في مجموعة النّصوص “لك أن ترى” للشّاعر حسن قنطار بطبعتها الأولى 2026 والصّادرة عن “دار موزاييك للدّراسات والنّشرـ بإسطنبول” خروج عن سياق القالب التقليدي الصارم للكتابة باختياره النصوص النثرية، ليتسع قلمه لآفاق بعيدة من السرد المفتوح. “لك أن ترى” العنوان جاء لينسج تماه بين الكاتب والقارئ، ويرسم لوحة بصرية للمحاكاة مع المتلقي. العبارة لا تفرض رؤية أحادية، بل تمنح القارئ حرية التأويل والمشاركة والمشاهدة. علامتا الحذف (..) اللتان تليان العنوان فتحتا أفقا ممتدا غير منتهٍ، بأن الرؤية لا حدود لها.. تلك الرؤية الممتدة امتداد خيال القارئ وتأويلات ذهنه الحالمة. وقد حمل الكتاب عنواناً مصمما بأسلوب “السنوغرافيا البصرية”، المعتمدة على لفت التركيز البصري والتأملي، بدأ بإهداء: “لك أنت” كمحورية للذات والوعي، إهداء موجه بضمير المخاطب المباشر... أنت.. دون تحديد صفة أو اسم. حاملا دلالة أنه ليس إهداء شخصيا، بل خطابا موجه لكل قارئ؛ وفي الفلسفة الوجودية يعاد المبتدأ دائما إلى الذات، مما يدل أن الكاتب وضعنا في مواجهة مباشرة مع وعينا، إذ هو لا يهدي الكتاب لشخص آخر بل يهدي الوجود للشخص الذي يقرأ الآن. كما أن صيغة “لك أن ترى..” أكدت فلسفة الوجود “الديكارتي” كصيغة تؤكد فكرة أنا أفكر إذن أنا موجود، ولكن من منظور خارجي يعيد توجيهها؛ أنت تقرأ إذن أنت مقصود بالوجود. فهي دعوة للالتفات إلى الذات والاعتراف بوجودها المستقل والفريد. “لك أن ترى ..” تدل على الحرية والمسؤولية الوجودية، وإن كانت العبارة لا تعني الرؤية البصرية المجردة، فإنها تعني الرؤية المعرفية والوجودية “البصيرة”. التي تمنح القارئ الحرية الكاملة في التفسير والتأويل، وصنع المعنى عند بول “سارتر” في الوجودية؛ الإنسان محكوم بالحرية والنص هنا ترك الباب مفتوحا أمامك لتختار “ كيف ترى”، العالم وتجربتك الخاصة فيه. كما اعتمد الكتاب على بنية تصاعدية، بدأت من التجربة الذاتية والوجدانية لتصل في النهاية إلى أبعاد وجودية غيبية تتضمن عدة رؤى: منها فلسفة الوجدانيات والذاكرة التي مثلت العتبة الأولى للكتاب، حيث النصوص رمزت إلى التزام الكاتب الأخلاقي أو الروحي تجاه القارئ أو تجاه فكرة معينة، ووضع قاعدة أو ميثاق للقراءة والفهم، كما دل على فكرة التأمل والذاكرة الهشة والأحلام المتذبذبة والطموحات المتشظية. ومنها كذلك فلسفة الصراع النفسي والوجودي؛ حيث الصراع ينتقل من الخارج إلى الصراع الداخلي، فالحب لا يقدم كحالة سلام، بل بوصفه حالة “ عجائبية” مليئة بالتناقضات، كما شرح الأمل المتقطع، والحقيقة التي تلوح وتختفي. وهناك فلسفة الخاتمة والامتداد الوجودي؛ حيث نرى الانتقال من الوعي الأرضي الملموس “الدنيا”، إلى الوعي الميتافيزيقي والغيبي “الآخرة”، وهذه القفزة، ليست سوى تمهيد لرحلة أو حقيقة أكبر تتجاوز حدود الزمان والمكان الحاليين. ويتضمن الكتاب فلسفة الوجودية ولحظات التوقف لتأمل الحياة حين يتحرك الكاتب عبر سردية المرور التأملي لمحطات الإنسان الكبرى، واستخدم أشباه الجمل للدلالة على الانغماس التام داخل التجربة الإنسانية مثال “في الطريق، في السياسة، في البيت .... إلخ”. إضافة إلى فلسفة المكان والهوية والعمق العاطفي ممثلا في علاقة الكاتب بمدينة دمشق: فالمدينة هنا ليست مجرد جغرافيا لدى الكاتب، بل هي رمز فلسفي للمكان والذاكرة والتاريخ؛ حيث التجذر والخلود الذي يولّد الشغف الأزلي. تجسد أيضاً نصوص الكتاب؛ نظرة الكاتب لعدالة العطاء وقوانين المكافأة الروحية وعمق الارتداد للذات، والابتعاد عن السطحية والزيف والنفاق المجتمعي. وتقوم بتجذير حتمية التساؤل والتمرد والوعي المغاير إذ الكاتب يُبرز في نصوصه سؤال استنكاري يتكرر، ليبحث فيه عن سيكولوجيا الجماعة، والسؤال عن جدوى الوجود، والجهد البشري. كما راهن على تمسكه بالأمل والمستقبل، ودعا للتمرد ونبذ القوالب الجاهزة وهي تمثل جوهر الفلسفة الحديثة، في اجتراع مسارات تفكير غير مألوفة، وختم برمز لديناميكية الوعي، وتجديد الرؤية للعالم من خلال عيون جيل جديد يرفض السكون، ويسعى لإعادة صياغة المفاهيم القديمة. لقد جاء الكتاب في هيئة بيان وجودي مصغر، ودعوة للرؤية، ورسالة للحرية، إذ لا يفرض علينا حقيقة مطلقة، بل بمنح القارئ مسؤولية شخصية من خلال زاوية رؤيته الخاصة، وعدم رؤية العالم كمعطى جاهز. لك أن ترى.. نصوص قدمها الأستاذ حسن قنطار، ليمنح القارئ فرصة رحلة من خلال ذاته، وهي الرحلة التي أجادها بكل براعة وإتقان وستؤثر بلا شك في وجدان المتلقي.