رواية (الأديب الضِّليل) هي الرواية الخامسة للأستاذ أحمد السماري الذي بدأ رحلته الروائية عام (2020م)، وحققت رواياته نجاحًا باهرًا، ولقيت اهتمامًا كبيرًا من القراء والنقاد، وتعدّ تجربته الروائية تجربة فريدة متميزة، وكل رواية تمثل نموذجًا مختلفًا، فرواية (ابنة ليليت) (2024م)، وهي الرواية الثالثة له، أبرزت بعض جوانب المجتمع، وحضرت فيها عوالم الجريمة، ورواية (فيلق الإبل) (2025م)، وهي الرواية الرابعة، وتعد رواية تاريخية، اتخذت من حياة العقيلات موضوعًا لها، وبرز فيها جانب الرحلة. أما الرواية التي أتحدث عنها في هذه المقالة فيمكن إدراجها ضمن روايات الشخصية التي تعدّ العنصر الأبرز فيها، فكانت المحور الذي انطلقت منه أحداث الرواية. بطل الرواية فهد فرج شخصية إشكالية تعيش حالة من القلق والاضطراب، وأسهم في ذلك إصابته بمرض الفصام، وجمع معه تعاطي المسكر، وفي القسم الأول من الرواية الذي جاء في أقل من ثلاث صفحات قدّم فهد فرج نفسه تقديمًا موجزًا، إذ تحدث بصورة مباشرة قائلاً بداية: “ أنا فهد فرج، كان الضجر أول ما تعلمته...”. تحدث في هذا القسم عن وفاة أمه بعد ولادته، وأشار إلى أنه أرضعته أكثر من عشرين امرأة، كان فاقدًا للطمأنينة، ويشعر بالضجر والملل، وكان قارئاً شديد النهم، حفظ القرآن الكريم، والشعر الجاهلي، وعندما بلغ العشرين كان رأسه مكتبة، كما وصف نفسه، وتحدث عن تخليه عن ابنة الجيران، ثم ممارسته الكتابة ونشر المقالات، وتعاطيه الخمر. وفي هذا القسم الذي كان فيه الراوي هو فهد فرج بطل الرواية كشف عن بدايات تشكل شخصيته الإشكالية التي جمعت بين فقدان الأم والضجر والملل والإقبال على القراءة والكتابة وتجربته مع ابنة الجيران التي خذلها، وبداية ظهور أعراض مرض الفصام مع تعاطي المسكر، عاش وحدة قاسية أنتجت لنا شخصية إشكالية معقدة، كشفتها بإيجاز الصفحات الأولى من الرواية. وفي القسم الثاني الذي جاء في ثماني صفحات تولى الراوي سرد الأحداث، وفيها انتقل السرد إلى نهاية الرواية، تلك اللحظة التي وقف فيها أمام المرآة، ونظر إلى نفسه النظرة الأخيرة، وهوى بالمطرقة عليها، فتناثرت الأشلاء، وسقط على الأرض، وغادر الشقة مترنحاً متجهاً إلى التموينات القريبة منه، فسقط أرضاً، ونقلته الإسعاف إلى المستشفى، ومات بعد ثلاثة أيام. وفي هذا القسم ظهر صديقه جبران الذي تولى سرد أحداث الرواية من نهايتها، وسردها بطريقة الراوي المشارك في الأحدث. سرد الروائي أحداث روايته من ثلاث زوايا، هي: بطل الرواية فهد فرج في القسم الأول، والراوي العليم في القسم الثاني، وجبران الذي تولى سرد القسم الأكبر من أحداث الرواية، وهو شخصية مشاركة في الأحداث. وهذا التنوع مبرر فنيًا، إذ أتاح في القسم الأول للبطل في ثلاث صفحات تقديم نفسه بإيجاز في مراحل حياته الأولى، ثم تولى السرد في القسم الثاني الراوي العليم، وفيها نقلنا إلى نهاية بطل الرواية، واستحضر بذكاء في هذا القسم الذي جاء في ثماني صفحات شخصية جبران صديق البطل، وسلّمه الراوي وظيفة سرد الأحداث، بصفته شاهدًا على حياة فهد فرج، وداعمًا له في مواقفه، والملجأ الذي كان يلجأ إليه فهد. وبدا لي أن جبران مثّل صوت المجتمع الذي يحتضن أبناءه، ويقف معهم، وإن خالفت تصرفات فهد مبادئ جبران والمجتمع، وفي نهاية الرواية وضّح جبران انطباعه الأخير عن فهد فرج، وذلك في قوله: “ هنا سأقدم اعترافي الأخير وليس حكمي، لقد تحولت نظرتي في فهد فرج، بعد هذا المشوار الطويل معه حيّاَ، حتى بعد وفاته، إلى نظرة حيادية، فلم أعد أحمل إعجابًا به، ولا يعتمل قلبي ذرة من ضغينة تجاهه، ويبقى له دائمًا حيز من محبة لا يزول، وشعور ضامر بالرحمة، هي رحمة لرجل عاش عمره كله يصارع ذاته المتعبة، أكثر مما يصارع العالم”. في المقطع السابق لخص لنا الروائي متقنعًا بشخصية جبران رؤيته أو رؤية