حمزة شحاتة (رائد نقدي فكري شعري فلسفي)..
ريادة إبداعية تجلت في أشعاره وكتاباته النظرية.
الشاعر حمزة شحاتة من جيل الروّاد الذين يشار إليهم بالبنان؛ والريادة -هنا- لا تعني أوليّة البدء؛ فالريادة تعني الشروع في التحوّل إلى منحىً جديد أو انعطافٍ جذريّ في اتجاه التطوّر. ولم يكن حمزة شحاتة مجرد شاعر مؤثر موهوب فحسب؛ بل كان فيلسوفاً ومفكراً صاحب رؤية جديدة لماهية الشعر والنزعة الإنسانية العميقة، ودوره مشهود وفلسفة الإبداع لديه غير منكورة. وثمة من يرى أنه وكوكبة من مجايليه من الشعراء: محمد حسن عواد، وأحمد قنديل، ومحمد حسن فقي يمثّلون قاعدة انطلاق لمنحىً إبداعيّ جديد في الشعر العربي السعودي، ولكنني ربما لا أجانب الصواب إذا رأيت أنه يتميز (ليس من باب التفوّق أو التفاضل) بأن له تصوّره الفكري الخاص الذي تبدّى في شعره وأطروحاته في كتبه النثريّة؛ ففي قصائده عمق تأمليّ ينزع إلى التوسّع في قراءة الذات وسبر أغوارها الإنسانية وكينونتها النفسية، وإطلالة اجتماعيّة متقصّية للمجتمع والوشائج التي تمثّل طبيعة السلوك البشري؛ فكما هو معروف في مفهوم الشخصية لدى أصحاب الاختصاص في علم النفس والفلسفة: «الشخصية مجموعة علاقات»، ففي علم النفس يرى هاري ستاك سوليفان أن الشخصية نمط من العلاقات الشخصيّة المتكرّرة، وفي الفلسفة يرى كارل ماركس الجوهر الإنساني مجموع العلاقات الاجتماعية. ولقد كان حمزة شحاتة يمتلك ما يشبه النظرية؛ فهو يرى أن الشعر ليس مجرد قريحة موهوبة فحسب، بل هو صناعة، وهو بذلك يقترب من مفهوم الجاحظ في كتابه «الحيوان»: “فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير”، ويقول حمزة شحاتة: “فالشاعر إذاً؛ صاحب صناعة فنية، مثالية، رفيعة”، وفي موضع آخر يقول: “والشعر؛ على ما يبدو أنه الصحيح؛ كلام وصناعة وفن”. وحين صدر كتاب «شعراء الحجاز في العصر الحديث» لعبد السلام طاهر الساسي، كتب حمزة شحاتة مقدّمته النقديّة وضمّنها رؤيته لطبيعة الشعر وصلته بالفنون الأخرى، وقد وصف عاصم حمدان هذه المقدمة بأنها بيان شعري؛ فالشعر لديه صناعة وليس مجرد انفعال: يقارن شحاتة الشاعر بالنّحات والبنّاء، ويجعل اللغة -التي هي مادة أولية- يعيد الشاعر صياغتها بما يجعلها ناطقة بمشاعره وأحاسيسه ورؤيته للحياة، والجمال هو الذي يبتغي الشاعر أن يتجلّى في شعره؛ فهو أقرب إلى مقولة: (الجمال غاية العمل الفني)، ومن هنا يمكن إدراجه في إطار ما يعرف بالمدرسة الجمالية، وليس (البرناسيّة) التي ترى أن الفن للفن فحسب؛ فالنظرية التي ترى أن غاية الشعر هي الجمال في ذاته، وأن قيمته تتحقّق بما يبدعه من متعةٍ جماليّة لا بما يقدمه من منفعة أخلاقية أو تعليمية أو اجتماعية، تُعرف في النقد الأدبي باسم البرناسية، وتقوم هذه النظرية على مبدأ أن الشعر غاية في ذاته، وليس وسيلةً لغاية خارجة عنه؛ فليست مهمة الشاعر الأساسية الوعظ أو التعليم أو الإصلاح الاجتماعي، وإنما إبداع الجمال بالكلمة والصورة والإيقاع والخيال. وأصحاب هذا المذهب كثر لا يتّسع المجال للحديث عنهم تفصيلاً، ومنهم فيكتور كوزان الأديب الفرنسي، وتيوفيل غوتيه، وإدغار آلان بو، وأوسكار وايلد، وربما كان أكثرهم