هناء حجازي في «طفل الآسبرجر..»..

«أم» في مواجهة القوالب الجاهزة.

كلما مضيت في القراءة، تمنيت لو كنت أقرأ رواية؛ فكمية الإثارة تزيد كلما بدأت سطراً جديداً. أسلوب الروائية والفنانة التشكيلية والكاتبة هناء حجازي الآسر لا يدع للقارئ لحظة لنفس عميق، لكن علم القارئ بأنه يقرأ سيرة ذاتية عن تجربتها مع ابنها المختلف، ومشاعر أم تواجه مجتمعاً لا يقبل إلا الصورة النمطية للبشر، ويواجه المختلف بتصورات شائهة لا تحترم مشاعر أم تحب ولدها، وترى فيه الكثير مما يرفع مستوى الأمل والتفاؤل لديها؛ يبدي بعض الناس تعاطفاً كاذباً، ولا يخفي آخرون ضيقهم بالطفل، ورغبتهم في النأي بالنفس عن التعاطف مع وضع إنساني يتحدى نمطية تفكيرهم. وخلال قراءتك رحلة الأم مع ابنها الحبيب تسبق دموعك دموع الكاتبة، وأنت تحاول أن تنفّس قليلاً عن احتقان مشاعرك المتعاطفة مع هذه الأم التي تنكسر كل يوم أمام مجتمع يفتقر إلى المعلومات، ويفتقر إلى الأسلوب الصحيح في التعامل مع كل إنسان خلقه الله على صورة غير ما اعتادوا عليه. لم تكن المعلومات كافية عند الأطباء؛ يخافون من التعامل مع تشخيص حديث، ويهربون من الحديث إلى الأم والتفاعل معها، وسرعان ما يقفلون خطوط هواتفهم وبريدهم الإلكتروني، حتى لا يستمر التواصل مع أم تحتاج إلى مساعدتهم، وبخاصة مع أم تعرف عن ابنها وحالته ما يفوق ما يعرفونه. أما المدارس والمعلمون فحدث ولا حرج، حين يجتمع الجهل وقلة المعلومات، والحاجة المادية، والرغبة العميقة في التعامل مع الأنماط البشرية المألوفة والابتعاد عن أي تحدٍّ؛ فلا يطيقون التعامل مع أنماط من البشر لا تؤذيهم ولا تتطلب منهم إلا شيئاً من التفهم، بل لا يدعون الفضول يدفعهم إلى التعلم من طلابهم كما تعلموا من تجاربهم التقليدية، فيتحول هؤلاء المعلمون مع الوقت إلى صانعين للإعاقات الذهنية عند أطفال ليسوا من ذوي الاحتياجات الخاصة، يريدون إسقاط المختلف في بئر لا قعر له، حتى لا يواجه المجتمع نفسه بأمانة. ولو أنصف المعلمون لسمعوا من الأم عن الابن، ولقرأوا عن الحالة التي كانت حالة كثيرين ممن كان لهم تأثير في العالم؛ فـ (آسبرجر) الطبيب النمساوي الذي وصف هذا السلوك وأعطاه اسمه كان من هؤلاء، وكذلك إديسون، وأينشتاين، والروائية جين أوستن، وبرنارد شو، وآل غور السياسي الأمريكي؛ فكلهم ظهرت عندهم صعوبات في التعلم وتأكد أنهم من أطفال (آسبرجر)، ولم يقف هذا حائلاً أمام تميزهم. فإذا كان المعلمون يدرسون في كليات تسمى كليات التربية، ورغم ذلك لا يتأهلون لاكتشاف الأطفال المختلفين، وإذا وجدوا طفلاً سلوكه غير نمطي استبعدوه وأهملوه وربما عاقبوه؛ فكيف لا ينتهي به الحال وبعائلته إلى ضياع مركب؟! كان الطفل يبكي رافضاً الذهاب إلى الحضانة، وخلال ساعات الحضانة يبكي كثيراً. وفي الروضة يشتكي معلموه أنه لا يتجاوب مع محاولاتهم لتعليمه القراءة والكتابة، لكن الأم لم تكن تعتقد أن تلك مشكلة؛ فالطفل عنيد إلى حد ما. وفي إحدى المرات كان يلعب مع أطفال الجيران، فقذف حذاء أحدهم من الطابق الثاني، تسترده الأم فيعيد فعله؛ وفي كل مرة يكرر فعله بإصرار، فيتزايد العقاب حتى يصل إلى