رأس الخوف (1991)..

رجل مثقل بعيوبه يطارده شرٌّ متجسّد

إلى أي مدى يمكن أن تذهب لحماية عائلتك؟ وماذا عساك أن تفعل حين يعجز القانون عن حمايتك؟ هل تجد نفسك مضطرًا إلى خرقه؟ هذه هي الأسئلة التي يطرحها فيلم الإثارة النفسية «رأس الخوف» (Cape Fear)، الذي أخرجه مارتن سكورسيزي عام 1991. والفيلم تحفة في الأداء التمثيلي والإخراج، إذ يبرع سكورسيزي في تصعيد التوتر وشدّ أعصاب المشاهد، بينما يلاحق السجين السابق ماكس كايدي (روبرت دي نيرو)، بعد إطلاق سراحه، محاميه السابق سام بودِن (نيك نولتي)، وزوجته لي (جيسيكا لانغ)، وابنتهما المراهقة دانييل (جولييت لويس). تتألق في الفيلم كوكبة من النجوم، لا يخفق أيٌّ منهم في تقديم أداء استثنائي. يتماهى نيك نولتي مع شخصية البطل سام بودِن، الرجل الهادئ الطباع، الذي لا يخلو من العيوب، لكنه يظل في جوهره إنسانًا مستقيمًا، وإن كان ماضيه يخفي بعض الجوانب المظلمة. أما جيسيكا لانغ فتجسّد ببراعة شخصية الزوجة المحبة التي أثقلتها الخيبات والمرارات، فيما تقدم جولييت لويس أداءً آسرًا لدور الابنة المراهقة المتمردة، المضطربة، التي لا تزال تحتفظ، رغم كل شيء، برقتها وبراءتها. ومع ذلك، ينجح روبرت دي نيرو في خطف الأضواء بشخصية الخصم ماكس كايدي، المجرم المدان الذي يحوّل حياة الآخرين إلى جحيم، مستعينًا بمعرفته الدقيقة بدهاليز النظام القانوني، وبقدرته الماكرة على استغلال ثغراته وتطويعها لخدمة انتقامه. في بداياته، يتعمّد الفيلم إبقاء الحدود الأخلاقية بين كايدي وبودِن ملتبسة. فهو يكشف عيوب بودِن، ويترك للمشاهد مجالًا للاعتقاد بأن كايدي ربما كان بريئًا بالفعل، وأن حملته الانتقامية ضد محاميه السابق قد تنطوي على شيء من العدالة. لكن، وكما هي الحال مع الحملات الصليبية التاريخية، سرعان ما يتضح زيف القضية التي يتذرع بها كايدي، ويكشف الفيلم عن حقيقته بوصفه وحشًا كان يتخفّى خلف قناع المظلومية منذ البداية. وما يجعل شخصية كايدي مثيرة للاهتمام إلى هذا الحد هو تجسيدها لفكرة الشر المطلق. فبمجرد أن ينقشع الغموض المحيط بها، لا يبقى أمام المشاهد سوى الرعب الخالص من مفترس يتربص بعائلة بودِن، ويضيّق عليها الخناق شيئًا فشيئًا. وتستحق العلاقة بين كايدي ودانييل وقفة خاصة، إذ يبلغ الفيلم ذروة رعبه النفسي حين يستحضر أحد أعمق مخاوف الآباء والأمهات: أن يقع أبناؤهم فريسة لشخص بالغ يستغل سذاجتهم وبراءتهم. ولعل أكثر جوانب الفيلم إقلاقًا وإثارة للفزع هو ذلك التلاعب النفسي المتدرج الذي يمارسه كايدي على دانييل، مستدرجًا إياها إلى عالمه المظلم. فأن نرى مجرمًا بالغًا يغوي فتاة مراهقة، ويخوض معها أحاديث جنسية، ويقدم لها كتبًا إباحية ومخدرات، بينما يظل والداها غافلين عمّا يجري، هو أمر يبعث على قشعريرة حقيقية. وإلى جانب الأداء التمثيلي المذهل، تؤدي الموسيقى والتصوير السينمائي دورًا بالغ الأهمية في بناء التشويق وتصعيد الإحساس بالخطر. ويتجلى ذلك على نحو خاص حين تُستدرج دانييل بعيدًا عن زملائها، وتُخدع لتتوجه إلى مسرح المدرسة، معتقدة أن حصة التمثيل ستُقام هناك. لكنها ما إن تدخل حتى تكتشف أن المكان خاوٍ تمامًا، إلا من شخص واحد. ليس «رأس الخوف» فيلمًا لأصحاب القلوب الضعيفة. فعلى الرغم من أنه لا يغرق في مشاهد الدماء والأشلاء، فإنه يتضمن لحظات من العنف الوحشي والمشاهد الدموية الصادمة. وهنا لا بد من الإشادة بفريق المؤثرات العملية، الذي أبدع في تنفيذ هذه المشاهد وصناعة تفاصيلها المرعبة. والفيلم إعادة إنتاج لعمل سينمائي يحمل العنوان نفسه، صدر عام 1962. وكلا الفيلمين مقتبس من رواية «الجلادون» (The Executioners)، الصادرة عام 1952. أما المواجهة الختامية المشحونة بالتوتر، التي تدور على متن قارب في منطقة «كيب فير»، والتي استمد الفيلم منها عنوانه، فقد ابتُكرت خصيصًا للنسخة السينمائية الأولى، ولم تكن موجودة في الرواية الأصلية.