كيف أرثيك!

ستظـــل يــا أبــي نخلـــة أحسائيـــة شامخة.

مضى سنتان تقريبا منذ أن قررت البقاء في صحبة الوالد وعدم السفر إلى خارج البلاد حيث أقيم فترة الصيف مع العائلة. في تلك الجزيرة الصغيرة بضواحي مونتريال، المحاطة بالماء وجريان نهر هادر، حيث الهدوء وطغيان اللون الأخضر في تلك الغابة التي تحتضن بيتنا وبعض البيوت المتناثرة حيث تقافز في ربوعها الغزلان والأرانب وتصدح فيها أصوات الطيور تلك الطبيعة الساحرة التي تحس كأنك تغفو في حضن الغمام! نعم أقول لمن استغرب ذلك وسألني كيف تترك هذا المكان وتبقى سنتين في الدمام! لا يا سادتي فقد كنت بين الخوف على أبي والرجاء له بطول العمر رغم معاناته اليومية واستغلال فترة بسيطة من حياتي لأتفرغ للعيش معه والتمتع بالقرب منه وتعويض تلك السنين التي ذهب الكثير منها بدون معنى! أن أعيش بقرب هذا الجبل الشامخ من الفكر والمعرفة وأنهل من علمه وأتعرف على بعض تفاصيل سنين عمره وأقوم بتسجيلها لكي أحتفظ بها لي ولأولادي ولباقي أفراد الأسرة! رغم أن الوالد كان قليل الكلام وكثير الحذر من كل مفردة يقولها ويحرص على أن يختارها وبعناية فائقة! كان يمتلك حساسية مفرطة للغة إلى حد أنه يهرب مبتعداً عن سماع أغنية معينة أو مقطع من نشرة الأخبار بسبب طبيعة الكلمات وكأنها حجارة تنهال عليه أو على العكس تماماً ينتشي وكأنه في غيبوبة! لقد كانت قاسية جداً تلك الرسالة التي وصلتني من أخي عن وفاة الوالد، وأنا بعيد عنه آلاف الأميال، ولكن خلال ساعات استطعت مع رفيقة دربي استقلال الطائرة إلى الدوحة ثم المنامة ثم البيت، ولكن مع شديد الأسف لم أشهد مراسم التشييع ومواراته الثرى، وكم كان ثقيلاً أن أدخل البيت ولا أراه في المكتبة مكانه المفضل!! وكم فرحت وأنا تفصلني عنه بحار ومحيطات عندما كتب أول مقالة بعد توقفه عن الكتابة لمدة سنة، ثم أردفها بمقالة ثانية، فقلت لقد عادت “رئة الكتابة” .. الرئة الثالثة التي يعيش بها!! بمساعدة صديق عمره المخلص محمد القشعمي (أبويعرب)، استطعت أن أجمع كتبه ومقابلاته ومحاضراته وقصائده وتفرغت تفرغا كاملا ولمدة حوالي ستة أشهر لمراجعة كل النصوص وتلخيصها والتعليق عليها وربط موضوعاتها الفكرية والفلسفية بما تم طرحه في نفس المجال من مفكرين آخرين، ووجدت متعة هائلة في ذلك، ناهيك عن الاطلاع على معلومات وأفكار تبلورت عند الوالد خلال الستين سنة الماضية وأناقشه فيها!!! كل صباح أبادره بعد السلام: هل قرأت مقال فلان؟ ويرد بانفعال إذا كان مرتاحاً: رائع.. أما إذا كان غير موافق يقول: ما هذا العهر؟! هل قرأت الكتاب الذي أرسلته لك عن نقد شعر أدونيس من الكاتب فوزي كريم؟ هائل يا ابني .. ألقى به في اليم .. نسف شعره نسفاً!! هكذا كانت صباحاتنا وكنت أستغرب، وبالمناسة أنا أسكن في شقة بنفس البيت .. أستغرب إذا لم أمر عليه يوم واحد فقط يبادرني بالسؤال على الفور: أين كنت امس؟! وقد عودته أن أمر عليه كل يوم في الصباح الباكر حيث يكون مزاجه “عال العال” كما يقول، بعد أن يصبّ على روحه الشاعرية الآسرة شلال من أغاني فيروز لمدة ساعة!! أقول لك يا أبي الغالي، وقد تفتحت عيوني منذ الطفولة: أرى الوالدة رحمة الله عليها وأراك أيضاً بتلك القامة الشامخة .. الهادرة أحيانا بالغضب وأحيانا أخرى تتحلى بالرقة والوداعة .. أقول أنني سوف أحفظ تراثك وسوف أفعل كل ما استطيع أن أجمع كل ما قدمته من كتب ومحاضرات ومقابلات في مدونة تليق بك وبفكرك وعطائك على مر السنين، ولأنك أب لأجيال وليس جيل واحد، سأسعد بكل مساهمة ومجهود يضاف لهذه المدونة من أبنائك وأصدقائك .. فأنت رائد فكري قل نظيره، نفتخر دوما بك ونرفع رؤوسنا عاليا بكل ما أبدعته من تنوير ورؤية خاصة للحياة أشبه بنافورة معرفة لا تتوقف.. ورغم رحيلك، سنظل نستظل بك ما حيينا، نخلة أحسائية شامخة معطاء .. رحمة الله عليك يا أبي العزيز ولتسكن روحك في سلام .. 2 نوفمبر 2026