في أثناء عملي في التلفزيون، كنت أزور صديقي الرسام المبدع سعد العبيد يرحمه الله في مرسمه هناك، وهو يرسم لوحاتٍ لتكون خلفياتٍ لمختلف البرامج، ومنها بعض برامجي؛ فكنت أحدثه عن فن الرسم واللوحات الجميلة في متاحف باريس ومقار بعض الرسامين العالميين المشهورين، ولا سيما الرسام الفرنسي الشهير كلود مونيه (Claude Monet)، مؤسس المدرسة الانطباعية ورائدها، والذي يقع بيته بين باريس ومدينة روان (Rouen) في قرية جيفرني (Giverny)؛ فقال لي: «حتى أنا زرت بعض متاحف باريس عندما كنت هناك في دورة قصيرة في فن الرسم، ولكن حدثني أنت؛ فلربما لديك شيء جديد». ولما كانت أغلب لوحات أخي ابن الرياض الأستاذ سعد تجسد الطبيعة والعمران القديم والحديث في المملكة، فقد قلت له: «ربما أنت تقتدي برسامي الطبيعة، والفرنسي مونيه منهم، ذلك الذي كان من حظي أن زرت منزله ومرسمه في قريته تلك». فبادرني الأستاذ سعد قائلاً: «حسناً، ما سبب اهتمامك بهذا الفن وأنت مذيع؟»، فقلت له: «لقد كنت رساماً في صغري — في المرحلة المتوسطة — ونلت شهادةً تقديريةً من إدارة التعليم بمنطقة الباحة ومن رعاية الشباب؛ لذلك بقي في داخلي رسام». ثم سألني مباشرة عن مونيه وعن متحفه وما رأيته هناك، فبدأت أحدثه؛ وها أنا أسطر لكم — أعزائي القراء — ما قلته عن مونيه: رحلة الى متحف اللوفر لقد عرفت أوروبا، ولا سيما فرنسا، منذ بدايات عصر النهضة بروز مدارس أوروبية متنوعة في الإبداع الإنساني، وبخاصة في فن الرسم؛ فكان هناك مبدعون من مختلف المدارس الفنية تنافسوا فيما بينهم في إبداع لوحات فنية رائعة احتوتها صالات المتاحف الشهيرة مثل اللوفر، وكذلك أسقف وجدران كثير من الجهات الرسمية، ولا سيما البلديات الكبرى (الأمانات) وبعض مقار الجهات الحكومية في هذه البلدان الأوروبية. وأنا عندما كنت أذهب إلى متحف اللوفر (Le Louvre) أو متحف كيه دورسيه (Le Quai-d’Orsay) في باريس، كنت أرى لوحات رائعة لأشهر فناني فرنسا وأوروبا بصفة عامة، تزاحم صالات الآثار المصرية القديمة والآثار الأوروبية وغيرها من آثار قديمة شرقية كانت أو غربية. ولقد كنت أستمتع في كل مرة أذهب فيها إلى تلك المتاحف، فتأخذني اللوحات إلى عوالمها وأجوائها. إن فرنسا مشهورة أكثر من أي دولة أخرى في مجال فن الرسم وإنجاز لوحات فنية ذات قيمة عالمية، وبخاصة ما تحتويه باريس، نتيجة تفردها بالمبدعين في هذا المجال. وإن حي مونمارتر (Montmartre) المرتفع والمطل على باريس لشاهدٌ حيٌّ ومستمر حتى الآن على العشق الغربي، والفرنسي تحديداً، لفن الرسم؛ حيث تجد الفنانين القدامى المتمرسين والهواة الجدد جنباً إلى جنب، يرسمون ويجسدون مناظر طبيعية أو صوراً لأشخاص، مما جعل هذا المكان مقصداً للسياح. مؤسس المدرسة الانطباعية إن محور هذا المقال، الرسام الفرنسي الشهير كلود مونيه، هو في الحقيقة من أهم رسامي فرنسا، وقد أضحى بيته ومرسمه وحديقته مزاراً للسائحين القادمين من مختلف دول العالم. ومونيه هو مؤسس المدرسة الانطباعية في الرسم ورائدها؛ حيث استمد من الطبيعة موضوعات لوحاته المميزة، ولا سيما لوحته التي أنجزها عام 1872م في مدينة لوهافر غرب فرنسا على المحيط الأطلسي، والتي سماها «انطباع، شروق