منذ لحظة تسلمي للديوان إهداء من شاعره ؛ فاجأني غلاف الديوان ، توقفت أمامه كثيرا عنوانا وصورة ، جمعت بينهما حالة اضطراب يعيشها الشاعر ، وهذا من وجهة نظري ما يؤكد شاعريته ، فالشاعر الحقيقي لا يعيش حالة استقرار ، ولهذا جاء العنوان هكذا”هذا ليس اعترافا” مع شطب كلمة”ليس” شطبا يظهرها وإبقاء موقعها الإعرابي ، يعكس حالة التردد ، يعترف أم لا يعترف . وما أراه أن الغلاف كله اعتراف بثوب الإنكار وشطب كلمة”ليس” بلون مغاير وجعلها مقروءة يدل على نفي الاعتراف وممارسته في آن واحد.أما صورة الطفل المهترئة فهي تعبر عن ذات الشاعر القديمة ممزقة في ركنها الأيمن السفلي حاول الشاعر نزعها به . وكأن الغلاف ينطق فيقول: كنت أريد أن أكذب فصدقت ، وأردت أن أسكت فنطق الطفل في داخلي . وحين نطق أخرج ما يخبئه بصوت إيقاعيٍّ واعٍ لدور الكلمة ،وفي أسفل الغلاف بصمته التي تشير إلى صحة ما يسكن الشاعر . يستهل الشاعر صفحات ديوانه بإهداء يعيد حالة الشاعر التي جسدها الغلاف ، حيث وردت فيه كلمات :”مُبْتَلَى،زمر،مصاب، قلبين، ليس اعترافا” ثم أعقبه بوفاء لصديقه “مجيب الرحمن”حين قل الوفاء عند كثيرين ، بل بعضهم يصل إلى درجة الجحود ، بعد ذلك وزع الشاعر قصائده على صفحات الديوان ، حيث وجدت فيها ما يتماهى مع مكونات الغلاف ، وهذه احترافية في التعامل مع اللغة الشاعرة فيعيش القارئ مع الديوان بانطباع متجانس مع النصوص في وحدة جمعية لحالات نفسية متفرقة ، وسأكتفي هنا بالمرور على بعضها ، هذه قصيدة”دعوة خاصة لقمر”ثلاث كلمات نكرات آخرها قمر جنوبي يطلّ يغيب .. لايوجد استقرار، فقد أطفأ قنديله اليتيم إيمانا بـ”قمر” مرتاب .. وسيظل منتظرا حتى يفقد قهوته . هذا النص كنموذج وهو بمثابة مفتاح للنصوص الأخرى ، والتي تشبه المدن ، فكل نص مدينة بكل مافيها من تغيرات تتفرد بها عن جارتها ثم تلتقي جميعها بين يدي معترف لا يعترف . ثم تتوالى قصائد الديوان فتتصاعد معها حالات الاضطراب والتردد حتى يختم ديوانه بقصيدة يعترف فيها “أربعة يريدون قتلي”. أستطيع أن أخلص إلى أن ديوان “هذا ليس اعترافا” للشاعر : حسام الشعبي ، مدهش في لغته المكثفة وصوره المبتكرة. يمتلك الشاعر بصمة خاصة، لا يقلد فيها أحداً. موسيقاه داخلية هادئة لكنها موجعة، وصدقه الشعوري المضطرب يجعلك شريكاً له في التجربة لا مجرد قارئ. والأهم أنه ديوان له قضية ورؤية، لا مجرد كلمات مصفوفة.”ولعله في ديوانه القادم يكون أكثر استقرارا يعيد لقارئه شيئا من الأمل بلا تردد بابتسامة حقيقية. ومن خلال قراءة نصوص الديوان يستطيع القارئ أن يخرج بأسئلة يصعب الإجابة عليها إلا إذا تمكن من إجراء عملية تشخيص نفسي كامل لحالة طغيان داخلي. تبدأ بـ “دعوة خاصة لقمر” و “للياسمينة”و “عن عناق” كمحاولة يائسة للنجاة بالحب، ثم تنكسر فجأة في “فقاعة” و “انحباس” و “توتر سطحي”و “خفقان”و “وسواس قهري”، فالشاعر هنا محاصر بجسده قبل عالمه، يسمع “أوكسترا جسد” و “الشهقة ما قبل الأخيرة”. مرورا بقصائد تكتظ بلغة التشاؤم والعزلة حين تقرأ”نصف فتى”مسلوب الإرادة، و “أربعة يريدون قتلي”و “أبو الطيب مازال في السجن”و “قبل أن يكسر الساعة”حيث الزمن والسجن والملاحقة. حتى الغياب عند الشاعر ليس عاطفياً بل “غيابك بينما يصرخ في داخله “شكراً.. لا ترسمني”، لأنه لا يريد أن يُرى، بل أن يُفهم أنه ليس اعترافاً، بل هو انحباس روح تريد أن تتنفس من ثقب “فقاعة”. وختاما عزيزي القارئ مازال السؤال قائما : هل اعترف الشاعر أم لا ؟