قراءة أنطولوجية لرقعة الشطرنج..

أفكار في الخيانة والتضحية.

ماذا لو استيقظ بيدق على رقعة شطرنج من سباته الخشبي بوعي يشبه وعي البشر، ليدرك فجأة أن عمره الوجودي يبدأ بخطوات على تلك الرقعة وينتهي في عتمة صندوق؟ هذا هو الكون الذي يعيش فيه مكون من أربعة وستين مربعاً وصندوق خشبي، حيث حياته ومماته.. ولا وجود ل “خارج” مادي يمكن الهرب إليه، هنا تنغلق كل مخارج النجاة المألوفة وتدرك قطعة الشطرنج أن بقاءها الفردي المنعزل مستحيل، وأن سقوط الملك يعني انتهاء اللعبة وحياة الفريق كلهم اجمعين .. لذا تتجرد فكرة “الخيانة” من بريقها الانتهازي وتصبح مجرد تعجيل أعمى نحو النهاية. وهنا، في ذروة هذا المأزق الوجودي، يبرز التساؤل الأهم: كيف لكائن حُكم عليه بمغادرة الرقعة حتماً أن يكسر قيد اللعبة؟ الجواب لا يكمن في التمرد على قوانين اللعبة التي تحكم كون اللعبة و اللاعبين، بل في التسامي فوقها في لحظة إشراق تختار فيها القطعة حتفها طوعاً في تضحية تكتيكية، لا كضحية مسلوبة الإرادة، بل كصانعة لمعنى يتجاوز المادة. أفكار في اللاجدوى الوجودية للخيانة !! الخيانة، المألوفة عند البشر، لم تكن فعلاً عبثياً، بل هي صفقة اقتصادية ووجودية تمثل أقصى درجات البراغماتية. إنها محاولة للقفز من السفينة التي يُتصور أنها تغرق إلى قارب يُعتقد أنه نجاة، أو ربما سعي لاستبدال واقع مأزوم بمكافأة مجزية سريعة. ولكي تزهر الخيانة وتكتمل أركانها، فإنها تشترط حتماً وجود “خارج”: والتي هي جغرافيا أخرى للهروب، ملاذ آمن تُخفى فيه المكاسب، وكذلك يوما آخر يمنح الخائن زمناً للتمتع بثمار انشقاقه. الخيانة، إذن، هي ترف تتيحه العوالم المفتوحة على بدائل للنجاة وغفلة عن الفناء. لكن على رقعة الشطرنج، يسقط هذا الشرط الوجودي وتتحطم معه كل الدوافع الانتهازية. الرقعة نظام مادي مغلق بإحكام، لا هوامش فيه ولا منافي يمكن اللجوء إليها في هذا الكون الشطرنجي، لا توجد مكافأة تُصرف بعد انتهاء المعركة للخونة، ولا شيء يحتضن الخائن في اليوم التالي، لأنه داخل هذا النظام المادي لا يوجد “يوم آخر”. نهاية اللعبة، المتمثلة في لحظة الـ “كش مات”، هي نهاية تطوي الزمان والمكان معاً، وتعيد المنتصر والمهزوم، الوفي والخائن، إلى الصندوق الخشبي. في ظل هذا الانغلاق المادي، تتبخر الجدوى من أي خيانة وتصبح فاقدةً معناها. إذا افترضنا أن حصاناً أو فيلاً أو حتى وزيراً انحاز للعدو طمعاً في الحماية، فإن مكافأته الوحيدة ستكون التعجيل بنهاية اللعبة، وبالتالي تسريع عودته هو ذاته إلى الصندوق. الخيانة هنا تُجرد من ذكائها الميكيافيلي المعتاد، ويُسلب من الكائن أي بديل خارجي ويُمحى وهم النجاة الفردية، فتمسي الخيانة مجرد انتحار أعمى. أفكار في التضحية: من عبثية العدم إلى وعي “اللاعب” عندما يُغلق أفق النجاة الفردية وتتأكد استحالة الخيانة، تجد القطعة الواعية نفسها وجهاً لوجه أمام معضلة البقاء المجرد. إذا كان المصير الحتمي لجميع القطع هو العودة إلى الصندوق، فإن غريزة “البقاء على قيد الحياة” تفقد دافعها؛ فالبقاء الطويل على الرقعة ليس انتصاراً على الموت، بل هو مجرد تأجيل زمني له. وإذا كان الصندوق يعني “العدم المطلق”، فإن التضحية ذاتها ستصبح بلا معنى، شأنها شأن الخيانة. لكن في قلب هذا المأزق، تبرز ومضة إشراق تعيد تعريف الوجود بأسره. تدرك قطعة الشطرنج بوعيها المحدود أن الرقعة المنغلقة ومربعاتها الأربعة والستين لا يمكن أن تكون غاية ذاتها، وأن هذا النظام الدقيق لا يعمل من تلقاء نفسه، بل تحركه “يدٌ عليا”، ذلك الذي يرى اللعبة من خارج الزمكان، محيطاً بالبداية وأهداف النهاية. فعند هذا الإدراك، يتبدل المعنى كلياً. تكتشف القطعة أن جسدها المادي ليس سوى أداة في خطة أعظم، وأن “الصندوق” الذي كانت تظنه قبراً وعدماً محضاً، ليس في الحقيقة إلا انتقالاً من مساحة الرقعة إلى قبضة “اللاعب” الذي أوجدها. التسامي كلحظة “تسليم” من هنا، لا تعود التضحية مجرد انتحار عقلاني لإنقاذ بقية القطع التي ستفنى بدورها، بل تتحول إلى فعل “تسليم” مطلق لإرادة اللاعب. حين تطيع القطعة وترفع نفسها نحو المربع الذي سيشهد فناءها المادي، فهي لا تفعل ذلك بقلب مثقل بالعدم، بل بيقين الواثق في حكمة عليا. إنها لا تستمد نشوتها من قدرتها الذاتية على تغيير مجرى اللعبة فحسب، بل من إدراكها أن موتها هو انحياز لخطة حكيمة تنظر إلى الفريق مجتمعا ،وأن خروجها من الرقعة هو عودة لمالكها الحقيقي. في تلك اللحظة الفارقة، ينعدم الخوف من المادي، وتذوب الأنا المحدودة في الإرادة المطلقة.. لترتسم على محياها الخشبي ابتسامة الرضا؛ لأنها ربما أدركت أن ربط مصيرها بغاية تتجاوز حدود الرقعة المادية، هو قهر لشعور الفناء قبل أن تلقاه. الرقعة المفتوحة على التأويل إن استعارة الشطرنج لا تمنحنا إجابات مريحة، بل تتركنا عراة أمام أسئلة وجودية تتجاوز حدود اللعبة. هل نحن كائنات نتحرك في فضاء رقعة دنيوية “مغلقة” محكومة بقوانين وضرورات؟ كما هي رقعة الشطرنج !! وإذا كانت الخيانة، ومحاولة النجاة الفردية، تتكئ دائماً على وهم وجود جغرافيا مادية خارج هذه الرقعة يمكن الهرب إليها ومن ثم تخليد مكاسب الخيانة فيها، فماذا سيحدث لنا لو اكتشفنا أن كل قوارب النجاة بالخيانة لا تطفو، وأن الصندوق ينتظر الجميع؟ في النهاية، نحن في رقعة واحدة، والفرق الوحيد بين من يخون ومن يضحي، هو إدراك الثاني أن اللعبة لا تنتهي في الصندوق، بل تنتهي بين يدي من أطلق بدايتها... ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)﴾.