ذات المثقف السائلة.

يقول زيجمونت باومان “إن الحياة السائلة حلقة متواصلة من مراقبة الذات، ونقد الذات، وتوبيخ الذات، إنما تتغذى على سخط النفس على حالها”. في وصف المثقف، تبدو الذات حاضرة والتعريف غامضاً، والوصف عائماً. الكلمة اجترار لمعانٍ ذائبة سائلة، وتعريفات عابرة، غامضة ومتعالية. الكلمة برّاقة، حاملة مُتلّبسها إلى جزرٍ بعيدة. ربما نائية إن برقت ولمعت نياشين ذاتها في المحافل والصحف، وتوجته الكتب المصفوفة. لا تعريفات متوالية، ولا حتى متماهية. تتصارع كحاملي أوصافها في الكتابات والمنازلات إن صفّت لها ميادينها مساحات غاوية مُغوية. لن أسبح بعيداً في بحور النقد وأمواجه المرتدة العاتية؛ الجهابذة تتصارع وحدها بالمصطلحات، والمفردات مبضع لجراحات النصوص والمسميات إن اقتضت الكتابة تفكيكها قبل بنيويتها. ألم تتربع نظرية البنيوية والتفكيكية كرسيّها العاجي في ثمانينيات الثقافة ونصوص الشعر ومعاركها الوهمية؟ تلك سنوات الضجيج، إن صح بها الوصف المتأني بعد الخفوت وبعد سنوات من الاصطفافات والكتابات، والتباهي؛ وحتى الميزان الذي رجحت كفته بالحداثة، ومالت الأخرى بقوة وسلطة الخطاب السائد. لا بد من وجود خطابين متضادين لتفكيك السائد في الحضور. الميزان وحداثته غابا في نسيان الخطاب. فبقيت النصوص وكتّابها، شعراء ونقاد وكتّاب نصوص. ذابت بعض الكتابات في نهر النسيان، أما الزبد فذهب جفاء. تلك فترة ثريّة في الحضور الثقافي، لا يجب نكرانها، ولا التغاضي عن منجزها وحضورها حتى خارج مساحتها، ومعركتها التي استثمرت بالانتشار والتعاضد. أكتب بذاكرة حذرة في الاقتراب لما كان للثقافة وحراس هيكلها من قداسة مصطنعة يصعب التقرب منها إلا بمباركة وصدفة مطوّبة، وتوصية من حواريين وأقلام جفّت قبل أوانها. الصدف مرات تفتح أوابها نازلة من السماء. فلا تُغلقها إلا بنجاة. هذا ما أوصدتُ الباب الذي انفتح لي ساعةً، لكن الثمن أغلى من تبرٍ مدفون. حينها قال لي ساعة السحر: الخيار لك، إما أن تقبض اللحظة العابرة فتصبح أشهر كاتب. تتعاطف معه الأقلام القريبة والبعيدة. أو تأخد بنصيحتي، وتلزم الصمت والسكينة. وأظنك هكذا، لا تحب الحضور. فهذه اللحظة أمنية كتّاب كثر أعرفهم يتمنون لحظتك، لتعلو بهم نجمة تمنّوها في سماوات حروفهم. فهل توعدني وأنا أعدك؟ هذا هو ميثاق الوعد ليلتها قبل السّهاد، بيني وبين الدكتور عبد العزير السّبيل. لم أعرف الرجل بعد، ولم ألتقه إلا مرة واحدة بدعوة يتيمة تلقيتها للحضور إلى معرض الكتاب الأول في الرياض، ولا حتى أعرف أنه وكيل شؤون الثقافة أيامها. أنا البعيد عن الحضور والساخط السليط في مواقفي، المتصالح مع نفسي. أتاني صوته كحبل نجاة رُمي لي في حندس ليلة عصيبة. لم يخب ظنه بي. فمشيتُ ما سكاً بحبله حتى تباشير الصبح الذي انتظرت انجلاء ظلمته. بعدها كتبتُ نصاً أسميته: لك مالك وعليك ما عليك. النص أهديته للدكتور عبد العزيز السّبيل ونشرته في جريدة الحياة. لم أرد من هذا غير رد الجميل لتلك اليد التي رمت حبلها الناجي. ولم أعرف أن العنوان ذهب بعيداً في مفردات التفاسير. غير أني كنت أعنيها في أوصاف، وصفات مثقفي اللحظات ونجوميتها، وما دار بيننا من حديث ونصائح للعبور والوفاء بالوعد. يومها هاتفني الدكتور بتواضع وسؤال: ماذا تقصد يا حسن بعنوانك؟ تخفّفت في الاجابة بحذرٍ مُلتبس، وقلت له بوضوح: لماذا يا دكتور لا تنشر كتاباً باستجداء المثقف، ومطالبته بفتات حضور مهرجانات ومناسبات ثقافية، ورخصه؟ لو كتبتها لخُلعت الألقاب من على الرؤوس. هكذا إجابته أيقظتني عن تلك الأسماء وهي تسألني عن علاقتي بالدكتور، وأرقام هواتفه. العنوان الذي كتبته بحداثةٍ سائلة، ولم أحتفظ به؛ لكنّ درسه باقٍ، وأثر صاحبه مُشعٌ في سماوات الغياب.