ماذا يمكن أن يحدث إن سيطرت التقنية والذكاء الاصطناعي على عالم البشر؟ ماذا سيحلّ بنا إن فلتت الروبوتات وأصبحت «حَرِنة»، كما تسميها لينة في روايتها «أخابيط»؟ حين تُكتب رواية خيال علمي بقلم سعودي، علينا التمهّل كثيرًا قبل الكتابة حولها، فهذا النص يأتي في ظلّ ما تركته روايات وأفلام عالجت التطور التكنولوجي في بيئات وجغرافيات أخرى على مدى عقود من الزمن. وحين تأتي كاتبة سعودية تحمل هذا كله، إضافة إلى بيئتها وجغرافيتها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها، فهذا يعني أننا سنرى صحراءنا في النص، وجِمالنا وخيامنا! وعباءاتنا وشمغنا! لكن إلى أيّ حدّ استطاعت الكاتبة أن تفصل بين ما تحمله من ذاكرة لما قرأت وشاهدت على الشاشة، وما ودّت أن توصله وتحوّله إلى نص خيال علمي سعودي؟ تذكّرنا بعض مشاهد الرواية بأفلام The Terminator وThe Matrix وRoboCop وThe Incredibles، وهذه الملاحظة تُظهر اهتمام الكاتبة بهذا النوع من الأدب والأفلام. ويُحسب لها تطويع هذا الخيال في بيئة عربية، سعودية تحديدًا، وإن وضعت للمدن والمناطق أسماء أخرى عدا «العليا»، التي أرجّح أنها أرادتها صريحة لتشير إلى الرياض. ويبقى السؤال عن مدى تحوّل البيئة المحلية إلى منطق يحكم العالم المتخيّل، وعن المسافة بين حضور رموزها وحضور بنيتها الاجتماعية في صناعة الأحداث. حتى اسم روبوت تماضر «سنام» يفتح سؤالًا عن وظيفة الموروث في المستقبل. وفي مشهد آخر، يظهر علي داخل آلة عملاقة يحرّك أذرعها، بما يذكّرنا بآلات تلك الأفلام. لكنه هنا يتحكّم بها من خلال الشريحة المزروعة في رأسه، التي يُفترض أن تعينه على ضبط نوبات الصرع. احتجنا إلى فهم هذا الانتقال: كيف امتدّت وظيفة الشريحة العلاجية إلى قيادة الآلة؟ وعلى امتداد هذه العلاقة بين الإنسان واختراعاته، تبرز معضلة الرواية الأخلاقية. أن يخرج الذكاء الاصطناعي عن سيطرة البشر، ويتخذ قراراته ويشنّ هجمات عسكرية منظّمة، ويقتل البشر ويهدم المدن، فكرة متداولة ومخيفة، مطروحة وكأن البشر ينتظرونها بطريقة ما. لكن لينة الشعلان، خلال هذا السرد الروائي المغامر والسريع الإيقاع، ومن خلال لغتها الشعرية الأدبية، عرضت إحدى أهمّ معضلات الذكاء الاصطناعي والتقنية: معضلة فلسفتها الأخلاقية. فأين يقف الإنسان، وأين تبدأ الآلة في اتخاذ القرار؟ وكيف يمكننا وضع قوانين تمنع النظام من أن يكون لاإنسانيًا مع أيّ فئة من فئات المجتمع؟ ومن يتحمّل مسؤولية ما تفعله الآلة حين تتّسع المسافة بين قرار المبرمج والنتائج التي تنتجها برمجته؟ هذه المعضلة أخذت نصيبًا لا بأس به، وتناولتها الكاتبة من زوايا مختلفة: كيف يُبرَّر الإجرام خلف الشاشات؟ وكيف يكون القتل أسهل حين تغيب الضحية عن عين القاتل، ويقتل بضغطة زر على لوحة مفاتيحه؟ وكيف تساعد التقنية في إنقاذ الأرواح والتطور؟ وكيف تكون الحياة إن تحوّلت تفاصيلنا اليومية إلى الأتمتة؟ وتتّصل أسئلة المسؤولية والحقوق بحكاية تماضر، الشابة التي تعاني زواجا فاشلًا، بعد سرقة أخيها المال الذي أرادت إكمال دراستها به. تبدو حكايتها مألوفة للوهلة الأولى، لكن حكايتها تكشف أن تقدّم التقنية لا يعني بالضرورة تقدّم العلاقات داخل الأسرة، ولا يحمي حقوق النساء تلقائيا. وإن كان أخوها قد عاد إلى رشده في آخر فصول الرواية، وأعان تماضر التي صوّرتها الرواية بعقلية فذّة، قادرة على إيقاف الحرب التي يديرها «أخابيط»، الذكاء الاصطناعي الحَرِن الذي يقود الروبوتات لتدمير العالم. ومن حكاية تماضر تتّسع الصورة إلى المجتمع الذي تشظّى لينفصل الذكور عن الإناث. استطاعت الرواية أن تصوّر البيئة العربية السعودية بشقّيها النسائي والرجالي، مع إظهار قدرة النساء التاريخية على الزراعة والتكيّف والاندماج في الطبيعة، من خلال نزوحهنّ إلى جبل صبا وتنظيمهنّ حياة متكاملة فيه. وفي المقابل، تلجأ جماعات من الرجال إلى صيد «المرتحلين والنازحين» وسلب ممتلكاتهم! رجال يستعبدون النساء، يبيعونهنّ ويشترونهنّ ويستبيحون أجسادهنّ ويجبرونهنّ على الطاعة، ونساء قرّرن العزلة وإخراج الذكور من مجتمعهنّ ما إن يبلغوا الثانية عشرة. وهنا نسأل: متى تتحول الحماية إلى إقصاء؟ يوحي هذا بأن خروج التقنية عن السيطرة يعيد المجتمع عشرات السنوات إلى الوراء، إلى زمن تُحبس فيه النساء ويُحرمن التعليم، بينما تجعلهنّ الكاتبة سيدات الأرض بقدرتهنّ على الزراعة. وهنا تصبح طرائق البقاء تعبيرًا عن تصوّر المجتمع والقوة والعمل، وتستدعي التساؤل عن توزيع هذه الأدوار وحدّة الفصل بينها. وتبقى استفهامات حول التحوّلات التي حدثت بسرعة: لماذا أصبحت النساء يلبسن ملابس خشنة تحديدًا؟ وكيف استطاع الجميع الانتقال إلى ركوب الجِمال والخيول بعفوية، بعد انهيار عالم التقنية الذي كان يحيط بتفاصيلهم اليومية؟ لم تستمرّ الكارثة على العاصمة إلا أيامًا حتى أنقذت تماضر البلاد والعباد. فلماذا كانت العاصمة مركز هذا التحوّل، بينما بقيت المدن التي سقطت سلفًا على الهامش؟ كان يمكن لمشاهد التحوّل أن تمنحنا هذا الفهم، فنرى كيف ينشأ الخوف، ويتحوّل إلى قانون، وكيف تقبل الجماعة ما كان مستنكرًا بالأمس، حتى يصبح العنف نظامًا للحياة وتصبح العزلة نجاة والعودة لحياة الصحراء والخيام والجبال هي الحل! وهذا السؤال عن زمن التحوّلات يقود إلى إيقاع السرد. توزع الرواية أصواتها وأزمنتها في بناء كولاجي، بين ما قبل هجمات العاصمة وما بعدها. لكن تنظيم الزمن لا يغني عن إبطاء المشاهد التي تستحقه. كلّ ما في الأمر، يا لينة، أن النص كان سريعًا، بل سريعًا جدًا، وفي أحيان بطيئًا، أبطأ مما تقوله الكلمات. استطاعت التكنولوجيا أن تُدخلنا زمن السرعة، واستطاع الذكاء الاصطناعي أن يجبرنا على الجري للحاق بكلّ ما نريد بلوغه، ولكن الولادة والموت أمر آخر... يحتاجان إلى زمن نشعر فيه بثقلهما. كان القارئ بحاجة إلى التأني مع سارة لكي يشعر بها وبولادتها، وبحضور جسد يُكابد، وحياة تأتي وأخرى تنطفئ. وكان بحاجة إلى أن يكره سامر أكثر بعد قتله أبا عناد، وقبل أن تقتله الفارسة العنود، ابنة أبي عناد، حتى تتراكم مشاعر القارئ تجاهه ويحمل موته وزنًا يتناسب مع أفعاله. تسارع الإيقاع حتى حين احتجنا إلى التمهّل، بينما بدا أكثر تمهّلًا في حديث علي وأمّه داخل القطار «بسرعة الصوت» وبلوغهما منتصف الطريق. الحديث ممكن، لكن تقدير زمن المشهد يحتاج إلى معرفة المسافة والمدة والتسارع، حتى تتّضح العلاقة بين سرعة الرحلة وزمن الحوار. ولا أريد للرواية أن تتحول إلى درس في الفيزياء. لكن قطارًا يسير «بسرعة الصوت» يحتاج إلى قرائن تضبط زمن الرحلة وحدود التقنية، ويستدعي سؤالًا علميًا، باعتبار كتلة القطار واحتكاكه بالسكة الحديدية ومقاومة الهواء ووزن الركاب وغيرها من المتغيّرات، كنا بحاجة إلى بعض الشرح العلمي الذي يمنح هذه السرعة أساسًا مقنعًا. فهذا مما تفعله روايات الخيال العلمي: تشرح لنا العلم في ثناياها، وتمنح اختراعاتها قوانين لنفهمها. وتتّضح الحاجة حين تتدخل قدرات التقنية في مصائر الشخصيات ومسار نجاتها. رواية «أخابيط» تجربة جادّة في الخيال العلمي السعودي، تحمل خيالا خصبا ولغة مطواعة، وتطرح سؤالًا مهمًا عن الإنسان حين يفقد السيطرة على آلته. لكن اتساع العالم المتخيّل لا يعفي السرد من إقناعنا بزمن الأحداث وتدرج التحولات. *روائية وكاتبة سعودية