شهرة بودلير في ديوانه «أزهار الشر» صاحب مقولة: “الجمال هو المجال المشروع الوحيد للقصيدة”. ولم يكن حمزة شحاتة ليقتفي أثره، ولسوف أوضح ذلك؛ ولكنني أود أن أشير إلى أن رؤية حمزة أقرب وأوثق إلى لغة النقاد العرب القدامى أمثال الجاحظ صاحب المقولة الشهيرة: “المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، والمدنيّ... فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير: إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وصحة الطبع، وجودة السبك” كما ورد في كتابه «الحيوان»، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، الطبعة الثانية، القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1385هـ/1965م، الجزء الثالث، ص 131–132. ويمكن تلخيص نظريته الجمالية في الشعر في ثلاثة عناصر: المادة اللغوية، والقدرة على تشكيلها، والأثر الجمالي الناتج عنها. وهنا تتحدّد قيمة الدليل التاريخي: إننا أمام تصوّر نقدي مكتوب ومنشور في منتصف القرن العشرين، ضمن مرحلة مبكرة من تشكّل النقد الأدبي السعودي الحديث، والدليل النصي من كلام حمزة شحاتة فيما نشرته صحيفة الوطن السعودية في 15 أكتوبر 2020م نصاً منسوباً إلى حمزة شحاتة بعنوان «الشعر صناعة فنية مثالية رفيعة»، يتضمن عبارته الصريحة: (فالشاعر إذاً؛ صاحب صناعة فنية، مثالية، رفيعة). ويقرر في موضع آخر: “والشعر؛ على ما يبدو أنه الصحيح؛ كلام وصناعة وفن”. هاتان العبارتان دليل نصّيّ مباشر على أن شحاتة يربط الإبداع الشعري بالصناعة الفنية، فلا يجعل الموهبة أو الانفعال وحدهما كافيين لتفسير حقيقة الشعر. والأعمق من ذلك أنه يفرّق بين المتحدث والخطيب والكاتب والشاعر، ويمنح الشعر منزلة فنية خاصة؛ لأنه يعيد تشكيل مادة اللغة في صور أغنى بالخيال والرمز والمعنى. وهذا تفريق نظري مهم؛ فاللغة عنده مادة مشتركة بين فنون القول، ولكن الطريقة التي يصوغ بها الشاعر هذه المادة هي التي تمنح الشعر خصوصيته الجمالية. وقد عثر على المقدمة كاملة ضمن الجزء الثالث (النثر) من «الأعمال الكاملة للأديب حمزة شحاتة»، في مكتبة الاثنينية، وهي تنص صراحة على مصدرها الأصلي: كتاب الساسي، مطبعة دار الكتاب العربي، القاهرة، 1951م. وفيها ثلاثة أدلة نقدية حاسمة: الشعر صناعة وليس مجرد انفعال: يقارن شحاتة الشاعر بالنحات والبنّاء، ويجعل اللغة مادة أولية يعيد الفنان تشكيلها. الأسلوب معيار الشعرية: يقول: «إن الأسلوب قوام الشعر»، وبذلك يجعل طريقة الصياغة والتشكيل أساساً للتمييز الفني. الجمال غاية العمل الشعري: يقرر أن «الشعر موضوعه وغايته الجمال والتأثير»، فيربط قيمة القصيدة بأثرها الجمالي لا بمجرد موضوعها. وهذا يعني أن تصوّره يقوم على تضافر ثلاثة عناصر: المادة اللغوية، والقدرة على تشكيلها، والأثر الجمالي الناتج عنها؛ أما الدليل النقدي المباشر فيكمن في كتاب «مضايق الشعر: حمزة شحاتة والنظرية الشعرية» لحسين محمد بافقيه، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012م، إذ يرى بافقيه أن شحاتة سبق كثيراً من الاتجاهات النقدية السائدة في عصره، حين نقل مركز النظر من عاطفة الشاعر إلى قدرته على صناعة