الشمس» (Impression, Soleil Levant)؛ إذ استعمل فيها أسلوباً جديداً لتصوير المشاهد، فكانت سبباً في شهرته بوصفه رائداً للمدرسة الانطباعية. وفي بدايات حياته، التحق مونيه بمدرسة ثانوية للفنون في مدينة لوهافر بمنطقة نورماندي، وكانت أولى رسومه كاريكاتيرية بالفحم يبيعها لرواد شواطئ نورماندي، ثم تعلم بعد ذلك الرسم بالألوان الزيتية وتقنيات الرسم في الهواء الطلق. ولد كلود مونيه (Claude Monet) في باريس في نوفمبر عام 1840م، وعاش في أحضان الطبيعة وكوّن علاقة وثيقة معها، وظل تحت رعايتها — أي تحت نظر الطبيعة ببحيرتها وزهورها التي كانت تحيط به حتى آخر رمق من حياته — حتى توفي عام 1926م بين يدي صديقه رئيس الوزراء، الطبيب والصحفي صاحب جريدة الفجر (L’Aurore)، جورج كليمنصو (Georges Clemenceau). ولقد حفلت حياة كلود مونيه، التي جاوزت 85 عاماً، بالتنقل داخل فرنسا، ولا سيما في باريس وضواحيها وما بين باريس ونورماندي غرب فرنسا، والتنقل كذلك بين المناظر المتنوعة من حدائق ومسطحات مائية وشواطئ بحرية. وقد ترك مونيه إرثاً رائعاً من اللوحات الزيتية التي تجسد الزهور والمناظر الطبيعية الخلابة التي كان يستمتع بها ليلاً ونهاراً. التحق مونيه في شبابه بالخدمة العسكرية وألحق بالجيش، فكان ضمن فرقة أرسلت إلى الجزائر، لكنه لم يستمر طويلاً؛ إذ اعتراه المرض فعاد إلى باريس. كانت عودته من الجزائر إلى باريس سبباً في استئناف ممارسته لفن الرسم؛ فتوطدت علاقته ببعض الرسامين الشباب من أمثال أوجست رينوار (Auguste Renoir)، وكاميل بيسارو (Camille Pissarro)، وألفريد سيسلي (Alfred Sisley)، وآخرين. وخرج في عام 1874م مع عدد من أصدقائه لرسم الطبيعة في غابة فونتينبلو (Fontainebleau) في ضواحي باريس. ولكن عندما نشبت الحرب بين فرنسا وبروسيا، غادر إلى بريطانيا، وهناك استمر في رسم المناظر الطبيعية في حدائق لندن. وخلال ذلك العام، أي 1874م، أقيم المعرض المستقل الذي ضم الأعمال المرفوضة؛ حيث كانت قد رفضت لوحاته ولوحات صديقه رينوار في الصالون الرسمي، فكان لذلك المعرض فضلٌ كبير في دخول فن الرسم والتصوير مرحلة الحداثة، أو ما عرف بالانطباعية. واستمر كثيرٌ من أصدقائه الرسامين يزورونه في بيته في جيفرني ويقيمون معه بعض الوقت، من أمثال: رينوار، وسيسلي، وديغا (Degas)، وويلارد ميتكالف (Willard Metcalf)، ولويس ريتر (Louis Ritter)، وثيودور ويندل (Theodore Wendel)، وجون ليزلي بريك (John Leslie Breck)، وغيرهم. مائتا مشهد للضاحية وقبل أن يستقر مونيه في جيفرني (Giverny) بصفة دائمة، أقام هو وعائلته بدءاً من عام 1871م في ضاحية أرجنتوي (Argenteuil) شمال غربي باريس. وخلال السنوات الست التي أمضاها هناك، رسم قرابة 200 مشهد للضاحية ومحيطها. وتعد هذه اللوحة واحدة من 18 لوحة قماشية جسد فيها شتاء عامي 1874–1875م الثلجي؛ حيث يظهر شخص وهو يسير بجهد متئد على طول الطريق متجهاً نحو محطة السكة الحديدية القريبة، في حين تقود آثار العربات المرتسمة على الثلج عين المشاهد نحو الأفق الضبابي. إن غاية مونيه في هذه اللوحة هي التعبير عن «الأجواء» ذاتها؛ إذ تتوهج سماء الظهيرة الملبدة بالغيوم ببريق خافت مع غياب الشمس. وتعكس ألوان اللوحة