صدر عن دار «روتليدج» البريطانية ..
د.فيصل العقيل يقرأ تحولات الصحافة العربية في كتاب جديد.
في خطوة تعكس الحضور المتنامي للباحثين السعوديين في فضاءات التأليف الأكاديمي الدولي، أصدر الدكتور فيصل العقيل، رئيس قسم الإعلام بجامعة الملك سعود، كتابه البحثي الجديد بالتعاون مع البروفيسور لوكو أوكاندو، عميد كلية الاتصال بجامعة الشارقة، عن دار النشر الأكاديمية البريطانية “روتليدج (Routledge) “، إحدى أبرز المؤسسات العالمية المتخصصة في نشر الدراسات الإنسانية والاجتماعية. ويحمل الكتاب عنوان “صحافة الأعمال والمال في العالم العربي: مواكبة وقيمة التغطية الإخبارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” ، ويقدم قراءة بحثية في واقع الممارسة الصحفية العربية، متجاوزًا الأبعاد الاقتصادية المباشرة إلى أسئلة أكثر اتصالًا بالثقافة الإعلامية، والهوية المهنية للصحفي، ومصادر المعرفة، والقيم التي تحكم إنتاج الأخبار وتداولها. ويأتي الإصدار ضمن سلسلة “دراسات روتليدج المتقدمة في تدويل الدراسات الإعلامية”، التي تعنى بتوسيع آفاق البحث الإعلامي عبر الثقافات والمجتمعات المختلفة، وإبراز التجارب الصحفية خارج الأطر الغربية التقليدية. الصحافة بوصفها ممارسة ثقافية يتناول الكتاب الصحافة من منظور يتصل بالبنية الثقافية والاجتماعية للمؤسسات الإعلامية، وطبيعة العلاقة بين الصحفي ومصادره، ومدى تأثير البيئة المهنية في تشكيل الخطاب الإخباري. ويستند المؤلفان إلى تحليل محتوى صحف إقليمية، إلى جانب مقابلات معمقة مع صحفيين ومحررين، للكشف عن تنوع الثقافات الصحفية والقيم والممارسات المهنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتبرز أهمية هذه المقاربة في تعاملها مع الصحافة باعتبارها ممارسة اجتماعية وثقافية تتأثر بأنماط التفكير السائدة، والتقاليد المهنية، وطرق بناء المعرفة، وليس باعتبارها مجرد وسيلة لنقل الوقائع والأرقام. كما يطرح الكتاب رؤية تستحق التأمل بشأن التحديات التي تواجه الصحفيين العرب، إذ تشير نتائجه إلى أن كثيرًا من هذه التحديات يتشابه مع ما يواجهه الصحفيون في المؤسسات الإعلامية الغربية، بدلًا من اختزال المشكلات المهنية في العوامل السياسية والدينية وحدها. وتفتح هذه النتيجة مجالًا لإعادة النظر في بعض التصورات الشائعة عن الصحافة العربية، وتدعو إلى دراستها ضمن سياقات مهنية ومعرفية أوسع، تراعي خصوصية المجتمعات دون عزلها عن التحولات العالمية في صناعة الإعلام. من هوية الصحفي إلى أخلاقيات البيانات ويتوزع الكتاب على تسعة فصول، تتناول تحولات الصحافة المتخصصة في المنطقة، ومصادر الأخبار، والخبرة المهنية، والعلاقة بين النوع الاجتماعي وإنتاج المحتوى، إلى جانب الاحتراف الصحفي واستخدام الإحصاءات والبيانات وشبكات التواصل الاجتماعي. ويكتسب تناول هذه القضايا أهمية ثقافية خاصة في مرحلة أصبحت فيها المعرفة الرقمية جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، وأضحى الصحفي مطالبًا بامتلاك مهارات تتجاوز الكتابة والتحرير إلى تفسير البيانات والتحقق من المعلومات وفهم سلوك الجمهور. ويثير الكتاب، من خلال موضوعاته، أسئلة تتعلق بمستقبل التأهيل الإعلامي، وحدود التخصص المهني، ومكانة الخبرة في المؤسسات الصحفية، فضلًا عن أثر المنصات الاجتماعية في إعادة تشكيل العلاقة بين الصحفي والمتلقي. ومن المحاور اللافتة تخصيص فصل للعلاقة بين النوع الاجتماعي وإنتاج الأخبار، بما يوسع دائرة النقاش نحو حضور المرأة في المؤسسات الصحفية، والتنوع داخل غرف الأخبار، والعوامل المؤثرة في صناعة المحتوى الإعلامي. البحث السعودي في فضاء المعرفة الدولية ويمثل صدور الكتاب عن دار نشر أكاديمية دولية محطة في المسيرة البحثية للدكتور فيصل العقيل، ويعكس امتداد النشاط العلمي لقسم الإعلام بجامعة الملك سعود إلى مجالات البحث والتأليف المشترك مع الأكاديميين في الجامعات العربية والدولية. ويكتسب التعاون بين العقيل ولوكو أوكاندو دلالة معرفية تتجاوز حدود المؤسسة الأكاديمية الواحدة، إذ يجمع خبرتين بحثيتين في دراسة الصحافة العربية من منظور مقارن، بما يسهم في توسيع حضور التجارب الإعلامية الإقليمية داخل الأدبيات العلمية الدولية. كما يتيح صدور الكتاب باللغة الإنجليزية فرصة لوصول القضايا الإعلامية العربية إلى جمهور أوسع من الباحثين وطلاب الدراسات العليا والمهتمين بالاتصال والإعلام، ويفتح المجال أمام حوار أكاديمي حول خصوصية الممارسة الصحفية في المنطقة وصلتها بالاتجاهات العالمية. أسئلة تتجاوز حدود التخصص وحظي الكتاب بإشادات نقدية من أكاديميين ومختصين دوليين، من بينهم البروفيسور ستيف شيفرز، أستاذ الصحافة المالية بجامعة سيتي في لندن، الذي أبرز أهمية تناول تحديات التغطية الصحفية في منطقة الشرق الأوسط والفرص المتاحة لتطويرها. كما أشاد جيوفاني باندي، المسؤول السابق في هيئة تنظيم مركز قطر للمال، بقدرة الكتاب على تناول ديناميكيات عمل الصحفيين وطرق تقديم القصص الإخبارية في المنطقة العربية. وتكمن القيمة الثقافية لهذا الإصدار في إسهامه في نقل النقاش حول الصحافة من حدود المحتوى المنشور إلى الأسئلة المرتبطة بصناعته، فمن يحدد قيمة الخبر؟ وكيف تتشكل ثقافة المؤسسة الصحفية؟ وما الذي تمنحه الخبرة المهنية للصحفي في زمن تتسارع فيه التقنيات وتتعدد مصادر المعلومات؟ وهي أسئلة تتصل بمستقبل الإعلام العربي عمومًا، وتمنح الكتاب أهمية تتجاوز نطاق الصحافة الاقتصادية إلى دراسات الثقافة والاتصال والتحولات الاجتماعية.كما يضيف هذا العمل مساهمة بحثية سعودية جديدة إلى المكتبة الإعلامية الدولية، ويؤكد أهمية حضور الباحث العربي في إنتاج المعرفة المتعلقة بمجتمعه، والمشاركة في صياغة النقاش الأكاديمي العالمي حول الصحافة ومستقبلها.