النقد البيوسيميائي وتمكين الهامش البيئي ..(2-2)

من حيوية النبات إلى حركة الإبل.

امتدادًا لتفكيك المركزية البشرية وإرساء دعائم النقد البيوسيميائي في الجزء الأول، ينتقل هذا الجزء لاختبار فاعلية الهامش البيئي وحركيته في عالم الإبل، ونموذجها في رواية “نار المَرْخ” لـ عواض العصيمي. استعرضَت مقالة الجزء الأول أدوات النمذجة للنقد البيوسيميائي التي طوّرها مارسيل دانيسي بالاشتراك مع توماس سيبيوك، وجاءت على مستويات ثلاثة (أولية، وثانوية، وثالثية) وبتكاملها تحدث إزاحة المركزية البشرية لإعادة الاعتبار للهامش البيئي بوصفه ذاتًا فاعلة، فتبدو البيئة نظامًا سيميائيًا حيًا متكاملًا، تُنتج العلامات فيه وتُفسر بين مختلف الكائنات من خلال العلامات الكيميائية والصوتية والسلوكية، ضمن قناة “البيوسيميوزيس” (Biosemiosis) المتمثل في أن إنتاج العلامات وتأويلها خاصية أصلية ونشاط جوهري لكل أشكال الحياة وليس احتكارًا بشريًا لغويًا فحسب، وبذلك يتحول النص من نداءٍ للقلق البشري إلى فضاءٍ للإصغاء لعلامات الطبيعة بذاتها ولذاتها. وإذا كانت المقاربة النظرية قد اختبرت أولاً فاعلية هذه الأدوات على عالم النبات والشجر في رواية “نار المَرْخ” لـ عواض العصيمي ، فإن اتساع الفضاء السردي في هذه الرواية يفرض امتداد هذه النمذجة نحو عالم الحيوان، بخاصة (الإبل) بوصفه النموذج الحيوي الحركي المكمل لمظاهر الحياة في البيئة الصحراوية؛ ليتشكل من خلالهما مظهرًا سيمائيًا حيًا يجمع بين حيوية الشجر وحركة الجمل في منظومة وجودية مشتركة؛ إذ تنتقل أدوات النمذجة الثلاث بمرونة من عالم النبات الحيوي إلى عالم الإبل المتفاعل في الرواية لتفكيك مستويات التفاعل الحيوي والرمزي والمعرفي. النصوص المختارة للتحليل: النص الأول: “إنها كل شيء يخصني في حياتي...هل تصدق؟ لقد علمتني الإنشاد. كنت أرفع صوتي بالحداء ومن خلال نظراتها وحركاتها تعلمت كيف أزن صوتي ونشيدي على الوجه الذي يطربها... أحياناً أجلس حزيناً منقبض الصدر لندرة الصيد فتأتيني ناقة خبتي بن هديان (سمحة) فتتشممني وتصدر صوتاً تهبط منه مواساة عميقة على قلبي وينشرح صدري وتلاعبني، تضع رقبتها على كتفي ... في ليالي البرد تبرك حولي واحدة وراء الأخرى وأنام أنا في الدفء متوسداً يد سمحة أو سكرة حتى الصباح” (ص: 260) النص الثاني:” ثم عاش بالتجربة، أن كل تحولاته بالإبل إلى أماكن شتى في المملكة، كثيراً ما ردد بأنها تقوده إلى خلاصة واحدة بات يطلبها بشغف ... وهي أن الحبور الذي يظهر على الإبل في مواقع العشب يمنح المعنى الحقيقي لحبور الراعي بكونه راعياً في تلك اللحظة، ... وحين يبلغ الراعي هذه الرتبة الوِتر من المشاركة، فإنه يكون قريباً من قطيعه إلى حد أن كل فعل يقوم به، كل إشارة من يده، كل نظرة، يقابلها القطيع بمتوالية من إشارات الألفة وتلميحات الشعور بالثقة... تفرح الإبل بالربيع وتشعر بالضيق إذا انتهى موسمه، تتذمر من الريح الشديدة، تحب فلاة دون فلاة، وترتاح إلى راع دون آخر، لكن منها ما يظهر حباً للراعي وأنساً به على نحو خاص كما لو أنه عاش معها في رحم واحد، الإبل تسامح أيضا، وتنسى المعاملة الجارحة، تعفو ما وسعها العفو ولكنها تنتقم بقسوة عندما يتجاوز الأذى قدرتها على التحمل. كل هذه الملامح وهذه الصفات كان، كما يردد، يصعب تلمسها في وجوه الآخرين سواء من عشيرته أم من قرابته الخاصة. كان يعجز عن معرفة ما إذا الرجل الذي أمامه هو حزين أم سعيد؟ هل يشعر تجاهه بمودة أم يكن له العداء؟ وجوه مطموسة ليس عليها ملامح الوجه الإنساني الذي يمور بالمشاعر المختلفة. جعله يتساءل من أين اكتسبوا هذا التكتم المريع” (ص: 145). النص الثالث: “أين البعير الذي كان هنا؟. أخبره غربي أنه في الشمال مع القطيع وقد سمن فصار يهدر ويطلب النوق. تذكر رعد شيئاً فسأله: وهل هو يشبهك هناك كما يشبهك هنا؟! ضحك غربي بصوت بين الغلظة والرقة ثم أجاب: نحن مثل جمالنا نسمن ونهزل، وتألف القيد مكرهة ونحن لا نألفه مثلها حتى وإن كنا نعيش في قيود كثيرة” (ص:168). يبدأ هذا الامتداد التطبيقي من خلال نظام النمذجة الأولي على المستوى الحسي الحركي والبيولوجي التفاعلي لعنصر الكائنات غير البشرية مع بيئتها. ويتجلى ذلك بنصوص الإبل في عدد من العلامات: -التفاعل المباشر عبر الصوت والحركة “كنت أرفع صوتي بالحداء ومن خلال نظراتها وحركاتها تعلمت كيف أزن صوتي” هنا يُلحظ تبادل حسي وحركي مباشر بين الراعي والناقة؛ فالصوت البشري (الحداء) تستجيب له الإبل بنظراتها وحركاتها الجسدية، وهو تواصل حسي وتأسيس علاماتي أولي يقوم على التجاوب الحيوي المتبادل ولا يحتاج إلى وساطة ذهنية معقدة. - ظهور علامة الحبور على أجساد الإبل: “ وأن الحبور الذي يظهر على الإبل في مواقع العشب يمنح المعنى الحقيقي لحبور الراعي لكونه راعياً في تلك اللحظة “؛ فالجلد والصحة الجسدية هنا علامة سيميائية حيوية تعكس خصوبة المكان وتتصل اتصالاً مباشرًا بحبور الراعي وتجاوبه الحسي. -أيضًا التفاعل الحسي والتواصل في البروك الدائري للإبل حول الراعي لتدفئته في ليالي البرد ونومه في الدفء: “ تبرك حولي واحدة وراء الأخرى وأنام أنا في الدفء متوسداً يد سمحة أو سكرة “؛ إذ يغدو جسد الناقة مادة اتصالية حية تمنح الحرارة والاحتواء المادي، ويظهر ذلك بالتشمم، ووضع الرقبة على الكتف، وصعود دفء الاجترار، والتعرف على اليد المتلطفة بها من رائحتها. ثم يتسامى النص إلى نظام النمذجة الثانوي، الذي يتمثل في تداخل اللغة البشرية بالبيئة؛ حيث يتلقى السارد تلك العلامات والرسائل البيئية، ثم يعيد صياغتها ونمذجتها لغويًا عبر السرد. وذلك في عدد من العلامات: - يتكرر فعل التدفئة واستمراره من مجرد سلوك حسي لاتقاء البرد إلى طقس تضامني ورمزية عاطفية متجددة. ويتبدى البُعد السيميو-نفسي عند المقارنة مع الواقع الإنساني؛ ففي الوقت الذي يعاني فيه الراعي من غياب الطمأنينة بين البشر بسبب التكتم المريع وانطماس الملامح والوجوه التي تعجز عن إظهار حقيقة مشاعرها (أهي مودة أم عداء؟)