مُقام ذكرى بعيدة
شأنُ الدموع غريبٌ مُذ كانت؛ فلا يستطيع الطفل حبس دموعه وبكائه كأنها فطرته، ويظن كل غيابٍ رحيلا وهو الذي لم يجرب شيئا بعد. وما يحدث بعد هذا إنْ كبر؛ ما هو إلا تشويه للبكاء وللرحيل معا، ويظل يختبرهما وحدهُ مرة بعد مرة كمن يمارس حكمته الخاصة. تقع الحكمة متأخرة خلف الألم، وبعد البكاء أحيانا، وقبل الدرس المعاد تماما. النظر الثاقب لا يعنيني في كثير من الأحيان؛ فالكسر يقول حقائق مرعبة لا يشي بها الحذر، والقناعة هنا إفلاس، ويجب عليّ التجربة دومًا لاستخلاص حكمتي الخاصة. هي كالمشية، وعليّ الوصول بسلامة وبما يلائم مقاس قدميّ. كل ذلك كلام نظري أوطئ به (بيتًا) للذكرى وحسب حين باغتتني أمي بـ (ساعة) قديمة جدا... • أتذكرينها؟ • لا ! • إنها من جدتك حين كنتِ في العاشرة. ثم تصدَّع القلب بصمت... لقد توفيت جدتي لأمي منذ تسعة عشر عاما، لكنها حيّة فوق ما تتوقع لو علمتْ بذلك. فَقدَت نظرها قبل وفاتها بثلاثين عام تقريبا، ولذلك لم تكن تصدق أي شيء، فشَاهِدُها المعتمَد ولّى، وليس الخبر كالعيان... ولو عادت من الموت لما صدقت أننا نذكرها كأنها لم تمت، وأنَّ رائحتها ملتصقة بمناماتي أيضا، وأنها معنا حتى أصرَّ بعض المراهقين في العائلة على إدراكهم لها. لعل الحياة ظنت بذلك أنها تكافئها مقابل انطراحها في الفراش فوق عشرة أعوام، أو أنّ روحها التي لم أبكها آنذاك كان من المستحيل أن تغادر بسهولة، أو حتى تدع العقل يصدق حقيقة رحيلها. فكم شخصا غادَرَكَ واحتبست دموعك من نفسها؟ أشفقتْ عليَّ جدتي الأخرى حين بكيتُ لمرض موتها، وَاسَتني بأنها لن تموت أبدًا! بقيَتْ تقاوم لأشهر ثم توفيت رحمها الله. إشفاقها عليَّ كان متبسِّما حانيًا، لا يوجد أحد نظر إليَّ تلك النظرة حتى الآن. وهكذا هي الجدة، لن ترضى ببكائك عليها لرغبتها باصطحابك أبد الآبدين، ولن ترضى بالرحيل إشفاقا عليك وحدك، لكنه القدر. إنني حين أتخيل (الرحمة) أتخيَّلُها (جدَّة) احدودب ظهرها، وغزاها الشيب، ترتدي نظارة، وتدَّعي أنها لا ترى شيئا، في حين أنها لا ترى الأخطاء خاصة… تستعين بالعصا دائما، لكنها أول الحضور، وتحمل الحلوى في جيوبها أكثر من الخيوط والإبر والمفاتيح غير المستعملة، ولا تحني رأسها إلا لتتعامى عن الأخطاء، أو لتخيط جروح العالمين بصمت وحنوّ، ذلك أنها تعلم مغزى الخطأ والجرح وحكمة الألم، وتكره العقاب وتنهره واقفا في أقصى الغرفة، وتعرف أنَّ العوض لا يُقارن بالابتلاء، وأنَّ الحبَّ سلوك، وأنَّ الأخطاء بشريّة ولذلك كانت هي... كانت هي بقلبها وجسدها وروحها العابرة للتاريخ... لعلَّ من جمال حياة أي امرأة أن تموت (جدَّة)، وترى أحفادها وقد صاروا أطفالا أطول منها، حتى تجعل كل واحدٍ منهم يقسم أنها تحبه أكثر! لعل من جمال حياة أي امرأة الوصول إلى هذه المرحلة من الحياة؛ فترى البشر كلهم أطفالا مشاغبين، وتتمنى أن يعيشوا مزيدا حتى تدفع من عمرها ما بقي من الأعوام وترحل لو ضمنت بقاءهم على حالهم أطفالا أبدًا... ربما أرادت الجدَّة البقاء، لكنها رحمةٌ صغرى، عسى الله أن يريها رحماته الكبرى ويدخلها في فسيح جناته. تأملتُ الهديةَ (الساعة) التي لم أتذكرها البتة، تمنيت لو كان لهذه الهدية القدرة على عصيان قوانين الطبيعة كالرحمة، أو تكون جبَّارة كالدموع… لا يمكن للساعة التراجع، والذكريات تأتي بلا ميعاد… فبكيتُ أخيرا كالطفل، والبكاء المتأخر (جدًّا) تأكيدٌ للرحيل الذي لا يعرف الوقتَ...