حين يُراد الحديث عن الوطن في طور تكوينه، وعن القائد المؤسس وبطولاته، يغلب على المرء شعورٌ من الهيبة والإجلال. كيف لا؟! وتاريخ الوطن وأمجاده أعظم من أن تحويه أرفف المكتبات، وأنّى لأسطرٍ خجولةٍ في مجلةٍ دوريةٍ أو صحيفةٍ يوميةٍ أن تستوعب حدثاً – ولو عابراً – من رحلةٍ حافلةٍ بالنضال والأفضال؟ فكيف إذا كان الحديث عن سيرةٍ تزخر بالأمجاد والمفاخر لملكٍ مؤسسٍ بنى كياناً عظيماً، وأقام دولةً بحجم قارة، غدت مركز ثقلٍ ومحور اهتمامٍ إسلاميٍ وعالمي؟ لا غرو؛ فالملك عبد العزيز – رحمه الله – شخصيةٌ استثنائيةٌ متفرّدة، صنع مجداً خالداً، وسطّر ملاحم بطوليةً تالدة. كان- رحمه الله- رجل دولةٍ وأمة، أحيا الله به الدين والأرض والإنسان، ومعه رفقاء صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فكانوا له السند والعون، والحربة والدرع. رجالٌ أشاوس من صلب هذه الأرض الطاهرة، آمنوا بمسؤوليتهم، فحملوا أرواحهم على أكفّهم تضحيةً وفداءً، لبناء وطنٍ آمنٍ مستقرٍ يكون لهم وللأجيال مأوى ومُستقراً. لقد أكرمتني الدكتورة سونيا أحمد مالكي بإهداء كتاب «كلمة السر في نجاح التجربة السعودية»، الذي ألّفته تشاركياً مع الدكتور إبراهيم فؤاد عباس. ولقد اجتهد المؤلفان في بناء مادةٍ منقّحةٍ منتقاةٍ من كمٍّ هائلٍ من المصادر والمراجع، ومن الذاكرة الجمعية التي حفظت أخبار ملاحم الملك وأبطاله. ويُحمد لهما أنهما طوّعا اللغة لتقديم مادةٍ تاريخيةٍ رشيقةٍ شيّقةٍ بأسلوبٍ مباشرٍ رصين، بعيداً عن التعقيد والتفاصيل المملة، بما يواكب متطلبات العصر في اقتناص المعلومة المركّزة بأقلّ وقتٍ وجهد. ولقد أحسنا صنعاً حين ركّزا على شخصية الملك عبد العزيز – طيّب الله ثراه – الذي يُعدّ نبراساً للشموخ والعزة، ومثلاً أعلى في المعاني الإنسانية والصفات القيادية. فكان زعيماً عبقرياً معجزاً محيّراً، تُتداول تجربته لاستخلاص العبر والدروس. إن ما دفعني إلى هذه القراءة التحليلية – لا النقدية – هو إعجابي الشديد بأسلوب الكتاب ومحتواه، وبالمدوّن الثري المكثّف المركّز في آنٍ واحد. فقد تطرق بشكلٍ تكامليٍّ لجوانب رئيسةٍ من عبقرية الملك عبد العزيز، مستعرضاً سيرته وهمّته في رحلة التأسيس والتوحيد والبناء، حتى بلغ الوطن تمامه بحدوده ومؤسساته ومكتسباته، لتصبح المملكة العربية السعودية صاحبة صدارةٍ عالمية، وقوةً ذات نفوذٍ دينيٍّ وسياسيٍّ واقتصاديٍّ وعسكري، لها مكانتها وكلمتها في صنع التوازن الإقليمي والعالمي. ولعلّني أكتفي من القلادة بما يحيط بالعنق، فأُشير إشارةً خاطفةً إلى بعض الجوانب الرئيسة التي شكّلت منطلقات رؤية الباحثين، والأهداف التي تثري المشهد الثقافي المتصل بتاريخ وطننا وتراثه، والدور المنوط بتعزيز الهوية الوطنية والدينية والقيمية كثوابت لا تقبل الجدل. ملامح عامة للكتاب: الكتاب موجّهٌ لفئتي اليافعين والشباب، وقد عُني بمظهره ونوعية ورقه وحجمه، إلى جانب مادته اللغوية الثرية الأصيلة، وتضمينه صوراً ترسّخ البعد المعرفي والتاريخي لشخصية المؤسس ولقاءاته المرتبطة بمواقف وقراراتٍ مصيرية على المستويين المحلي والعالمي. البنية الهيكلية للكتاب: - استهلّ المؤلفان الكتاب بآيةٍ قرآنيةٍ تتضمّن وعداً بالاستخلاف والتمكين لمن آمن بالله وحكّم شرعه، وهو ما مهّد لتثبيت دعائم الدولة وترسيخ وجودها – بفضل الله – ثم بالنية الطيبة والعمل المخلص الدؤوب لخدمة البلاد والعباد، حتى أضحت مرفأ أمنٍ وأمان. - تعلو