النشاط الثقافي بين المملكة والصين 2..

مشاهدات من قلب الحضارة الصينية.. وغياب لافت للكتاب السعودي.

ذهبتُ إلى الصين متأخراً رغم رغبتي في زيارتها بعد زيارة الجزء المنفصل عنها (فرموزا) والمسماة بالصين الوطنية قبل نحو خمسين عاماً، وفي ذهني الكلام المأثور الذي نُسِب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا العلم ولو في الصين». قبل السفر كنتُ على اتصال بمركز البحوث والتواصل المعرفي، وبالدكتور علي المعيوف بحكم علاقتهم وتواصلهم مع المسؤولين الصينيين في المراكز والجامعات، ولوجود باحثين من أبناء الصين بالمركز، وسبق أن تعرّفتُ من بينهم على الدكتور (لي شيجون) الذي اتفقنا على تسميته بالدكتور «لطيف»، وهو كذلك (إذ لكلٍّ من اسمه نصيب) كما يقول المثل، اتصلتُ مع الدكتور المعيوف باللطيف ونسّقنا معه، وعلمتُ أن هناك مسافة بين المدينة التي نقصدها (جوانزو) ومقر عمله في جامعة (شانغهاي)، وعلمنا أنهم في العطلة الصيفية وأن الجامعة مغلقة، فاتفقنا مع الدكتور لطيف أن يزورنا في جوانزو، وكنتُ أحمل بعض أعمالي المطبوعة إهداءً للقسم العربي بالجامعة، علماً بأنّ لطيف يترجم بعض كتبي وغيري إلى اللغة الصينية، وقد بدأ فعلاً بـ «الصحافة في مئة عام»، وبعد وصولنا ببضعة أيام زارنا اللطيف وبقي معنا يومين ورافقنا في زيارة لبعض المراكز الثقافية وأولها المكتبة العامة بجوانزو. في صباحٍ ممطرٍ وصلنا إلى المبنى الضخم المكون من ثمانية طوابق، سألنا عن القسم العربي فوجدناه صغيراً لا يتجاوز بضع مئات، ولا وجودَ للكتاب العربي السعودي – سأتحدث عنه فيما بعد – وتجولنا في أقسام المكتبة بين مئات بل آلاف الباحثين في كل الأدوار؛ فهم كخلية نحلٍ. ذهبنا بعدها إلى متحفٍ متخصصٍ للفنون التشكيلية بجميع مدارسها، ومنها معارض شخصية لأبرز الفنانين، وأقسام متنوعة منها ما يتعلق بالعلماء والرواد وقادة تحرير الصين من الاستعمار الإنجليزي والياباني، فأبطال توحيد الصين وجمع شتاتها. كما زرنا أحد الأسوق التراثية والمقاهي وأماكن بيع الآلات والمستلزمات المستعملة قديماً والملابس التقليدية، وزرنا متحفاً يمثل مراحل تطور الصين في عهودٍ متعاقبةٍ. وجدنا فِرقَ تمثيلٍ وتصويرٍ لبعض المسرحيات والتمثيليات بين المباني القديمة التي أُعيدَ ترميمها، مع وجود أماكن للعرض مجهزةٍ سواء للأفلام أو المسرحيات، ورغم رذاذ المطر إلا أنه لم يعقنا عن جولةٍ مسائيةٍ، وكنا في غاية النشوة لولا وجود المقاهي والمطاعم الأمريكية («ماكدونالدز»، و«ستاربكس»، و«كنتاكي») والمنتشرة في كل مكانٍ في المدينة وغيرها من المدن التي زرناها مثل: «شينزن»، و«كولون». لا أبالغ إذا قلت إنّ فروع هذه المطاعم ليست بالعشرات بل بالمئات، وأغلب من يرتادها شباب الصين. وسمعتُ أنّ الوكيل الصيني أو الوكلاء يبقون المطعم بشعاره ولونه