قراءة في ديوان «كتاب الهذيان» للشاعر حسن عامر..
يبتهج الشاعر بما لم يستطع على سبيل المواساة لهذه الحياة.
مهجتي ضدٌّ يحاربني أنا منّي كيف أحترسُ. أبو العلاء المعرّي هذه الأرض في آخر الأمر فخٌّ طوعيٌّ وقعنا فيه. ولا يحكّ جلد هذه الحياة فيُدميها كما يفعل فنانٌ واعٍ بأساها الذي لا يُحتمل. ولنا أن نتساءل: هل الحياة هكذا؟ هل ينبغي للفنّ أن يكون هكذا؟ الحياة أكثر تعقيداً من كلّ ذلك، اختبر للحظة عقلاً عادياً في يوم عادي. يستقبل العقل كمّاً هائلاً من الانطباعات: تافهة، فانتازية، عابرة، محفورة بحدّة الفولاذ. الحياة ليست سلسلة من المصابيح المصفوفة بتناسق؛ الحياة هالة مضيئة، غلاف شبه شفاف يحيط بنا من بداية الوعي إلى نهايته. كما تقول فرجينيا وولف. يبدو الشاعر حسن عامر متفحّصاً بمرارة واقعاً لا بدّ منه، ولا مناص عنه، ويسعى في ديوانه “كتاب الهذيان” الصادر عن دار العين للنشر عام 2023 م، قبل أيّ شيءٍ إلى تأكيد وعيه بالمأزق الذي يعيشه الإنسان في هذه الحياة، يقول: حزينٌ، لأنّي تعثّرتُ بالعمر هذا الصداع الذي لن يزولا من المؤسف أننا لا نملك إلا حياة واحدة حسب ميلان كونديرا، ما الذي بأيدينا؟! ما الذي نستطيع فعله إزاء هذه الحياة، يقول حسن عامر: لا أحبّ الحياة إلا قليلاً والقليل الذي بها أفتديهِ إنها لعبةٌ كبرت عليها واختبارٌ وددتُ لو أتّقيهِ كيف نصل إلى لحظة من الزهد في تغيير العالم، ولا أقول إلى سلامٍ ما. ولكن، ما الفنّ إن لم يهجس بتغيير العالم؟! أم أنّ الرغبة في تغيير العالم هو الذي يقودنا إلى زهدٍ من نوعٍ خاص، ثمّة منفى في كلّ الأرواح التي تحمل همّ تغيير العالم. كيف للشاعر أن يشخِّص العَطَب؟!، يقول حسن عامر: قديماً تمشّى في خرائب روحهِ فلما تخطّاها إلى حزنه اهتدى وحدّق في ماء المصائر مرّةً فعذّبه المعنى وجرّحهُ الندى وأتعبه أنّ الدروب جميعها تقود إلى نفس الجهات مجدّدا هل على الفنّ أن يرفع يده؟! فلا سبيل إلى إصلاح شيءٍ، يقول قاسم حدّاد: “ثمّة تناقض يكتمل بين أشياء الحياة، تناقضٌ لا ينبغي إصلاحه”. في الحقيقة لا يحدث شيءٍ تماماً، في أغلب الأحيان يُصاب الشاعر بحالةٍ تشبه اليأس أو تكاد، الشاعر الذي يغمره الأسى إلى آخر انتباهٍ فيه. يؤكّد ذلك حسن عامر، ويقول: كمن فاض عن قلبه كلّ شيءٍ، كمن حاصرته الحياةُ فملّا سعى إثرها يوم كانت سراباً فلما تجلّت إليه تخلّى كأنّ حكايته باختصارٍ: رأى نفسه قادماً فتولّى لكنّ بعض القُرب ـ قراءةً بعد قراءةٍ ـ من تجربة حسن عامر الشعرية يجعلك تشعر أنّ هذا الأسى الذي يطغى في النصِّ كمواساة للحياة، لا يبدو إلا انعكاساً لشاعرٍ متعبٍ، متعبٍ من كل شيءٍ، وهو يُدرك تماماً هذا التعب الشخصيّ الذي يُشبهه ولا يُفارقه، يقول: متعبٌ من كل ما يجري هنا ليس لي ـ حتى على نفسي ـ جلدْ ويقول، مؤكّداً هذا الإدراك الجليّ: أنا متعبٌ والمسافة ضدّي وليس لحزني الطويل انتهاءْ وليست المسافة ضده فحسب، فيقول: أنا منذ البادية ضدّ نفسي وقد جاوزتها ألماً وصبرا بل أنّ حسن عامر لا يُخفي هذا الأسى الشخصيّ، ويعترف به، يقول: أظنّ بأني مسرفٌ في كآبتي فلا ينتهي حزني، ولا أنا دافعُهْ إنّ الشعر ـ كما نعلم ـ ليس شيئاً يمكن قوله بالضبط، فما الذي بوسع الشعر أن يفعله اتجاه هذه الحياة، وفي الأصل أين يكمُن الشعر: فيما يُقال أم فيما لا يُقال! يقول: لا تسأليني كل شيءٍ موجعٌ، حتى الكلام؟! وما خُلقتِ لتقسي ويقول: لأنّي تجرّعتُ سمّ الكلام، وعلّمني الشعر أن لا أقولا وفي تعريفٍ للذات من خلال كلامٍ لا يمكن أن يُقال، يقول: أنا فرصةٌ لا شكّ ضائعةٌ، وأنا كلامٌ صام قائلهُ لماذا علينا إذن أن نذهب إلى الشعر، ما الذي يُعوّل عليه بعد كلّ هذا الزهد في الكلام، يقول حسن عامر في نصّ بعنوان “محاولات لهندسة الفراغ”: لم أقصد الشعر أغرتني متاهته وعلّقتني على أسواره قمرا أراقب الأرض من أقصى مجرّتها وأحرس الريح كيلا تجرح الأثرا وفي شرودي يمدّ اليأس منجلهُ ويأكل الغدُ حلماً كان مدّخرا بحثتُ في الشعر عن معنى يُدثّرني خلف المجاز، فلمّا صغتهُ اندثرا وها أنا في ظلال الصمت متّكئٌ على شواطئ لم يحلم بها الشُّعرا وإذا تجاوزنا الأنا الشعرية هنا، التي تفلت من يد الشاعر ـ ربما ـ رغماً عنه، هل لا بدّ منها، لا أعلم ـ أقول وإذا تجاوزنا ذلك، نستطيع أن نلحظ يأساً من غدٍ قادمٍ، واندثار كل صياغةٍ ممكنة. ولكن ماذا عن الحبّ؟! أليس الحب أعظم مواساة لحياةٍ كهذه! في تجربة “كتاب الهذيان” تأتي عناوين القصائد التي تُقارب موضوع الحبّ دالّةً، كما في “بطيئاً دخلتُ الحبّ” وأكثر وضوحاً في “لماذا أخاف الحبّ”، يقول: لماذا أخاف الحب؟ يبدو كأنه كلامٌ يُعرّيني، وصمتٌ أصارعُه إلى أن يقول: عبرتُ نساءً لم يكافئن وحشتي ولا بأس، للقلب الوحيد منافعُهْ به أعرف الصمت الذي لا أضلّهُ وتُكشف لي أسراره ومواضعُهْ به أدخل النسيان مثل مجرّةٍ، فيا للضياع الحلو حين أطاوعُهْ في قصيدة “بطيئاً دخلتُ الحب”، يُخيّل إلى القارئ أنّ هذا الحبّ لم يحدث، لم يُفصح عنه، هناك تخوّفٌ ما، تخوّفٌ له أسبابه المتعلّقة بالأسى ذاته الذي يغمر حياة الشاعر، يقول: قريبين كنا، لو عثرتُ على فمي وقلتُ لها: أين الزمان أصابها؟! وكيف أداويها وأمسح حزنها وأحمل عنها في الليالي عذابها قريبين ما أقصى المسافة بيننا فما نحن إلا راحلان تشابها أقول وماذا لو تجرّأتُ خطوةً وقلتُ لها: إنّي أحبّ انسحابها وأشبهها في الصمت إلا عيونها لها بُحّة النايات تشكو اغترابها ولكنني ربّيتُ قلبي على الأسى؛ لهذا سأمضي كي أصون احتجابها بطيئاً دخلتُ الحبّ، أو متأخّراً على كل حالٍ أستحق عقابها ويقطع الشاعر على القارئ حيرته هل مسّ الحبُّ كل هذا الأسى أم لا؟ فيقول: “واختبرتُ الهوى، فخيّب ظنّي”! للتجربة الشعرية عند حسن عامر خصوصية ـ مع شعراء جيله في مصر ربما، ومن أهم سمات شعريتهم النزوع إلى الحنوّ على الطبيعة بكافة تفاصيلها، والاحتفاء باليوميّ والمعاش والبسيط بلغةٍ مشفقة تلفت القلب لكل قارئ لهذه التجارب، يقول حسن: أعزّي الينابيع في حزنها الأبديّ وأغري الندى أن يسيلا أهشّ العصافير عن خبز أمّي، وأسند جرّتها أن تميلا ويقول: في كل شيءٍ كنتُ أبصر صورتي في الريح، ما بين الصدى والهمسِ في النار مشتعلاً بروح فراشةٍ في الأرض مغتسلاً بضوء الشمسِ في بال أغنيةٍ تمهّد شارعاً، وترافق الأطفال حتى الدرسِ في وجه أمّي، في خطوط جبينها، في حلم كفّيها بليلة عُرسي ويكاد يتماهى في هذه الطبيعة، يقول: هكذا أعبر الحوادث حرّاً لم يُعرني الزمان ما أرتديهِ من طيور السماء أخذتُ غنائي واخترعتُ البلاد من كل تيهِ علّمتني النجوم طول شرودي وكفاني الضياع ما أقتفيهِ مثلما يولد الحنين يتيماً، أو يضيق الأسى على حامليهِ وختاماً، في ظلّ كلّ هذا الأسى، يصرخ حسن عامر لعلّ هناك من يسمع، يقول: كل ما تخشاه يا هذا، وقعْ واسأل الرمل الذي تحت الودعْ أنت جاوزتَ الأيادي مرّةً، واستبقتَ الكلّ، واخترتَ الوجعْ! لم تكن إلا مصيراً هارباً في فضاء اليأس، والخيط انقطعْ ليس في الإمكان إلا ما جرى ليس في حجر الأماني متّسعْ فاشكر الحظّ الذي أخطأتهُ وابتهج جداً بما لم تستطعْ.