المجتمع الذي مثّله صوت جبران لنموذج فهد فرج، وترك الباب مشرعًا لتلقي هذه الشخصية الإشكالية وأمثالها. كشف جبران عن شخصية فهد فرج منذ بدايات حياته، وكان من المتوقع، حسب رأي جبران، أن يكون فهد فلتة زمانه، ظهرت عليه بوادر الذكاء، صحبتها سعة الاطلاع، وفي المقابل بدأت تظهر بوادر شخصيته الأخرى التي سيرت حياته، تمثلت في الضجر والملل وحدة الطبع، عززها مرض الفصام، وزاد الطين بلة تعاطي الخمر، تعددت الفرص التي حصل عليها إلا أن الإخفاق صاحبه، فلم يمتلك القدرة على إكمال أي عمل، حتى في ميدان الكتابة اكتفى بكتابة المقالات، ولم يؤلف الكتب؛ لأنه يفتقد الاستمرارية في عمل واحد. سرد جبران حياة فهد فرج بدءا من مزاملته في المعهد العلمي وانتهاء بوفاته. وبدت شخصية فهد فرج شخصية إشكالية معقدة التركيب، اكتفى بالتخرج من المعهد العلمي، ولم يلتحق بالكلية، كما فعل زميله جبران، رغم ذكائه ونبوغه المبكر واتساع ثقافته ونهمه القرائي، ونشاطه الثقافي المبكر، لكن مشكلته الرئيسة تمثلت في الضجر والملل، ومن الفرص التي حصل عليها وصوله في مرحلة لاحقة إلى رئاسة النادي الأدبي في الرياض، وفي مراحل أخرى من حياته حصل على فرص عدة؛ ليكون علمًا من أعلام الثقافة في بلادنا، لكنه فقدها؛ بسبب مرضه الذي شكل شخصية يغلّفها الضجر والملل، ولجوئه إلى الخمر، وكانت نهايته العزلة والصعلكة. والروائي بذل جهدًا كبيرًا في ربط شخصيته المتخيلة بالعالم الثقافي الواقعي، عن طريق استحضار جهات وشخصيات ثقافية واعتبارية وجوانب أخرى؛ مما أوهم القارئ بأنها شخصية حقيقة، فتداخلت الرواية بالسيرة الغيرية، وفي تصدير الرواية نوه السماري إلى أن أحداث روايته وشخصياتها من وحي الخيال، وأي تشابه هو من قبيل المصادفة. وهذا التنويه أو التصدير المعتاد في بعض الأعمال السردية أحدث مفارقة فنية تمثلت في تأكيده على المرجعية الخيالية للأحداث والشخصيات وبين المتن السردي الذي سعى جاهدًا إلى الإيهام بواقعية الأحداث. وهذا الجانب من مفاتيح قراءة الرواية أعني: المرجعي والتخييلي، ومن جانب آخر يتماهى مع شخصية بطل الرواية فهد فرج، فهو شخصية إشكالية بدأت إشكاليتها من عتبة التصدير، ومن ثم فالرواية تقدم إشكالية التلقي لهذا العمل، وهي إشكالية إيجابية للقارئ المتذوق للفن الروائي، والواعي بطبيعتها. اختار الروائي شخصية جبران لتقديم حياة بطل روايته فهد فرج؛ لأن فهد فرج عاجز عن سرد تفاصيل حياته؛ وبدت شخصية جبران شخصية بسيطة التركيب، واضحة المعالم، ويمكن تقديم قراءة نقدية مفصلة عنها بصفتها تمثل المعادل الموضوعي لشخصية البطل، وبصفتها- أيضاً- تمثل صوت المجتمع أو صوت الروائي نفسه، وهو جزء من المجتمع. مثّلت شخصية فهد فرج في رواية (الأديب الضّليل) نموذجًا للشخصية التي ضلّت الطريق، رغم المواهب التي امتلكتها، والفرص التي حصلت عليها، لكن المرض، وما نتج عنه من ضجر وملل وعزلة وصعلكة، وضخّم من حالته تعاطي الخمر، فكان الإخفاق حليفه في حياته. وعنوان الرواية، وهو العتبة الأولى فيها، جاء متناصًا مع الشاعر الجاهلي امرئ القيس الملقب بالملك الضّليل، فكلاهما، الشاعر الجاهلي وفهد فرج، ضل الطريق، وبينهما جوانب مشتركة منها: الأدب وتعاطي الخمر وضياع الهدف، وبينهما اختلافات عدة، منها: نجاح امرئ القيس شعريًا، فهو من أهم شعراء العربية عبر العصور، بينما فهد فرج أخفق في كل شيء. وبعد، فرواية (الأديب الضّليل) قدّمت نموذجاً إنسانيًا تمثّل في شخصية إشكالية معقدة التركيب، جمعت بين شخصيات عدة، جمعها الروائي في شخصية واحدة، وانطلق من طبيعة الفن القائمة على تضخيم النماذج التي تصورها، وجمع الأفكار والشخصيات في نموذج فني يعبر عن رؤية للعالم خاصة بالفنان. والرواية جديرة بالقراءة؛ لأنها تمثل حالة إنسانية حاضرة في حاضرنا وماضينا بصور مختلفة. *أستاذ النقد الأدبي