قال ماريو يوسا ذات لقاء “إن نقطة الانطلاق لتطوير الخيال تكون دائمًا في الذكريات الشخصية”، ولعل هذه الفكرة تفتح بابًا آخر: حين يحاول الكاتب أن يبتعد عن حياته وتفاصيلها ورؤاه ورغباته، يترك في نصه، رغمًا عنه، شيئًا منه؛ قد يكون واضحًا، وقد يكون متشظيًا أو مطموسًا، لكنه يبقى هناك، كظل يتماهى بين السطور، وربما لا يراه أحد، لكن يكفي أن يعرف الكاتب من أين نبت. فشخصياتنا حقيقية، نعم؛ لكنها متخيَّلة؛ موجودة، نعم؛ لكنها مصنوعة؛ وقد لا يكون ذلك خيانة للذاكرة، بل إحدى طرق إنقاذها من النسيان، فنحن لا نستعيد ما حدث كما حدث، وإنما نستعيد ما بقي منه في حواسنا ومشاعرنا وردود أفعالنا؛ ولهذا ربما لا تكون الذاكرة سجلًا للماضي بقدر ما تكون صورته الأخيرة في وعينا. حين أهديت روايتي «نعش حي» إلى الصديق الصحفي والأديب الدكتور علي الرباعي، بادرني بعد يومين بسؤال لم أتوقعه: لماذا الأرجنتين؟ لم يسألني عن طقوس الكتابة، ولا عن العنوان، ولا عن الوقت الذي استغرقته الرواية؛ ذهب مباشرة إلى المكان، كأنه يشك بأن وراء الجغرافيا شيئًا آخر؛ ثم أردف سريعًا: هل هناك رسالة تريد إيصالها بشكل غير مباشر؟ لم أعرف حقيقة إجابة السؤال، لكنه بقي عالقًا معي، وفي البيت كانت هناك أسئلة أخرى، أكثر قربًا وأشد بساطة؛ قالت أمي ذات مرة: لماذا يبرز الموت في عناوينك؟ روايتك الأولى والأخيرة حملتا النبرة نفسها، وتقول زوجتي دائمًا: تلك اللمحة القاتمة في عناوينك مزعجة؛ تفاءل. عدت بعدها أتأمل: لماذا الموت؟ ولماذا الأرجنتين؟ ولماذا اخترت عالمًا بعيدًا عني إلى هذا الحد، بينما أعيش حياتي بهدوء وراحة وحب؟ فاسترجعت وأنا الذي لم أنسى؛ حين فقدت أختي وهي في دون السابعة أمام عيني في حادث سير، قبل سنوات بعيدة، كان يمكن للمشهد أن يتحول كما تتحول معظم الذكريات إلى صورة قديمة في زاوية بعيدة من الذاكرة، لكنه لم يفعل؛ يعود دائمًا برمّته، بأصواته ووقته ورائحة الشارع، بتطاير جسدها، وهبوطها، والتفاف الناس، وتيهان أبي؛ يعود لا كذكرى فقط، بل كشيء يكاد يحدث مرة أخرى، ومع مرور السنوات انتقلت ذاكرتي، دون أن أشعر من مجرد عدم النسيان إلى شيء يشبه فرط التذكر. لكن «نعش حي» لم تأتِ لتعيد ذلك المشهد، ولم تكن محاولة لكتابته في صورة أخرى، الرواية ليست سيرتي، وبطلها ليس أنا، وعالمها ليس عالمي، لقد أخذ الخيال ذلك الجذر، ثم ابتعد به بعيدًا؛ إلى الأرجنتين، إلى شخص آخر، وإلى حياة لم أعشها. وهنا تكمن المفارقة التي أبحث عنها في الكتابة: قد يكون النص شديد الصلة بنا كلما بدا أبعد عنا، أخذت الرواية شيئًا من داخلي، ثم منحته حياة لا تشبه حياتي، وهكذا يعمل الخيال؛ لا يمحو الحقيقة، بل يغيّر مكانها، ولا يكرر الذاكرة، بل يمنحها جسدًا آخر، وربما تكون هذه إحدى المتع الكبرى في الكتابة: أن تأخذ شيئًا من حياتك، ثم تتركه يعيش في حياة أخرى حتى لا يعود ملكًا لك وحدك. ولهذا لا أملك إجابة مكتملة عن سؤال الرباعي: لماذا الأرجنتين؟ وربما لو امتلكتها لما كتبت؛ وأتذكر هنا قول خوان غويتيسولو: «لو كنت أعرف لماذا أكتب، لما كتبت»، وعني فأنا أحب هذه الجملة لأنها تترك للكتابة شيئًا من غموضها الضروري؛ فلو عرف الكاتب منذ البداية لماذا جاءت الحكاية، ولماذا اختارت هذا المكان، ولماذا اختارت هذه الشخصية، وماذا تريد أن تقول، لتحولت الكتابة إلى تنفيذ فكرة، لا إلى اكتشاف؛ تقرير، لا قصة. وعلى مستوى السرد أنا أحب تخطيط القصة قبل أن أبدأ بسردها، لكن التخطيط ذاك لا يمنحني سوى خريطة ناقصة، يشبه أن أقف على تلة صغيرة، فلا أرى إلا رؤوس الجبال وأعناق الأشجار؛ يجذبني المشهد فأكمل تطفلي، وأتجاوز التلة، لتفاجئني الأرض بحدائقها وجمالها، وربما بمواتها وسوادها وعوالمها المخبوءة، أعرف الطريق، لكنني لا أعرف كل ما سأجده فيه؛ وربما لو عرفته لما كان ثمة معنى للرحلة. وربما لهذا أتمنى أحيانًا لو أنسى كل ما كتبت؛ أن أفرغ ذاكرتي المملوءة بالحكايات، وأن أخفف حملها، لكنني بدأت أفهم أن الكتابة ليست دائمًا محاولة لاستعادة الماضي أو تخليده توثيقيًا؛ قد تكون محاولة لوضع مسافة بيننا وبينه، مسافة نستطيع من خلالها أن ننظر إلى ما حدث دون أن يثقلنا. وقد تكون الكتابة إحدى طرق مغادرة الأشياء دون إنكارها؛ أن نمنح ما يؤلمنا شكلًا آخر، ثم نتركه يعيش خارجنا، ولهذا حين أسأل نفسي الآن: لماذا كتبت «نعش حي»؟ لا أملك إجابة نهائية، أعرف فقط أنها لم تكن حكاية أردت أن أرويها بقدر ما كانت شيئًا أردت أن أتخفف منه، خرجت من الذاكرة كشكل ولكنها بقيت كمعنى؛ أخذت شيئًا من حياتي، ثم مضت به بعيدًا حتى صار حياة أخرى، وشخصًا آخر، وبلادًا أخرى؛ مثل بذرة شجرة محلية، لكنها نبتت في موطن آخر. ولعل هذا هو سحر الكتابة كله: أن تأخذ شيئًا منك، ثم تمنحه حياة لا تشبهك تمامًا؛ بعيدًا بما يكفي لكي تراه، وقريبًا بما يكفي لكي تعرف أنه كان منك.