«بيت شعبي» لـ طاهر الزهراني..

شهادة ثقافية على تحولات المكان والإنسان.

أقف في حيرة من أمري كلما قرأتُ عملا جديدا لطاهر الزهراني، ومبعث ذلك أنني أبحث عن وقفات تأملية وسط تدفقه السردي فلا أجد، لكنني لا أغادر العمل بدون رؤية عميقة وموقف إنساني. فهناك ما يشي بوجود تجاوز للمباشرة السطحية في التناول وهناك نفوذ خفي إلى عمق فلسفي لا يتم التصريح به غالبا، ففي كتاباته السردية كشف عن التناقضات الإنسانية والنفسية، وفيها ربط عصي بين التجربة الفردية والقضايا الإنسانية المشتركة. لكن الاستدلال على كل ذلك لا يأتي من خلال اللغة ولكن من خلال المفارقات، كما هو الحال في عمله الأخير «بيتٌ شعبي»، ذلك البيتُ الذي يحيا في فصل من الكتاب، ويموتُ في آخر، ويمرض بمرض ساكنيه ويزدهر بازدهارهم، فهو انعكاس وذاكرة، كما أنه مؤثر وفاعل وذكريات في الآن نفسه. يأتي كتاب «بيتٌ شعبي» للقاص والروائي طاهر الزهراني، والصادر مطلع هذا العام الميلادي 2026م، عن دار شفق بالكويت، في 104 صفحات من القطع الصغير، يحمل غلافه صورة لجدار بيت شعبي يستقر عليه سًلّمٌ خشبي قديم، وتتوسط الجدار نافذة خشبية موصدة ذات لون حائل، ويمر من فوقها ديكور قديم لتغطية الأسلاك الملونة، تلك الأسلاك التي اكتشفها بطل العمل في طفولته وكادت أن تصرعه، لم يكن يغريه فيها شيء سوى ألوانها المتداخلة، فعبرَ باب بيتهم من ناحية الجنوب وارتقى ليحصل على الألوان التي وقع في غرامها فكادت أن تصرعه، لكن نجاته من الصعقة الكهربائية لم تزده إلا إصرارا على مطاردة الفراشات، واقتناء الألوان للرسم، وصناعة الطائرات الورقية واللعب بها. العمل، غير المصنّف سرديا فلا هو رواية ولا هو قصص قصيرة حين تركه مؤلفه في فضاء السرد بلا أي أطر ضيقة، يبدأ بمأزق هوية يتعلق بالسارد وعائلته المنقسمة إلى فئتين منذ زمن الأجداد: «أسلافي انقسموا، منهم من رأى أن يبقى في الأعلى بالقرب من الغيم والبرد والضباب والفواكه، ومنهم من رأى أن يكون أكثر تواضعًا وقربًا من الأرض والحر والعرق والحرث والسنابل» (ص15)، لتتشكل المفارقة الأساسية في ذهن القارئ منذ البداية، فالعنوان الرئيس؛ العتبة الرئيسة للكتاب ومدخله التأويلي، كما هي صورة الغلاف، شيء، بينما أول عبارة في الكتاب شيء آخر تماماً، إذ يقف القارئ بين سيرة البيت المتوقعة، وبين سيرة ساكنيه الماثلة، ما يجعل النص حتى نهايته مجرد فكرة تتنازعها هُوية غير مستقرة تتبدل وتتغير عبر خط زمني غير مستقر، فمن خلال 21 فصلا قصيراً نجد أننا نقف أمام خارطة ذهنية متوترة، تضم أصحاب البيت وجيرانهم وأقاربهم: «الأسلاف/ عنتر والفراشات/ جيرة/ لاعب مختلف/ ضيف/ خال سينمائي»، ثم تتجاوز هذا الحضور البشري إلى حضور الحيوانات الأليفة بشكل حقيقي أو مجازا من خلال تشبيه إنسان: «التمساح/ القطط/ حَمام»، ثم هناك النبات: «شجر»، ثم متعلقات البيت ومصيره ومآلاته: «بشرى/ بياض/ نافذة/ بيتنا حي/ بيتنا ميّت/ أنقاض»، ثم هناك الفعل الإنساني الدال على الحياة والصيرورة المستمرة: «نزوح/ مخاض/ انتقال/ حليب/ فسحة/ أنقاض». هذه العناوين التي لا تأتي بترتيب مقصود أو بالتتابع، والمؤثرة في بناء النص تأتي في هيئة نصوص مستقلة، يمكن أن تُقرأ بمعزل عن بعضها البعض، لكنها في الوقت نفسه تدور حول فكرة البيت، ذلك البيت الشعبي الذي نسج منه طاهر الزهراني نصه ليجعل منه نافذة تطل على العالم، لا العكس، فهو يكتب عن البيت ليعيد تعريف ماضيه وبالتالي إدراك حاضره، إذ يتحول النص بمجمله إلى بناء رمزي فائق الثراء، فالبيت يصبح ذاكرةً وهُويّة، والنافذة رمز للانفتاح على العالم: «كان يشاهد أفلام الكرتون خلسة عبر النوافذ. وقد كانت نافذة بيتنا مشرعة» (ص53)، كما يصبح الحَمام رمزاً للاستقرار والألفة، وتتحول القطط إلى دال على الهشاشة والضياع الذي يطال البيوت حين يتم هجرها وإهمالها، وتغدو الكتب الميراث الثقافي للأب وامتداده الطبيعي الذي لا يزول. في حين تكون الأشجار رمزا أبديا على البقاء والرسوخ، خاصة حين تصبح عنوانا للمكان بعد إزالة البيت: «عرفنا مكان بيتنا بشجرتنا العملاقة، شجرة اللوز الوارفة، فأصبحنا نأخذ أمي نهاية كل أسبوع إلى هناك، نستظل تحت الشجرة، ونشرب قهوة القشر» (ص101). بيت شعبي، لطاهر الزهراني، عند إتمام قراءته ستجد أنك كقارئ قد وقفتَ أمام نصٍ أدبي يتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية ليشكّل شهادة ثقافية على تحولات المكان والإنسان في المجتمع السعودي الحديث. فالبيت في هذا العمل ليس مجرد بناء، بل رمز هُويّة وذاكرة وانتماء. ومن خلال استحضار تفاصيل الطفولة والجيرة والأب والحي، ينجح الزهراني في بناء نص يجمع بين الذاكرة الشخصية والوعي الاجتماعي بماضينا المشترك.