سجن زجاجي
حين غربت الشمس ونهض الشفق ليتوشح الأفق حمرته الساحرة، كان “ماهر” يقف متأهباً خلف كاميرته الكانون بانتظار أن يحط طائر الحجل على غصن الزيتون المتكئ إلى قمة الجبل. ظل ساكناً ومتأهباً، ولم ترمش عيناه، وما إن لامست قدما الطائر لحاء الغصن حتى التقط اللحظة مودعاً إياها ذاكرة الكاميرا. وعلى غرار ذلك اعتاد “ماهر” أن يطارد الومضات ويصنع الكمائن ليقبض على اللحظة بأطراف أصابعه، صانعاً منها صورةً فريدة، حتى اعتقد أن ما لا يُلتقط يتبدد، وما يُحفظ في ذاكرة العدسة ينجو من النسيان. كبر وهو ينحني نحو اللحظات العابرة، ويفتش في التفاصيل اليومية عما يثير الدهشة ويبعث على الابتهاج، وغالباً ما يصل إلى اللحظة التي يريد في الوقت المناسب، لكنه يخفق في الشعور بها، وكلما التقط صورة شعر بأن ثمة ما قد استقر أخيراً في روعه، وأن الفوضى التي تعبره قد هدأت، وأن ارتباك قلبه قد وجد له هيئةً واضحةً يمكن مشاهدتها وتفسيرها، بيد أنه كلما امتلأت كاميرته بالصور فرغ شيء منه، بل وازداد فراغه اتساعاً دون أن ينتبه. في محيطه القريب اعتاد أن يلوح له أصدقاؤه ثم يكملون حديثهم، فيما يخفي وجهه خلف الكاميرا، يستعدل إطارها ويبحث عن زاوية أنسب لالتقاطة مرضية، فإذا ما عاد إلى منزله دخله محملاً بتفاصيل يومه التي احتفظ بها في ملفات منتظمة، لكنه لم يعش أياً منها. مضت سنواته على هيئة أرشيف، وكل ما كان يملكه هو صور لرحلات لم يذق بهجتها، ووجوه ألفها لكنه لا يميز أصواتها، وأمكنة سار بها من خلال السطح اللامع للصورة، حتى اعتاد أن تبدو الأشياء من حوله بذات الملمس، وألا يشعر بها إلا وقد طُبعت على ورقة ملساء. في إحدى المساءات الباردة جلس إلى مكتبه الصغير يقلب ما جمعه خلال سنوات، فتراءت أيامه أمامه، وبدت متباعدةً ومبعثرة، وفيما كان كذلك توقفت عيناه إزاء صورة لطفلة تمسك بخيط رفيع يتصل بطائرة ورقية، وقد بدا بريق عينيها خافتاً حتى أنه وخز ذاكرته. أخذت ملامح المكان تتشكل في وعيه، وتذكر أنه كان هناك، وأنه رفع الكاميرا سريعاً لالتقاط الصورة، لكنه عجز عن تذكر شعوره حينها، ونسي ما قالته الطفلة، ولم يعرف لِمَ كانت ضحكتها منطفئة. شعر حينها بأن ثمة ما أضاعه، وأن هناك فراغاً يتمدد داخله، وتساءل: لِمَ كان يرى اللحظة دون أن يشعر بها؟ ولماذا يبحث عن بهجته الضائعة خارجه؟ ولِمَ يبقى مقيداً إلى هذه الآلة ومكبلاً بمزاجها وقياساتها ومعاييرها؟ أغلق الألبوم وتأمل يديه مطولاً، فبدتا كأداتي حفظ لا كجزء منه، وشعر بأنهما كانتا تمرران الحياة من أمامه دون أن تمنحاه فرصة تذوقها. في تلك الليلة خرج دون كاميرا، وسار في الطرقات التي لطالما عبرها متأبطاً جهازه البصري، فبدت خطواته غريبةً، وبدا جسده أخف، وتنفس الهواء بطريقة لا يتذكر عهده بها، وشعر بأنه استعاد شيئاً غادره منذ زمن بعيد. جلس على مقعدٍ تظلله شجرة سدر اعتاد أن يبدأ منه رحلة البحث. كانت النسائم تنبعث برقة متناهية، فيما ارتدت السماء سمرة شفيفة، تناهى إليه صوت الرعد ثم بدأت زخات المطر تتساقط متفرقة وتخلق بقعاً مستديرة وداكنة لم تلبث أن استحالت إلى مرآة لامعة تعكس أضواء الأعمدة. ودون أن يشعر رفع يده، ثم تنبه إلى أن الكاميرا ليست معه، وأن اللحظة ستمر وتفلت من عدسته، فقبض على شفتيه، ولكن سرعان ما انفرجتا حين أحس برائحة المطر تداعب أنفه، وشعر بأريج يتهادى ويتسلل من مسام جسده ويغمره ببهجة ناعمة. قام عن الكرسي وأخذ يسير تحت المطر، فاتسعت رئتاه وخمد قلقه، وانتابته سرور شفيف وشعر بأن ماتيبس في روعه قد عاد غضاً ومخضراً، وتمنى لو أنه يستطيع أن يلتقط هذا الشعور ظل يسير حتى ابتل قميصه، ثم توقف على ناصية الشارع ونظر إلى انعكاس الضوء على بقع الماء وأدرك أنه وإن لم يستطع أن يلتقط لحظة ساحرة، إلا أنه استطاع أن يقبض على لحظة خلاصه.