الضرب الشديد، ويبدو عليه التصميم، لا يبكي؛ حينها أدركت الأم أن الضرب لم يكن علاجاً. يطلب منها أن ترسم له، فتحاول، لكنه في كل مرة يرد الرسم؛ يريد رسماً أدق، حتى أصبح يجيد الرسم بدقة عالية. ضاع مرةً في إحدى الحدائق، فذهب جهد الناس عبثاً في البحث عنه، وتخشى الأم أن يكون قد ألقى بنفسه في المسبح الفارغ من الماء، فقد أجاد السباحة بسرعة، وبعد جهد كبير ظهر أحد الجيران ليبلغهم أن الطفل عندهم؛ عاد ولم يظهر أي مبالاة، ولم يكن خائفاً أو مستغرباً وجوده في بيت الجيران. أصبح يجيد اللغة الإنجليزية بلكنة أمريكية دون أن يتلقى دروساً فيها؛ إذ تعلمها من التلفاز ومن (البلايستيشن)، وأصبح يعرف عن (غريندايزر) والألعاب المشابهة كل شيء؛ لا الرواية فقط بل التاريخ والتصميم والإنجاز، ورغم ذلك يصرون في المدرسة على أنه غير طبيعي. وعندما كان في السادسة تعلم أن يغني: (حجرة بقرة قال لي عمي عد العشرة)، ثم ترجمها سريعاً إلى الإنجليزية: (روك كاو، ماي أنكل تولد مي، كاونت تو تن)، ورغم ذلك فإنه يكتب حروفاً كبيرة تميل عن السطر. أحد الاختصاصيين النفسيين قارب التشخيص حين بدأ يفكر: الابن ذكي ولكن الفص الأيمن للدماغ هو السائد لديه، ولذا فإنه يبرز في النشاطات الإبداعية. وهكذا كانت الأم تنتقل به من مدرسة إلى أخرى، وعندما أرادت إلحاقه بمدرسة عالمية نظراً لاستجابته الفطرية للغة الإنجليزية، كان عليها أن تنتقل من مكتب إلى مكتب أياماً عديدة، حتى كرهت مواعظ الموظفين، والاختبارات المطلوبة، وأحرقتها الاتهامات بالتفريط في الأخلاق. كان ذلك حين لم يكن مسموحاً للسعوديين الالتحاق بالمدارس العالمية، رغم أن هذه المدارس تضم دروس العربية إلى الإنجليزية، حتى جاء فجأة أحد وزراء التعليم فألغى المنع، وكأن شيئاً لم يكن. يشخصه بعض المعلمين على أنه طفل ذو توحد، بينما كان الطفل يحتضن أمه ويقول لها: أحبك يا ماما. وحين أصيب والده بجلطة في الساق ولم يعد قادراً على قيادة السيارة، أصبح الطفل يعبر عن شوقه لأيام كان أبوه يوصله فيها إلى المدرسة، ويحزن كثيراً لحال أبيه. وعندما طلبت أمه أن يحضر حذاء أبيه في المستشفى، أحضر فردتي الحذاء ووضعهما منتظمتين عند حافة السرير، تماماً عند قدمي أبيه. لم يكن يجيد الأكل بالملعقة، ويرفض أن يأكل إلا ما يريد، ويفتقر إلى بعض اللياقة الاجتماعية؛ يعبر عن سروره بابتسامة خفيفة تبدي أسنانه، ولا يجيد اصطناع الأصدقاء، فله صديق واحد أثير، وإذا انتقل الصديق إلى مدرسة أخرى لم يبد شيئاً من الأسى. وعندما يصر البعض على أنه من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتنكسر أمه وتشرق بالدموع، يقول لها إنه فقط (mentally challenged) -وهو التعبير الصحيح بالإنجليزية عن حالته- فهل هناك أكثر إهمالاً من أصحاب لغة الوحي الذين لم يجدوا اسماً صحيحاً يعبر عن حالة هؤلاء الأطفال؟! قررت الأم أن تتفرغ لطفلها، فهي لا تريد أن تنجب أطفالاً آخرين، ومع أن كثيراً من الأطفال يريدون إخوةً، وأقنعته خالته أن يطلب من أمه أخاً؛ قالت له أمه: هل تريد من يقتسم معك ألعابك وغرفتك؟ قال: لا.. لا.. وانتهى الأمر. بين أطباء السعودية ومصر ولبنان، كانت تعثر على بعض النصائح المفيدة، ولكن أحداً لا يريد أن يتعايش دائماً مع الطفل وأمه، رغم أنهم يتقاضون مبالغ كبيرة. وبعد دراسة وافقت أن تعطي ابنها أدوية التركيز بعد أن تأكدت كطبيبة أنها لن تضره على المدى البعيد؛ يأخذ الدواء قبل ذهابه إلى المدرسة، ويستغرق مفعول الدواء أربع ساعات، ويرفض الطفل أن يأخذ الجرعة الثانية في مدرسته حتى لا يظهر وكأنه مريض بين أقرانه. وللطفل روتينه الخاص الذي لا يتحول عنه؛ يستيقظ قبل موعد المدرسة بساعة فيفتح حاسوبه، ثم يذهب إلى مدرسته، ويتضايق كثيراً إذا أجبر على تغيير روتينه، لكنه تقبل الانتقال من مدرسة إلى أخرى بعد أن اقتنع بفائدة ذلك. لديه ضعف في التواصل الاجتماعي، فلا يتواصل بالنظر مع الآخرين، ولا بلغة الجسد وتعبيرات الوجه، وكذلك لا يتفاعل مع اللغة المجازية. ولديه مشكلة في التنسيق البصري الجسدي، ويحتاج علاجاً وظيفياً لم يكن متوافراً في أكثر البلاد العربية خلال العقد الأول من الألفية الثالثة. مع كل الخيبات التي تعرضت لها الأم من معلمي التعليم الخاص، قامت ابنة أخيها بمهمة المعلمة؛ واضح أن العائلة بدأت تتفهم، فقامت ابنة الخال بالمهمة على أكمل وجه، بحماس رفيع، تتواصل مع المعلمين، وتقضي مع الطفل ساعات، طويلة البال على عكس عمتها؛ فكانت فترة ذهبية سرعان ما انقضت، لكن ابنة الخال اعتذرت عن إكمال المشوار بعد انتهاء الفصل الدراسي. عادت الأم للبحث عن معلم مناسب، ولأن تجاربها السابقة كانت محبطة، كان قرارها الذي اتخذته مع الابن أن تكمل هي المشوار. استمتعت بالتدريس، واكتشفت كم كان الابن ذكياً، وتأكدت أن عسر القراءة الذي يعاني منه لا يعني أنه لا يفهم؛ فكان تدريسه متعة، وأحبت قراءة كتاب العلوم والاجتماعيات وكتاب القراءة الإنجليزية بكل القصص المشوقة التي يتضمنها، وأدركت كم كان ذكياً في الرياضيات، فعرفت ابنها أكثر، ولم تعد تبكي وتصرخ وتعاقب، وأصبحت تهزأ بالتقارير السطحية التي يكتبها بعض المعلمين. وأخيراً وصل الابن إلى مدرسة مناسبة؛ المدير الأمريكي اللبناني ثم الأسترالي، واختصاصي صعوبات التعلم، والمدرسة أيضاً كانت أفضل. قبلت الأم على مضض أن يخضع ابنها لاختبار التقييم النفسي للمرة الرابعة، وكان الاختصاصي يتحدث مع الابن بثقة وصراحة؛ فقد أصبح كبيراً واعياً. وكانت نتيجة الاختبار: ولد لطيف مهذب، يحب المدرسة، والوظائف الإدراكية في المعدل الطبيعي، ومعدل الذكاء طبيعي، ولديه تفوق في بعض الأمور كاللغة، وضعف في بعضها الآخر، والمحصلة النهائية في المعدل الطبيعي. ولله الحمد. ترى لو لم تكن الأم مؤهلة بالمعرفة الكافية، ولو لم تكن قادرة مادياً على الوصول إلى هذه النتيجة، ماذا كان سيحدث؟! كم في مجتمعنا من أطفال (آسبرجر) يضيعون في متاهة المحفوظات النمطية! قضت المؤلفة أربع سنوات تكتب هذه التجربة الإنسانية البالغة الثراء، منذ كان ابنها في التاسعة حتى أصبح في الثالثة عشرة، تضيف جديداً كل يوم، حتى صدر الكتاب عام 2012م. فهل من الضروري أن نعرف بقية التجربة؟ لعل الابن نفسه يكتب الجزء الثاني من هذه السيرة التي تعزف على كل أوتار المشاعر الإنسانية.