النص الفني، وعدّ مقدمته من الإرهاصات المهمة في النقد العربي الحديث، ورأى تقارباً بين رؤيته وبعض تصورات فلاسفة الجمال والنقاد المحدثين. ويمكن القول إن حمزة شحاتة قدّم في مقدمته لكتاب «شعراء الحجاز في العصر الحديث» (1951م) تصوراً نقدياً مبكراً للشعر يقوم على اعتباره صناعة فنية تتجاوز التعبير الوجداني المباشر؛ فقد جعل من الأسلوب والقدرة على تشكيل المادة اللغوية أساساً للتميز الشعري، وربط قيمة العمل الإبداعي بتحقيق الجمال والتأثير، ويكشف هذا التصور عن وعيٍ نقديّ مبكر يلتقي مع بعض المفاهيم الجمالية الحديثة التي تمنح التشكيل الفني أولوية في تحديد شعرية النص، وهو ما أعاد حسين محمد بافقيه دراسته في كتابه «مضايق الشعر» سنة 2012م. أما فيما يتعلق بما أحدثه في الشعر من رؤى جديدة على الرغم من التزامه بالعمود الشعري التقليدي، فيتمثل في تجاوزه للغرضية التقليدية إلى العمق النفسي والفكري، كما في قصيدته (جدة) التي احتفى بها النقد: النهى بين شاطئيك غريق والهوى فيك حالمٌ ما يفيق فالمدينة هنا ليست محوراً للوصف الشكلي التقليدي؛ بل نافذة يطل بها على عالمها الخفي وما تنطوي عليه من أبعاد حضاريّة وثقافيّة وما تؤثره في النفس؛ ولعل ذلك لم يكن كل ما في الأمر بشأن الريادة؛ فمثل هذا النهج كان حاضراً في شعر الرومانسيين بعامة؛ وعمل الشاعر على تأكيد حضوره على نحو تأمليّ عميق في إطار نزعته النفسيّة العميقة التي تميّز بها في رؤيته شعراً ونثراً. ومن أبعاد الرؤية التحديثيّة التي أسهمت في اعتبارات الريادة التي ينسب إليها: انطلاقه من الانطباعية العابرة إلى العمق التأملي الذي يلامس مفهوم الشعريّة في بعده الفلسفي ضمن توجّه عام لدى مَن جايله من الشعراء الذين تبنّوا رؤية تحديثيّة للإبداع الشعري، وخصوصاً الشاعر محمد حسن عواد في كتابه «خواطر مصرّحة» الذي صدر سنة 1926م؛ إذ كانت جهوده إضافة من شأنها تعميق هذا النهج في النظر إلى مفهوم الشعرية. ومن مظاهر الريادة التي تتجاوز المفاهيم النقدية المتعلقة بالشعر والإبداع موقفه الفلسفي؛ إذ ذهب بعيداً في مساءلته للخطاب الأدبي بعامة، فاختطّ نهجاً ثقافياً فلسفياً يلامس بعمق السائد والمألوف في المداولات الثقافية والرؤى في أبعادها الأخلاقيّة التي كانت تقتصر على البعد التعليمي التربوي القائم على الوعظ والتقليد، وصولاً إلى النقد التأصيلي للمفاهيم السائدة وفق تأصيلٍ فلسفيّ يتجاوز النزعة الوعظيّة، وذلك في محاضرته الشهيرة “الرجولة عماد الخلق الفاضل” التي ألقاها في أواخر الثلاثينيات الميلادية. وقد بدا واضحاً في هذه المحاضرة التأصيلية أنه يطرح مفاهيم متجاوزة للمألوف في الخطابات التربوية التقليدية بما تضمنته من مبادئ؛ إذ عمدت إلى إعادة تعريف مفهوم الرجولة؛ فهو يرفض اختزال الرجولة في التكوين الجسدي أو التمييز البيولوجي بين الرجل والمرأة، ويجعلها قيمة أخلاقيّة ونفسيّة تتجسّد في قوة الشخصية واستقلال الإرادة والقدرة على تحمل المسؤولية، وعرّف الرجولة بوصفها القوة الداخلية التي تمكّن الإنسان من ممارسة الفضيلة والدفاع عنها، وعمد إلى الإيغال في المفاهيم الفلسفيّة المتعلقة بذلك؛ فلجأ إلى البحث المعمّق في نشأة