ما بين روسيا وإفريقيا

«ربما كانت الكتابة لعباً في عصور أخرى؛ أيام التوازن والانسجام، لكنها اليوم مهمة جسيمة. لم يعد الغرض منها تسلية العقول بالقصص الخرافية أو مساعدة هذه العقول على النسيان، بل تحقيق حالة من التوحّد بين جميع القوى الوضّاءة التي لا تزال قادرة على الحياة حتى في أيامنا الانتقالية هذه، وتحريض الإنسان، أيضاً، على بذل قصارى جهوده لتجاوز الوحش الكامن في أعماقه». كازانتزاكيس قبل الثورة على الحكم القيصري، كانت روسيا، كما وصفها تشيخوف على لسان إحدى شخصياته، «مثل الفارس المجلّل بالفقر والبلادة. الفئة المثقفة يائسة، والأغلبية قاصرة لا تصلح لشيء، والشعب سكير، كسلان، منحلّ، وليس لدينا علم». ثم صارت روسيا تكتب وتعبّر عن ملحمة النهوض وصعود القوى الجديدة والإنسان الجديد في مواجهة العالم. مثّلت المشهد الإيجابي للتحطيم الكامل والجذري لهيمنة الجهل والانحطاط، واهتمت بعلوم الأنثروبولوجيا والاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي والتحليلي، بعد عرض نقدي صريح. الآن، عندما نتحدث في الأدب عن التيار الفلسفي والمتاهات النفسية والغرائبية، يقفز إلى أذهاننا مباشرة اسما الروسيين دوستويفسكي وتشيخوف، مثلما تقفز الواقعية السحرية عند غابرييل غارسيا ماركيز، والكابوسية عند كافكا، وغيرها من التيارات الأدبية. إذا أخذنا الأدب الأفريقي مثالاً موضوعياً، نجد أنه يتطابق في بعض موضوعاته وأهداف الكتابة فيه مع صورة روسيا قبل الثورة، لكنه يناقضها في الأسلوب والقيمة والثقافة. أفريقيا صورة مفعمة بالسحر، راقصة فوق الانكفاءات السياسية والاجتماعية والنفسية؛ ثراء حكائي، وغابات مغايرة شممنا رطوبتها، وإشاراتها الأسطورية، فيها إرضاء للخيال، وجذور ثقافية عميقة. أدب ممتع يشبع الحواس إشباعاً لا يقف عند حدود القراءة التجريدية السطحية، بل يأخذنا إلى إيغال عميق في عوالم المتعة والتأمل. فلا تتصارع في نفسك وحوش الغموض، ولا تقع فريسة للمبالغات والحشو والفلسفة الحديثة والإفراط في توظيف الاضطرابات النفسية والمرضى النفسيين التي صارت «ترينداً» في زمننا هذا. قرأت أعمالاً قليلة ومتنوعة، من جنوب الصحراء الكبرى وشمالها، مما كُتب قبل الاستعمار وبعده؛ وكنت أتساءل عن أسباب قلة الحس الفلسفي والنفسي الذي عودتنا عليه أغلب الأعمال الغربية المترجمة. لكني اكتشفت أن التجربة الأفريقية تجربة جمالية إنسانية تُقرأ من داخل جذورها الثقافية. أعمالاً منجزة، مترعة بصلابة الواقع وشفافية الفن، وحشداً من الأحلام والخضرة وحرارة النهار والمجاز الشعري، تتسرب كالضياء عبر الأمانة في نقل الواقع وفتنة الارتقاء. حتى نهايات السلام المكتوبة فيها تناغم هارموني بين الماضي والحاضر والمستقبل، ووجدٌ حقيقي يحرق الكاتب، ويدفعه إلى تقديم عمله بوصفه بوصلة أو منارة تهدي العالم إلى إعلاء شأن الإنسان.