صورة الملك المؤسس حكمةٌ طالما ردّدها حين يحزبه أمرٌ أو ينوي فعلاً: «الحزم أبو العزم أبو الظفرات، والترك أبو الفرك أبو الحسرات»، لتأكيد عزمه وإصراره على المضي قدماً نحو هدفه دون تردد، وكأنها طاقةٌ واثبةٌ للإقدام والحسم. - تليها صورة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله ورعاه – إشارةً إلى أن عهده امتدادٌ لملك والده، يسير على خطاه شرعةً ومنهاجاً، بناءً وتطويراً، حذقاً وقيادة، استراتيجيةً متوارثةً كابراً عن كابر.- ويُوجَّه الإهداء بعنايةٍ إلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، قائد الحداثة وعرّاب رؤية 2030، الذي يشبه جده المؤسس هيئةً وعبقرية، إذ تقلّد قيادة الدولة واضطلع بمسؤولياتها في عمرٍ مبكر، فصار رمزاً للأجيال بما يحمله من روحٍ طموحةٍ وهمّةٍ عالية، ومثلاً أعلى في المسؤولية والفطنة والقيادة وتعدد المواهب والذكاء الخارق، قائداً لمشروع التحول الوطني بعبقريةٍ فذّةٍ متفرّدة. وقد كان شعار المؤلفين الوفاء، إذ أسديا الشكر لكل من قدّم جهداً مسانداً لاكتمال بنية الكتاب الجمالية والتكوينية: الغلاف والتنسيق والخطوط والصور. أما التقديم النوعي لصاحبة السمو الأميرة الدكتورة الجوهرة بنت فهد آل سعود، فقد أضفى على الكتاب قيمةً إضافية، إذ يُعدّ شهادةً من شخصيةٍ تنتمي إلى العائلة المالكة؛ بأهمية المحتوى الوطني الذي ينعش الذاكرة ويجدّد الذكرى، ليظل الوطن وقادته حيّاً حاضراً في الوعي الشخصي والمجتمعي على مرّ الأجيال، ارتباط الروح بالجسد. تأتي المقدمة ممهدةً مشوّقة، تبدأ بسلامٍ محمومٍ للوطن، لا بوصفه أرضاً فحسب، بل روحاً حيّةً تسكننا ونسكنها. ثم عرّجا على أن عبقرية الملك عبد العزيز وعظمته، والتفاف شعبه حوله بحبٍّ متبادل وولاءٍ ووفاءٍ مطلق؛ ركيزةٍ أساسيةٍ للثبات والرسوخ. يتكون الكتاب من تسعة فصول، استهلّاها بعنوانٍ لامعٍ شامخ: «بداية المجد»، إشارةً إلى معركة الحسم الأولى لاستعادة الرياض، التي كانت نقطة الانطلاق لتوحيد المملكة العربية السعودية، دولة العز والشمم والإباء. يتناول الفصل الثاني أثر البيئة والتربية في تشكيل شخصية الملك عبد العزيز القيادية، مستنداً إلى التربية الدينية والمحيط الصحراوي اللذين أهّلاه للجمع بين العلم والفراسة والفروسية، والصبر والتحمل، والهمّة والطموح، والثقة والمسؤولية. وفي الفصول من الثالث إلى السادس، يورد المؤلفان مقتطفاتٍ من سيرة الملك عبد العزيز: ملامح شخصيته، ومظاهر عبقريته ومناقبه، وسرّ العلاقة التواصلية بينه وبين أبناء شعبه عبر لقاءاتٍ شخصيةٍ مباشرةٍ ببساطةٍ وانشراح. ثم حكاياتٌ تبرز جماليات السيرة وسمات القائد التاريخي بكلّ معاييرها. ويُفرد الفصلان السابع والثامن نماذج مما أُثر وقيل وكُتب عنه في الصحف والمجلات العربية والعالمية، على سبيل الإعجاب والإشادة والتعظيم. أما الفصل التاسع والأخير، فيضمّ أقوالاً وكلماتٍ خالدةً للملك عبد العزيز – رحمه الله – في المناسبات والمحافل المحلية والدولية، والتي تمثّل نهجاً رسمياً ومنهجيةً واضحةً تعكس مواقف الدولة ورسوخها على الحق والعدل والإنصاف. التتويج الملكي: اختتم المؤلفان الكتاب بحديثٍ للملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله – في لقاءٍ وطنيٍّ سابق، يعد مسك ختامٍ يضيف بعداً وطنياً عميقاً في سياق الحديث عن عظماء التاريخ. فالملك سلمان تاريخٌ حافلٌ بالإنجازات، رمزٌ للهيبة والقوة والشموخ والعزة