الفضائل والرذائل، ومنظومة القيم الأخلاقية في المجتمعات الإنسانية، وجعلها متّصلة باحتياجات الاجتماع البشري والمنافع والمصالح، وربط المفاهيم المتصلة بها بالأعراف السائدة والسياقات التاريخية الاجتماعية والمتغيّرات المرتبطة بها، وبرزت النزعة الانتقاديّة لما هو سائد من زعم التمسك بالفضائل لغايات السمعة والشهرة بعيداً عن تلك الحقائق الجوهرية الأصيلة التي تنبثق عن ضمير حيّ وإيمان عميق. وقد عمد حمزة شحاتة إلى التأسيس والتأصيل، فحدّد عناصر ثلاثة للرجولة تتمثل في: القدرة على ضبط النفس، والسمو الروحي، والرحمة، والنبل، ثم الالتزام بالعدل، والتمسك بالمبادئ والمثل؛ ثم أشار إلى أصول الفضائل وفي مقدمتها: الحياء، ومجاهدة النفس، والرحمة، والعدل الذي يتصل بسلامة العقل؛ وهنا يؤكد ارتهان الصحة النفسية للصحة الجسدية، مشيراً إلى مجاهدة النفس في إشارة ضمنيّة إلى الرؤية الإسلامية التي جعلت الجهاد الحقيقي يتمثل في مجاهدة النفس ومغالبتها؛ وقد أعلى من قيمة الحياء؛ فهو يعتبر الحياء وثيق الصلة بالأصول الأخلاقيّة الكبرى؛ ولم يغفل الصلة بين الفضائل الأخلاقية والعقيدة الإسلامية كما وردت في كتاب الله العزيز، وأشار إلى حب الوطن واعتباره من الفضائل الكبرى. وبدت النزعة الانتقادية واضحة في محاضرته تلك حين استنكر استغلال القوة والثروة والنفوذ وتحويلها إلى وسائل للهيمنة والكسب والتسلط، وتتميّز هذه المحاضرة بكونها ذات طابع فلسفي عميق، ونزعة نقديّة تحليليّة إصلاحية، وجرأة فكرية. وعوداً إلى بدء، فإن الريادة فيما يتعلق بأدب حمزة شحاتة تمتد إلى البعد الجمالي الفني في شعره، وخصوصاً فيما يتصل بالطابع الرمزي والتشكيل الدرامي، ويتضح ذلك في قصيدته «ماذا تقول الشجرة لأختها»، وهي قصيدة طويلة تتكوّن من ستة وخمسين بيتاً تضمّنها ديوانه «شجون لا تنتهي» في طبعته الجديدة، وقد توقف عندها واهتم بها الدكتور عزت خطاب؛ فالحوار بين الشجرتين كما ورد في القصيدة يجسّد الدراما الفكرية الإنسانية متمثلة في الصوتين المنبثقين عن الشجرتين، وهنا يكمن البناء الرمزي بوصفه تمثيلاً لما يعرف اصطلاحاً بـ(الأليجوريا) التي تتحدّد عبرها الرمزية بوضوح؛ فكل عنصر يمثل صوتاً محدداً لفئة اجتماعية بعينها وترجمتها بالعربية: (الأمثولة الرمزية)، وكذلك حضور البوليفونية (تعدد الأصوات) المستعارة من أدبيات الرواية؛ فقد تخطى الشاعر في هذه القصيدة الذاتية الغنائية والنهج الوجداني كما تمثل في القصيدة الرومانسية العربية. وفي إطار ريادته الأدبية الإبداعية تجاوزه للقصيدة الغزلية التقليدية في قصيدته «غادة بولاق»، وهي قصيدة مطوّلة تجمع إلى البعد الوجداني النكهة التاريخية في ارتباطها بالمكان وعالمه وبيئته، وقد تناولها الناقد العربي المصري مختار الوكيل في مقدمتها، وأشار إلى ما تميزت به من مزج العاطفة الغنائية بالتاريخ والطبيعة والخيال؛ فالبعد الجمالي الفاتن للمرأة لا يأتي بمعزل عن الفضاء المحيط بها، والصورة الشعرية تتشكّل عبر شبكة من العلاقات بين الإنسان والطبيعة والتاريخ؛ فثمة إثراء للعالم المحيط بالمعشوقة وارتباطاتها وخصوصية انتمائها. وثمة توثيق واعتراف من مجايليه ومن جاء بعدهم