حتى لو خسر وقلّ رواده، وتجد المطعم يأخذ أكبر وأهم المواقع في المدينة. ومما لاحظتُه وجودُ صرافي العملات على أبواب الفنادق يصرفون العملات للسائحين، وكنتُ أعتقد أنهم مثل غيرهم في الدول الأخرى فيما يُسمى بالسوق السوداء تصرف للسائح بسعرٍ أعلى من البنوك الرسمية، والمفاجأة أنني ورفاقي عرفنا متأخرين بأنهم يصرفون بأقل كثيراً عن السعر الرسمي في البنوك، إذ يصرفون المئة دولار بـ 158 يواناً بينما السعر الرسمي يزيد على 171 يواناً، ولكنّ الكسل أحياناً يجعل أحدهم يصرف ما لديه بقرب الصراف منه ويستصعب الذهاب إلى البنك، والغريب عدم ملاحقة الصرافين المستغلين ومنعهم. ومما لاحظتُه وجودُ بعض المتسكعين شبه العراة تحت بعض الكباري، وليس عليهم إلا ما يستر عوراتهم – وهم رجال – يأكلون ويشربون، وقد استغربتُ وسألتُ فقيل إنهم يرفضون الذهاب إلى مراكز الإيواء. ولاحظتُ حالتين فقط للتسول بلا إلحاحٍ؛ فأحدهم يمر عليك في المقهى وهو يحمل كيساً على ظهره به علبٌ فارغةٌ ويقف بقربك وبكل أدبٍ يقول لك كلاماً غيرَ مفهومٍ وينصرف، وشحّاذةٌ أخرى في سوق الآلات الكهربائية ومعها عصِيٌّ (مغازل) تستعين بها على المشي لو أرادتْ، وتباشرك بالسلام عليكم وتدعو لك ثم تخرج لك علامة الصرف الآلي («علي باي» Alipay) للذي لا يحمل نقوداً؛ فيمكنه إعطاؤها من حسابه في البنك. ولعلي أعود قليلاً إلى كتاب سعادة السفير محمد البشر (حضارة الصين) الذي سبقت الإشارة إليه في المقال الأول عن زعيم الصين «ماو تسي تونغ» الذي توفي عام 1976م، والذي بموته انتهت حقبة من تاريخ الصين الحديث بعد أن قاد الصين في حربها ضد المستعمرين الأجانب وأسس دولةً قويةً عظيمةً متماسكةً... وقيل إنه تزوج ثلاث مرّاتٍ وخلّف خمسة أولادٍ، فقدَ ثلاثةً منهم أثناء النضال، كما فقدَ الرابع في ميادين القتالِ؛ حيث كان والده يزج به في الصفوف الأمامية، ويدعوه إلى الاستبسال، والخامس عاش حياته في ظروفٍ خاصةٍ، كما خلّف ابنتين ما زالتا تعيشان حتى يومنا هذا عيشةً بسيطةً جداً، وله حفيدٌ من ابنه ذي الظروف الخاصة... وبعد موت الزعيم وأثناء انعقاد اللجنة المركزية العاشرة للحزب عام 1977م تقدمت قائدة الأربعة (تسي تونغ) زوجة الزعيم المتوفى بوصيةٍ ادّعت أنّ الزعيم «ماو تسي تونغ» قد كتبها قبل وفاته بقليلٍ والتي تنص على أنه قد اختارها خليفةً له، واجتمع الحزب في العام نفسه، واتخذ قراراً لم يكن في حسبان زوجة الزعيم الراحل وأعوانها الأربعة؛ فقد رُفِضَت الوصية ولم يُؤخذ بها، بل إنّ الحزب الشيوعي الصيني أعلن موت «الثورة الثقافية» عملياً بموت صاحبها الزعيم «ماو تسي تونغ»، وتجريد الأربعة من مناصبهم الحزبية والحكومية بمن فيهم قائدتهم زوجة الزعيم... (ص 284). وقال السفير البشر إنه عاصر الرئيس «جانغ تسه مين» الذي سار على نهج سلفِه، واستمر في