، يأتي تكرار التدفئة والاحتواء الجسدي من الإبل كنقيضٍ شفيف لتكتم البشر، ليصبح الدفء رمزية حية للمواساة والوضوح، يستدل عليها الراعي: “فإنه يكون قريبا من قطيعه إلى حد أن كل فعل يقوم به، كل إشارة من يده، كل نظرة، يقابلها القطيع بموتواليَة من إشارات الألفة وتلميحات الشعور بالثقة”. -ويتجسد هذا المستوى أيضًا في علاقة الراعي بالإبل من خلال منظور أنثروبولوجي ينفي الغربة بين الأنواع: “ لكن منها ما يظهر حباً للراعي وأنساباً به على نحو خاص كما لو أنه عاش معها في رحم واحد”، مبرزة الإبل بوصفها ذوات أخلاقية فاعلة (سيميأخلاقية الطبيعة) تتجاوز النظرة الآلية للحيوان عبر سلوك منظم يؤكده النص: “ الإبل تسامح أيضا، وتنسى المعاملة الجارحة، تعفو ما وسعها العفو لكنها تنتقم بقسوة عندما يتجاوز الأذى قدرتها على التحمل”. ويتسع أفق هذا النظام الثانوي ليستوعب التماثل الدلالي والتقابل المتبادل بين الإنسان والجمل؛ حيث تنعكس التحولات البيولوجية والغريزية —مثل الهدير وطلب النوق— وتأويلها الحواري في النص: “ فصار يهدر ويطلب النوق. تذكر رعد شيئاً فسأله : وهل هو يشبهك هنا كما يشبهك هنا ؟!” لتترافق مع موازنة دقيقة في السِّمن والُهزال والتكيف مع القيود: “ نحن مثل جمالنا نسمن وننهزل، وتألف القيد مكرهة ونحن لا نألفه مثلها حتى وإن كنا نعيش في قيود كثيرة”؛ وهو ما يجعل من سلوك الإبل مرآة حية تعكس أحوال الراعي وتحولاته الداخلية. وهذا الانعكاس من الإمكانيات السيميائية لعنصر من عناصر البيئة (الجمل). ويكتمل التحليل باستجلاء نظام النمذجة الثالثي على المستوى المعرفي والتحول الوجداني؛ ويظهر بقدرة النص على تجاوز الوسيط اللغوي ليعيد صياغة الرؤية المعرفية للعلاقة بين الإنسان والجمل، فينتج عنه إسقاط التمايز الحاد بين الثقافتين البشرية وغير البشرية داخل الفضاء الجمالي للنص، وذلك من خلال علامتين: -تظهر الإبل بوصفها المحرك الأساسي لتحولات الراعي العابرة لأماكن شتى، وليس موضوعًا خارجيًا مسخّرًا للراعي: “وأن المتعة التي تجلبها له ستقلب حياته، ليس المتعة وحسب وإنما العثور على ذاته أيضا بتعبيره الحرفي ... وأن كل تحولاته بالإبل إلى أماكن شتى في المملكة قادته إلى خلاصة واحدة”. -كذلك تمتلك الإبل منظومتها الانفعالية الخاصة المستقلة عن سلطة الإنسان، فيظهر تفاعلها المستقل مع تقلبات المواسم والفضاءات: “ تفرح الإبل بالربيع وتشعر بالضيق إذا انتهى موسمه، تتذمر من الريح الشديدة، تحب فلاة دون فلاة، وترتاح إلى راع دون آخر”، لتبث بهجة حيوانية فريدة تتشاركها مع الراعي، مما يُسقط المركزية البشرية، ويُقر بفاعلية الكائن غير البشري في إنتاج المعنى والوجود. إن التكامل بين نموذجي النمذجة (النبات والإبل) في رواية “نار المَرْخ” يؤكد على قدرة التحليل البيوسيميائي على إسقاط التمايز الحاد بين الإنسان والطبيعة؛ فمن الأشجار التي تحررت من مركزية اللغة البشرية وشرحت نفسها بنفسها في الصحراء، والإبل التي مارست فاعليتها عبر البروك والتدفئة، واستجابة الحبور، والوعي البيئي المستقل، منهما يتحول الهامش البيئي نباتًا وحيوانًا إلى مركز حيوي فاعل يمنح الوجود الإنساني دفئًا وشرحًا وأمانًا يعجز العالم البشري المكتوم والمتكتم عن تقديمه. *أكاديمي، جامعة المجمعة.