والتمكين، والقرارات الحازمة الحاسمة. نسخةٌ من والده في القيادة والحزم، وفي الحكمة والرويّة وبعد النظر، وفي التعامل مع القضايا الشائكة بذكاءٍ ودهاءٍ وعبقرية، جعلت من المملكة قوةً عظمى بممكناتٍ خارقةٍ عدةً وعتاداً، على المستويين السياسي والاقتصادي؛ عضواً في مجموعة العشرين، وصانعة قرارٍ تتكسّر على أسنة حزمه وعزمه المؤامرات والقوى الخارجية. مستهدف الكتاب ورؤية التأليف: بما أن الكتاب يستهدف اليافعين والشباب، فإنه يركّز على البناء المعرفي والتكويني الذي يشكّل قاعدةً متينةً وجسراً يربط الأجيال بتاريخ وطنهم وأمجاده وأبطاله، الذين كان لهم الفضل– بعد فضل الله – فيما ننعم به اليوم من رفاهٍ وأمنٍ وجودة حياة، هو ما يعزّز اللحمة والانتماء والولاء، ويردّ الفضل لأهله في توحيد هذا الكيان والمحافظة عليه ورعاية المقدسات والذود عن الأرض والشعب والمقدرات، في وقتٍ تتقاذف فيه البلدان المجاورة والعالم موجات الحروب والاضطرابات والمؤامرات التي تهدد الأمن النفسي والروحي والوجودي. وذلك مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: 67]. منهج الكتاب وأسلوبه: يعتمد الكتاب المنهج التاريخي في طرحه، لكنه ينحو إلى التجديد أسلوباً وتكثيفاً، تماشياً مع ميل الجيل إلى المعلومة السريعة المركّزة دون استطرادٍ أو إسهابٍ رتيب، بأسلوبٍ شيقٍ جاذب. ويشكّل محتواه ذاكرةً حيّةً ممتدةً ذات ترابطٍ عميقٍ يصبّ في وعي الأجيال الصاعدة مِلأً وثباتاً ورسوخاً، ارتباط الروح بالجسد. وهو – كما أورد المؤلفان في المقدمة – رسالةٌ تترجم السرّ في نجاح التجربة السعودية، مستندةً إلى مقوماتٍ ثلاث: إنعاش ذاكرة الأجيال بسيرة الملك المؤسس من خلال عبقرية التجربة وصانعها، وسيرة الملك المؤسس الثرية التي تُعدّ نموذجاً للقيادة والقيافة، جمعت الحزم والعفو وفق الشيم والقيم المتأصلة المبنية على التواضع والحكمة وحسن التعامل وكسب القلوب وتقدير المواقف وبعد النظر، وأخيراً : التأكيد على أن كلمة السر تكمن في أواصر المحبة والتواد، واستشعار الأمانة في بناء الوطن على أساس المسؤولية المشتركة، وتوطيد العلاقات، واللحمة في إطار الوحدة الوطنية. يأخذ الكتاب القارئ في رحلةٍ استكشافيةٍ لواقع الجزيرة العربية البكر التي لم تطلها يد استعمارٍ أو استحواذ، قبل قيام الدولة السعودية بمراحلها الثلاث، التي نشأت من رحم الوطن وبسواعد أبنائه، لا منّة لأحدٍ عليها. الأمر الذي جعلها أكثر عزةً وأوفر حظاً وأعلى قدراً ومكانة، بقيادتها الأبية وشعبها الوفي ورجالها الأشاوس، تتعاظم بمقدساتها ومقدراتها، وتتمايز بموقعها ومواقفها ومكانتها، بعد أن هيّأ الله لها هذه القيادة التي ترفع لواء العلم والعمل وفق شرعٍ ربانيٍّ محكمٍ ونظامٍ مؤسسيٍّ معتبر. سيرة الملك عبد العزيز – نشأته وملامح شخصيته ومظاهر عبقريته وصفاته وأقواله ومآثره، والإشادات الصادرة بحقه – ليست سرداً أدبياً فحسب، بل مدرسةٌ في الدين والأخلاق، وفي النواحي الإنسانية، وفي الحياة العامة والسياسية، وفي بناء نظام الحكم وإدارة الدولة، وفي العلاقة مع الشعب، وفي البروتوكولات الرسمية والتعاملات المختلفة، وفي التعاطي مع القضايا الدولية. مدرسةٌ على المستويين الرسمي والشخصي يُستقى منها الدروس في تنمية الشخصية وتحقيق الذات؛ فبناء الشخصيات المتمكنة الواثقة الحصيفة هو القاعدة الصلبة لتنمية الأوطان وقوتها. *عضو جمعية إعلاميون x:alzahrani_falah algreen-sz@hotmail.com