بقيمته الريادية ومكانته الأدبية؛ فقد أدرج مع محمد حسن عواد وأحمد قنديل في كتاب عبد السلام الساسي «الشعراء الثلاثة» الصادر سنة 1368هـ، قبل انتشار مجموعاته الشعرية المستقلة بعد وفاته، ويعني ذلك أن الاعتراف بمكانته جاء في سياق الحركة الأدبية المعاصرة له، وليس نتيجة اهتمام النقاد المتأخرين وحدهم، فضلاً عن مشاركته في السجالات الأدبية مع محمد حسن عواد، ولا سيما ما شهدته صحيفة (صوت الحجاز) في ثلاثينيات القرن الماضي؛ وهذه السجالات دليل على حضوره في مناقشة قضايا الأدب والتجديد، وإن لم تكن وحدها دليلاً على التفوق الفني أو السبق التاريخي. وثمة سؤال بالغ الأهمية: هل أثّر في الشعراء الذين جاؤوا بعده؟ ربما لا يكون بمقدور الباحث أن يرصد تأثيراً مباشراً له في شعراء الأجيال التالية، وتعليل ذلك يكمن فيما أشار إليه الناقد الدكتور عبد الله المعيقل من أن إقامة شحاتة خارج المملكة وتأخّر نشر كتبه إلى ما بعد وفاته حدّا من تأثيره المباشر في الساحة الأدبية، وأعتقد أن ما قاله هو الصواب عينه. ولعل فيما ذهب إليه الرأي الذي مفاده أن أهم ما يميز حمزة شحاتة ليس أنه كتب شعراً جديداً فحسب، وإنما لأنه امتلك وعياً متقدماً بالسؤال: ما الذي يجعل الشعر شعراً؟ وهذا يمسّ جوهر النظرية الشعرية. ثمة توازن بيّن بين ما ذهب إليه حمزة شحاتة في تنظيره النقدي وإبداعه الشعري، مؤكّداً أن الشعراء الأصلاء يفعلون ما يقولون، وتلك سمة الأصالة والصدق؛ ولعل ما يمكن أن نذهب إلى تأكيد صدقيته يتمثّل في أن ريادته تجلّت في مقدمته لكتاب «شعراء الحجاز في العصر الحديث» بوصفها تعبيراً عن وعيه النظري كما أشرت من قبل، وفي قصيدته «ماذا تقول شجرة لأختها» بوصفها تجربة في التشكيل الدرامي، و«غادة بولاق» بوصفها تجربة في بناء الصورة الشعرية الممتدة كما يصفها النقد الحديث. ولعله من الأهمية بمكان أن أشير إلى أن أعماله الكاملة التي صدرت سنة 2010م عن اثنينية عبد المقصود خوجة -ضمن مشروع جمع أعمال الشاعر الشعرية والنثرية وتوثيقها- هي الأشمل والأوثق؛ أما أعماله الفكرية والنثرية، مثل «الرجولة عماد الخلق الفاضل» و«رفات عقل» و«حمار حمزة شحاتة» و«إلى ابنتي شيرين»، فهي تستلزم بحثاً مطوّلاً؛ فكتابه «رفات عقل» هو مجموعة من الخواطر والشذرات الفلسفية والتأملات النفسية والإنسانية، جمعها عبد الحميد مشخص، وصدرت عام 1980م. ويتناول الكتاب قضايا العقل والحرية والأخلاق والحب والطبيعة الإنسانية، ويكشف عن صراع الإنسان بين مبادئه وواقعه، وبين طموحاته وقيود المجتمع، ويتميز بعمق التأمل، والنزعة النقدية، والسخرية الذكية، واللغة المكثفة ذات الطابع الأدبي والفلسفي، وتكمن أهميته في أنه يكشف الجانب الفلسفي في منجزه النثري الفكري بوصفه مفكّراً مستقلاً، مدركاً بعمق للتناقضات المسلكية والنفسية والاجتماعية للبشر. وقد حظي الشاعر والمفكر السعودي حمزة شحاتة باهتمام نقدي كبير، امتد من الدراسات التعريفية والتاريخية إلى المناهج البنيوية والتفكيكية والتأويلية والأسلوبية، ومن أهمها كتاب عزيز ضياء «حمزة شحاتة: قمة عرفت ولم تكتشف» (1977م)، ويعد هذا الكتاب من أقدم الأعمال المستقلة عن حمزة شحاتة، وله