المكونة من الأبيض والأزرق والرمادي، والتي تلطفها لمسات من الوردي، برودة المشهد وسكونه. أما طبقات الطلاء الكثيفة على الطريق في مقدمة اللوحة فتمنح الثلج ثقلاً ملموساً، مما يذكرنا ببراعة مونيه الفائقة في تحويل المشهد المناخي العابر إلى جمال فني خالد. وفي عام 1883م، قرر كلود مونيه شراء منزل في قرية جيفرني — كما أسلفنا — يقع على مرتفع جميل وتحيط به بحيرة بديعة استوحى منها موضوعات بعض لوحاته. وقد أضحى ذلك المنزل مع حديقته البالغة مساحتها 8100 متر مربع مقراً لسكناه ومرسمه في آن واحد، وصار من بعد مزاراً ومقصداً سياحياً عالمياً يستقبل سنوياً ما يزيد على نصف مليون زائر. علاقته الحميمة بالزهور استلهم مونيه في رسومه عناصر المعمار والطبيعة والماء والأشجار والبحيرات وانعكاسات الضوء، ولم يركز على شخوص الناس. ففي مقابلة أجريت معه عام 1895م، قال مونيه: «قد يرسم البعض جسراً أو قارباً، أما أنا فأرسم مع المكان الهواء الذي يحيط به أو بالبيت، وأرسم الجمال المضيء الذي يكتنفه». وبذلك يتضح من مسيرة مونيه أن زهور حديقته والمسطحات المائية المحيطة بمنزله قد صنعت منه فناناً قديراً؛ إذ جسد جمال الطبيعة، وقد أكد ذلك في مقولته الشهيرة: «أنا مدين للزهور بكوني أصبحت رساماً»؛ وبهذه العبارة لخص مونيه علاقته الحميمة بالزهور. وفي عام 1914م، انكبّ مونيه على رسم الزهور، ولا سيما سلسلة «زنابق الماء» (Water Lilies)، وكان عمره آنذاك قد جاوز 74 عاماً، وبدأ بصره يضعف، ومع ذلك كان يجلس وسط حديقة منزله في جيفرني ليرسم الزهور دون كلل أو ملل، ولم يكن يرنو إلى شيء سوى الاستمتاع بالهواء الطلق والزهور البديعة وهو يحتسي الشاي الدافئ، ويشاهد فتيات المنازل المجاورة يتجولن في حديقته. ومع نهاية عام 1918م، أنجز لوحتين جداريتين ضخمتين تعبران عن السلام عقب انتهاء الحرب، وأراد إهداءهما إلى وطنه فرنسا عبر صديقه كليمنصو، ولكن لم يتحقق عرضهما في حياته، بل وضعتا بعد وفاته عام 1926م في متحف أورانجيري (Musée de l’Orangerie). أربعمئة لوحة عن الزهور إن مونيه، الذي رسم ما يربو على أربعمئة لوحة عن الزهور، لم تكن أعماله تلك مجرد نتاج لرجل أرستقراطي يعيش في حديقته الغنّاء ولا يدري شيئاً عن مكابدة الحياة، بل على العكس؛ إذ كان قد فجع بوفاة ابنه الأكبر وزوجتيه وأخلص أصدقائه، وأمسى طاعناً في السن، وحيداً، وعليل البصر. والحق أن الفنان الفرنسي كلود مونيه صنف بوصفه أحد أبرز الرسامين في تاريخ الفن التشكيلي الحديث، فهو مؤسس المدرسة الانطباعية ورائدها بفضل لوحته الشهيرة «شروق الشمس» (Soleil Levant)، ليغدو اسمه منقوشاً بأحرف من ذهب في تاريخ الفن الفرنسي والعالمي. ولقد ركزت مدرسته على تدرجات الضوء واللون، وألغت الحدود الجامدة بين الرسم والتلوين. وكانت الطبيعة تحيط به وببيته على الدوام، بل قضى سائر وقته بين أحضانها، فكان مرسمه ملتقى الماء والزهور، حتى لكأنما احتفظت به الطبيعة لنفسها؛ وهو ما جعله يعتزل الناس متفرغاً للرسم، ومع ذلك عرف بانفتاحه على الحضارات والثقافات المتنوعة، وشهد التحولات الاجتماعية والفكرية الكبرى التي عاشتها بلاده وأسهمت في انطلاق حركات الحداثة الفنية على مستوى العالم. ولقد كان