ليس هذا وداعاً ولا مرثية.
يتاماك أكثرُ من أن يُعدُّوا ولكنهم أبدًا ما استعدوا لهذا الرحيلِ المريرِ الذي يتسللُ منه صقيعٌ وبردُ يحطُّ بأفئدةٍ آمنتْ بك حدَّ اليقينِ وصارت تشدُّ إليك الرحالَ لكي تلتقيك ليزهرَ فيها ربيعٌ ووردُ لتصغي إليك وتتلو عليك القصائدَ يا من إذا رحتَ تشدو بشعرك أصغتْ إليك العيونُ فثمةَ غيمٌ وبرقٌ ورعدُ وثمةَ ماءٌ تظلُّ له الروحُ ظمأى فأشواقها لا تُحدُّ إليه، إلى نبعهِ المتدفقِّ وهو يرددُ: ما متُّ بعدُ! وحاشا لشعرك من أن يموتَ فشعرك آلاؤه لا تُعدُّ وحاشا لفكرك أن يضمحلَّ فما زال مثل المغيراتِ يعدو لينفضَ عنا غبارَ العقولِ فأبصارنا أبدًا لا تُمدُّ إلى ما وراء الوراء كما كنتَ تفعلُ حين بنا يستبدُّ ظلامُ الجهالاتِ وهو يغشّي العيونَ وباسم الضلالاتِ يحدو بصحرائنا والقوافلُ تلو القوافلِ كالجزرِ يتلوه مدُّ لنتبعه وهو يمضي بنا نحو ماضٍ تحاصرنا منه جندُ فلا نستطيعُ خلاصًا من الأمس فالأمسُ أيامه تُستردُّ لكي يستوي الأمسُ واليومُ فالأمسُ ما زال فينا هو المستبدُ فلا الماءُ يجري بنهر الزمانِ ولا القبلُ قبلٌ ولا البعدُ بعدُ *** أبا عادلٍ ظالمًا كان موتك والموتُ غاراته لا تُصدُّ رحلتَ فأجريتَ خلفك نهرَ الدموعِ فموتك خصمٌ ألدُّ رماك فأصماك حتى هويتَ لتخضلَّ عينٌ ويبتلَّ خدُّ وتبكيك كلُّ البلادِ وتأسى الحجازُ عليك وترثيك نجدُ لو أنك تبصرُ من أبّنوك لأدركتَ أنك ما متَّ بعدُ *** أبا عادلٍ هل طوتك المنيةُ حقًّا وهل أوقفَ الماءَ سدُّ؟ وهل أخرسَ الموتُ صوتَ النّديِّ لتأسى قلوبٌ وينبتَّ عقدُ فلا ضحكاتك تعلو مجلجلةً فهي مثلُ بساطٍ يُمدُّ لتمشي عليها قلوبٌ إلى حيثُ قلبك في بهجةٍ يستعدُ ليحضنها مثلما يحضنُ الأبُ أبناءه حين حيّا فردوا *** أبا عادلٍ “ما الذي سوف يبقى” ولا “ماءَ في الماءِ” ما ثَمَّ وعدُ بمستقبلٍ قادمٍ فالوعيدُ بتكرار ما كان منا أشدُّ وتلك الأساطيرُ ما برحتْ تُستعادُ.. لكم أنتَ يا جهلُ وغدُ! متى ستُحطم أغلالنا والقيودُ التي منذ كنا تُعدُّ لنا وكأنَّ القيودَ أساورُ يزهو بهنَّ ويختالُ عبدُ؟ *** أبا عادلٍ لن نقولَ الوداعَ وإن مرَّ وقتٌ وإن طال عهدُ فمثلك باقٍ بقاءَ الزمانِ وأعمارنا في يدِ الدهرِ نردُ لأنك من راحَ ينزعُ عنا الأساطيرَ فهي صروحٌ تُهدُّ بحبرك يا من أحاقَ بحبرك جهلٌ وظلمٌ وغلٌّ وحقدُ لأنك من غرسَ الوعي فينا عقودًا طوالاً فجذبٌ وشدُّ إلى أن طلعنا بحقلك نبتًا له منك غيثٌ وظلٌّ ووِردُ فنم هانئًا يا أبي ولتسعْ روحك المشرأبةَ للخلد خُلدُ وعش أبدًا في قلوب محبيك نبضًا يرددُ: ما متُّ بعدُ! ٢ نوفمبر ٢٠٢٦