بارقة الحلم!
إنارة: بين أبي تمام وعبد الله البردوني مسافة ضيقة للشعر، تتعثّر فيها الأقلام وتسيخ الأقدام، بحثا عن موقع قلم وموضع قدم، في الطريق إلى فجر يمن سعيد! تَعِبْتُ مِنْ بَارِقِ الأحْلامِ والرُّتَبِ وَشِبْتُ والبَارِقُ الليليُّ لَمْ يَشِبِ! إلى مَتَى وبَرِيْقُ الحُلمِ يُومِضُ لِيْ وكلّما جئتُ أسعى جَدَّ في الهَرَبِ خمسونَ مرَّتْ وبِضْعٌ فوقها عَبَرَت وما برحتُ أعنّ الخيلَ في طَلَبِي! كأنَّنِي هاربٌ منّي فقابِلَتِي منذ احتَوَتْنِي رَمَتْ حبلي على الحِقَبِ! فَلَسْتُ أعلمُ عنّي غيرَ جاذبةٍ تلقَّفَتْنِي لِتَحْمِيني من العَطَبِ! لكنَّهَا حينَمَا ألْقَتْ بجَذْبَتِهَا ألْقَتْ رِشَاهَا بلا نَبْعٍ ولا غَرَبِ! فَغِضْتُ كالماء في جوفِ الثَّرَى مَدَدًا وَفِضْتُ كالغيث مِنْ هَطَّالَةِ السُّحُبِ! ما زلتُ أركضُ خَلْفِيْ منذ طوّحَ بي حبلٌ تعلّقتُهُ في أوّلِ النَّسَبِ! وَحِيْنَ يَمَّمْتُ نَحْوِي هزّني حلمٌ رأيتُنِي فيه بين التين والعِنَبِ! سافرتُ في كلّ عرقٍ في رؤاه دمي يجري وحدّقتُ في ناري وفي حطبي! فما رأيتُ سوى حَدْسِي الذي لمعتْ فيه البوارقُ بين الصدقِ والكذبِ! يا ويحَ نفسي ويا ويحَ السُّرى فأنا سارٍ بلا أنجمٍ تهدي ولا شُهُبِ! لا رحلَ لي في دروبٍ صار يَسْلُكُها مشمِّرون وسيفُ الشعر من خَشَبِ! زعانفٌ نبتت حول المدى وهَوَتْ بكلّ ما في مطايانا من النُّجُب! لهم عقولٌ بلا وعيٍ وأسنمةٌ بلا جِمَالٍ وأعذاقٌ بلا رُطَب! تسنّمتْ بهم الأهواءُ مَوقِعَهَا وأدرك العِيُّ فيها ألسنَ العرَب! وأجهضت بهم الظلماءُ بارقنا ما بينَ مرتَقَبٍ أو غير مرتقَب! فلست تبصرُ إلا طائشًا نزقًا يهمي على الناسِ من عَدْوَاهُ بالجَرَبِ! عجيبةٌ ما لها في الدهر سابقةٌ كأنما قبلها كنّا بلا عَجَب! يا سيّد الشعر لم تبرح ركائبنا طريقَك الرَّحبَ رغم الواقع الرجبي فقد تركت لنا في كل بارقةٍ ما نستعيد به إشراقةَ الكُتُب! فمذ مررنا على الجَزْعِ الذي انتجعت فيه مطاياك والدنيا على سَغَبِ! نمشي ونرقل والبيداء تجذِبُنَا إلى مواردها في سيرنا الخَصِبِ! ونوقدُ النَّارَ في ظلماءِ رحلتنا من أوّل الجمرِ حتى آخر اللهب! مهلا رفيق السُّرَى ما عاد يجمعُنَا ليلٌ نؤمّل فيه البارق العربي! ماذا أقول وفي قلبي هوى حُلُمٌ لم يبق منه سوى طيفٍ على الهُدُبِ! واليوم أقطع هذا العمرَ منتظرًا حلما أرجّيه لم يحضُرْ ولم يغبِ! لكنّه مثلُ برقٍ لاحَ في أُفُقِيْ ولم أنلْ منه إلا السعيَ في عطبي! يا سيّد الشعر ماذا في كنانَتِنَا غيرُ السهامِ التي رِيْشَتْ من الزَّغَبِ! وغيرُ سابلةٍ ما زال سالكُهَا يشكو من الرَّكب أو يشكو من الرُّكَب! تِهْنَا فتُهنَا وتاه الدربُ في ثبجٍ من الرمالِ فلم نَعثُرْ على سَبَبِ وأدلجت أعينُ الظلماءِ ترقبُنَا وقد أحاطت بنا في جيشها اللجب! حتى تملّكنا يأسٌ يخامرُهُ نورٌ كليلٌ لصبحٍ غير محتجبِ أقفرتُ والقلبُ ما زالت لواعجُهُ كالسهمِ في القوسِ لم يخطئ ولم يُصِبِ! أدنو وأبعدُ والدنيا مراغمةٌ ما بين محتَرِبٍ فيها ومحتَسِبِ! ينأى بي العقلُ عن وصلٍ يحمّلني وزرَ التبطّل فيما حزتُ من نَشَبِ ويدنو القلبُ لكن في مصارعِهِ كم ذلّ من فارسٍ أو ضلّ من أَرَب! كأننا وسيوفُ الوقت تقطعُنَا نرقّع العمرَ بين الجدّ واللعب! نَقْرِيْ عزائمَنَا بِيْدًا تلوحُ بها أحلامُنَا البيضُ في اللأواء والنَّصَب! فنستريح بها والريح تخبرنا: أنّ الطريقَ على جِسْرٍ من التعب! يا سيّد الشعر لم تبلغ حماستُنا حماسةً صاغها التاريخُ من ذهَبِ! فلم تعد مازنٌ تحمي مواردَهَا ولا تلا الفندُ فيها سورةَ الغضبِ حتّى أبو الغول نامتْ عن فوارسِهِ جحافلٌ عدَّها في أوّل السَّلَب! فلم يجد من يداوي كلَّ ذي عَتَهٍ من الجُنُونِ ولم يركنْ إلى الخُطَبِ! فراح يلتحفُ الجَمْرَ الذي بقيتْ فيه بقيّةُ نارٍ من ذوي الحَسَب! واليوم يلفظني شعري ويرفضني عن أن أكون به في ذروة الأدب! فالواقع الحرّ لا تبنيهِ أخيلةٌ والشعر كالخيلِ في ركضٍ وفي خَبَبِ! يسمو بأحداثه الكبرى فتوقدُهُ بين الخميسين أرتالٌ من الشُّهُبِ! والمرءُ في هذه الدنيا على عَجَلٍ يمضي به العمرُ والأيامُ في صَبَبِ! لاحت لنا مثلَ ومضِ الطيفِ في حُلُمٍ ضاعتْ مباهجُهُ في ليلِ مُغتَرِبِ! كأنّها لم تكن من قبلُ فاتنةً ميّاسةَ القدّ أو معسولةَ الشَّنَب! كمّ مرّ منها وكم باقٍ لآخرنا ونحن لا نحن في حيفا ولا النَّقَب! مشمّرون على ما ليس في غَدِنَا بين الشعارات من شَجْبٍ ومن شَغَب! مبعثرون بلا عقدٍ يجمّعنا فكيف نثبتُ بين الجيد واللَّبَبِ؟! لم يبق منّا سوى ماضٍ نسائله عنّا لنخرجَ من دوّامةِ الكُرَبِ! وفي مدارجِ هذا الشعرِ مُنتَبذٌ عن واقعٍ ليس في عتبى ولا عَتَبِ! نرفو به الزمنَ المهدورَ في دمِنَا لنرتقَ الوقتَ بين الغُلْبِ والغَلَبِ! فَانْهَضْ -فديتُك-إنّ الليلَ مُعْتَكِرٌ والفجر أقربُ من ماءٍ إلى القِرَب! والحُلْمُ ما زال غَضًّا في معارِجِهِ والحِمْلُ ما زالَ ملقيًّا على القُتُبِ! وسيفنا مُصْلَتٌ في حدّه رَهَقٌ على المجوس وأهل الشرك والنُّصُب! فرُبَّمَا أشرَقَ التاريخُ ثانيةً وعاد ينشدُ في شوقٍ وفي طرَب! «ألا ترى يا أبا تمام بارقنا إنّ السّماء ترجّى وهي في الحُجُبِ»