المعرض السالف ذكره، الذي أقيم عام 1874م، مختلفاً بكل ما تعنيه الكلمة؛ إذ عرض فيه مونيه لوحته التاريخية «انطباع، شروق الشمس» التي تصور ميناء لوهافر في ضباب الصباح. والمقام لا يتسع لسرد روائعه ومبالغها الباهظة، إذ ناهز سعر إحداها 81 مليون دولار، بل إن ثمة لوحة أخرى هي «لوحة الرحى» أو «أكوام القش» التي ظل سعرها حديث الأوساط الفنية؛ إذ بيعت في دار سوذبيز (Sotheby’s) في نيويورك وقيل إن سعرها تخطى حاجز 110 ملايين دولار. وكان مونيه شديد التعلق بالطبيعة، وقال قبيل رحيله: «عزائي الوحيد في هذه الدنيا هو وقوفي مباشرة أمام الطبيعة، ولقد سعيت من وراء ذلك إلى تصوير انطباعاتي عن تلك اللحظات سريعة الزوال». الحفاظ على البيت والمتحف وعقب وفاة كلود مونيه، تعرض البيت والمتحف وحديقته الغنّاء لشيء من الإهمال والنزاع بين الورثة، وأغلق لفترات؛ لذا بادر ابنه ميشال إلى إنقاذ إرث والده بالتبرع بالمنزل والحديقة لأكاديمية الفنون الجميلة عام 1966م. وفي عام 1977م، عين قيّمٌ على المكان يدعى أندريه دوفيليه (André Devillers)، فاستعان بالبستاني الشهير جورج تروفو (Georges Truffaut)، الذي كان وثيق الصلة بمونيه في شبابه، لإعادة الحديقة إلى سيرتها الأولى؛ فأعيد إحياء معالمها وزرعت الأزهار نفسها في مواضعها القديمة، وجددت البحيرة بزنابق الماء، وثبتت الرسوم القيمة داخل منزله حيث كانت في عهده. وقبيل فتح الحديقة للجمهور، حددت مسارات تتيح للزائرين معاينة الحديقة من مختلف الزوايا دون الإضرار بالزهور؛ خشية أن يندفع محبو الانطباعية إلى قطف زهرة من حديقته بوصفها شيئاً من عبق تاريخ الفن. وبهذا الصنيع من ابن مونيه، قيّض للمتحف والحديقة البقاء أمام عاديات الزمن، ليظلا مزاراً يستمتع قاصدوه بجمال الطبيعة وعبير الأزهار الفواحة. إن فرنسا تستحضر دائماً ذكرى كلود مونيه، ومع اقتراب مرور قرن على رحيله (1926–2026م)، يستعد القائمون على متحفه لتنظيم احتفالية كبرى عبر معرض استعادي في متحف أورانجيري (Le Musée de l’Orangerie) يتناول «العلاقة بين اللوحة والزمن». فقد عرف مونيه بأنه رائد الانطباعية التي تتخذ من الهواء الطلق فضاءً لاقتناص اللحظة وتحويلها إلى أثر خالد. وقد واكب مونيه تحولات عصره المرتبطة بمفهوم الزمن والسرعة التي أفرزتها الثورة الصناعية ووسائل النقل، وهو ما تجلى في لوحته الشهيرة «صباحية على نهر السين» (Matinée sur la Seine) المرسومة بين عامي 1896 و1897م. وجدير بالذكر أن المعرض المزمع تنظيمه في باريس سيقام في الفترة من 30 سبتمبر 2026م حتى 25 يناير 2027م في متحف أورانجيري، يليه معرض في بريطانيا في الفترة من 25 فبراير حتى 27 يونيو 2027م في متحف الفن المعاصر (Tate Modern) في لندن. ختاماً، لقد كان من حسن طالعي أن زرت منزل مونيه ومتحفه إبان عملي في الحقل الإعلامي، وتكررت زيارتي له إثر انتقالي إلى وزارة التعليم والعمل في المندوبية الدائمة للمملكة لدى اليونسكو، حيث كنت أصطحب نخبة من زملائي في أثناء تغطية أعمال المجلس التنفيذي والمؤتمر العام، وهو ما يؤكد أننا في مجتمعنا السعودي نملك ذائقة رفيعة تقدر الفنون التشكيلية الراقية سواء في الداخل أو في المحافل الدولية. *إعلامي ومترجم.