أهمية استثنائية؛ لأن عزيز ضياء عرف الشاعر معرفة شخصية وعايش جانباً من حياته الأدبية، ولعل أهم ما ذهب إليه إبراز المفارقة بين شهرة شحاتة بين معاصريه ومحدودية التعرف إلى مجمل إنتاجه الأدبي، وهو مصدر تاريخي وشهادة مباشرة تساعد على فهم تكوين الشاعر وعلاقاته ومواقفه الفكرية. وأشير بتواضع إلى البحث الذي قدّمته في ملتقى قراءة النص عن «الموقف الفكري وجماليات الشعر عند حمزة شحاتة»، وهو قراءة نقدية في جدلية الرؤية الفلسفية والتشكيل الفني، وتقوم تجربة حمزة شحاتة على علاقة وثيقة بين الفكر والإبداع؛ فهو لم يكن شاعراً يعبّر عن مشاعره وحدها، وإنما كان صاحب رؤية أخلاقية وفلسفية يتطلع من خلالها إلى إعادة النظر في الإنسان والمجتمع والحرية والقيم، وتتمثل الإشكالية النقدية المركزية في شعره في السؤال الآتي: هل استطاع أن يحوّل أفكاره الفلسفية والأخلاقية إلى بناء شعري جميل، أم أن الفكر طغى أحياناً على التجربة الجمالية؟ وهي الإشكالية التي تناولتها مباشرة في قراءتي النقدية عن «أثر الموقف الفكري في جماليات القصيدة عند حمزة شحاتة» المنشورة في مجلة علامات في النقد، العدد الستين، يونيو 2006م، ص 526 وما بعدها. وهناك العديد من الدراسات التي قدمت حول حمزة شحاتة، منها: ما كتبه الدكتور عبد الله الغذامي في كتابه «الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية» (1985م)، وهو من أهم الأعمال النقدية التي تناولت شعر حمزة شحاتة؛ إذ كان المحور التطبيقي لنظرية الدكتور الغذامي، حيث اتخذ تجربته نموذجاً لتطبيق المناهج النقدية الحديثة، واهتم بالبنية النصية والعلاقات الدلالية والرمزية بما يتناسب مع رؤيته المنهجية الحديثة التي أحاطت بالبنيوية والتشريحية وغيرهما خبراً، وأهميتها أنها نقلت دراسة شحاتة من الانطباعات التقليدية إلى التحليل النقدي المنهجي الذي أثار جدلاً نقدياً واسعاً حول المنهج الذي اتبعه الكاتب. وهذا الكتاب من الأهمية بمكان يستحق دراسة مستقلة حول ما جاء فيه. وكذلك دراسة عبد الفتاح أبي مدين «حمزة شحاتة: ظلمه عصره» (1998م)، وقد تناولت شعر شحاتة ونثره ومواقفه الفكرية، وعرضت لآراء النقاد فيه، وناقشت منزلته الأدبية، مؤكدة أن إنتاجه لم يحظ بالتقدير الكافي، مع اهتمام خاص بمحاضرته «الرجولة عماد الخلق الفاضل». ودراسة عاصم حمدان «قراءة نقدية في بيان حمزة شحاتة الشعري» (1424هـ تقريباً)، وهي دراسة متخصصة في بيان شحاتة الشعري وخصائصه التعبيرية والجمالية، وتُعد من المراجع المباشرة المهمة لفهم لغته الشعرية، وقد كتب مقدمتها الناقد عبد الله عبد الجبار. ودراسة عادل خميس الزهراني «أدب حمزة شحاتة: دراسة تحليلية» (2006م)، وتعد من أوسع الدراسات الأكاديمية عنه؛ إذ قدمت تحليلاً لحياته والعوامل المؤثرة في أدبه، وسماته الموضوعية، وملامحه الفلسفية، وخصائص لغته وإيقاعه وجمالياته، وتتميز بمحاولة الإجابة عن سؤال جوهري: هل يمكن النظر إلى حمزة شحاتة بوصفه مفكراً فلسفياً إلى جانب كونه شاعراً؟ وهناك العديد من الدراسات التي لا يتسع لها المجال، وحسبي أن أشير في نهاية هذه المقالة إلى أن حمزة شحاتة ظاهرة أدبية نقدية فكرية رائدة تستحق الاهتمام.