تبني سياسة الاقتصاد المفتوح ذي الخصائص الصينية، وحافظ على معدل النمو المرتفع، وقد عملتُ سفيراً فترة تولي فخامته الرئاسة، وعرفتُ عن كثبٍ القدرات الفائقة التي كان يتحلى بها، وقد ذكر لي فخامته أنّ تجاوز الأزمة الاقتصادية التي حلّت بآسيا عام 1995م لم يكن أمراً سهلاً، وكانت هناك عدة خياراتٍ لتجاوزها، لكنّ الحكومة الصينية اختارت تحمل الحلول الصعبة والمؤلمة للعلاج، وأمكنَ تجاوزها بنجاحٍ كبيرٍ... (ص 287). نعود إلى ما سبق الحديث عنه وإلى لقائنا بسعادة القنصل العام للمملكة بالصين وما بدأناه من حديثٍ عن ذكرياتِه، وجاء الحديث إلى عدد الطلاب السعوديين في جامعات الصين وأنهم يتجاوزون الألفين، وعن الملحق الثقافي السعودي في السفارة ببكين الأستاذ محمد العسيري، وعدم وجود الكتاب العربي السعودي في المكتبة العامة والمركزية في مدينة (جوانزو)، وأنّ مقرها بجوار المبنى الذي توجد به القنصلية، فقلتُ إنني زرتها وسألتُ عن الكتاب العربي، ورغم أنها مكتبةٌ ضخمةٌ من نحو ثمانية أدوار وأنّ الكتاب العربي محصورٌ بخزانةٍ صغيرةٍ برفوفٍ متقابلةٍ لا تزيد على ثلاثة رفوف (75×90 سم) وليس بها سوى عددٍ قليلٍ لا يزيد على 250 كتاباً متنوّعاً أكثرها من الكويت، منها نحو 30 عدداً من مجلة «عالم المعرفة» وبعض الكتب الإعلامية القطرية ومنوعاتٍ عربيةٍ مختلفةٍ، لم أجد ذكراً للمملكة فيها سوى الرواية المشتركة «عالم بلا خرائط» بين عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا، وروايةٍ لمحمد عبد الملك من البحرين. علّل القنصل بأنه حديث عهدٍ بالعمل في الصين، وأنه زار المكتبة وهو بصدد التواصل مع دارة الملك عبد العزيز ومركز الملك فيصل للدراسات والبحوث، وأنه سيتواصل مع الملحق الثقافي في سفارة المملكة لتزويد المكتبات العامة في أهم المدن الصينية بالكتب الثقافية والعلمية التي لا يُستغنى عنها للباحث والدارس. وذكرتُ أنّ مركز البحوث والتواصل المعرفي بالمملكة على علاقةٍ ببعض المراكز والجامعات في الصين، وأنّ جامعة شانغهاي بها قسمٌ للغة العربية، وأنّ الدكتور (لي شيجون) الذي يُدعى باسمه العربي المتعارف عليه «لطيف» وغيره من فريق الترجمة يعملون على ترجمة مختاراتٍ من المؤلفات الثقافية السعودية إلى اللغة الصينية، ومثلها مختاراتٌ من الأدب الصيني لترجمتها إلى اللغة العربية، وسمعتُ بوجود فرعٍ لمكتبة الملك عبد العزيز العامة ببكين فتساءلتُ عن دورها في تزويد المكتبات العامة في أمهات المدن في الصين بالكتاب السعودي، ولكني لن أكتفي بما سبق بل سأنقل ذلك للمركز المسؤول عنه الدكتور يحيى بن جنيد ولعلهم يزودون القنصلية والمكتبة العامة بجوانزو بما تُرجِمَ وغيرِه ليستفيد منها الباحثون؛ فقد وجدنا عدداً كبيراً من الطلبة يبحثون وقد خُصِّصَتْ لهم أماكنُ في جميع أدوار المكتبة الثمانية.