أيام «الطيّب صالح» في الدوحة.

وصل الأديب الروائي “الطيّب صالح” إلى “الدوحة” في عام 1974، وقضى فيها سبع سنوات مُديراً في وزارة الإعلام القطرية، ثم مُستشاراً لوزير الإعلام. وقد وصف “الدوحة” حين وفد إليها، بأنها: “بلدة صغيرة، كثيراً ما يجفّ ماؤها وتنقطع كهرباؤها، أحياؤها مُبعثرة، ومعمار بيوتها فوضى، وشوارعها مُتربة، والعيش فيها مُكابدة ومُعاناة..”! وفي الحقيقة فإن مثل هذا الوصف، من ضَعف الخدمات الأساسية وعدم اكتمال البُنية التحتية، لا يُستغرَب، فقد كانت كلّ مُدن الخليج في بداية السبعينيات لا تزال تخطو خطواتها الأولى نحو التطوّر والنهضة الشاملة في مُختلف المجالات. وربما فوجيء “الطيّب” بتواضع عُمران المدينة وانخفاض مستوى الحياة فيها، لأنه كان قادماً من عاصمة الضباب وقِمّة الحضارة “لندن”، حيث كان يعيش ويعمل في هيئة الإذاعة البريطانية، منذ أن هاجر من بلده “السودان” في شتاء عام 1952. ولذلك فهو يُتابع القول بأنه نشأ على ضِفّة نهر، وهو يعتاد بشكلٍ أسرع المُدن التي تقوم على ضِفاف الأنهار، ولذلك قضى زمناً وهو يُحسّ أن المدينة كأنها بلا مركز ثِقَل، وكأنها مُعلَّقة في الهواء.. ثم أنها لا توجد فيها سككٌ حديدية، فلا يسمع المرء ذلك الصوت المُثير؛ صوت قعقعة عربات القطار أواخر الليل! لكنه سُرعان ما ألِف “الدوحة” بعد ذلك وأحبّها كما هي، وقضى فيها عِدّة سنوات، استفاد تجربة ومعرفة، وعاشر خلال إقامته بها أقواماً من شتّى الجنسيات العربية والآسيوية والأوروبية. يتذكّر “الطيّب” أن ملكة بريطانيا “اليزابيث” حين قامت بجولة خليجية في عام 1979 تشمل “قطر”، وبصفنه مسؤولاً إعلامياً، كان يأمل من الصحفيين الإنجليز المُرافقين أن يستغلّوا زيارة ملكتهم، فينظروا إلى مُجتمع ليس معروفاً لقُرّائهم بعيونٍ مفتوحة، إن لم يكُن فيها عطفٌ فليس فيها كراهية! فماذا يضير قارىء صحيفة “الديلي ميل” أو “الديلي إكسبريس” أو “التليغراف” أن يقرأ ولو مرّةً واحدة شيئاً مُفيداً عن عالَمٍ بعيد مجهول؟ أليس ذلك خيرٌ له من أخبار الجرائم والفضائح والتّفاهات التي تطغى على صُحفهم؟ ولكن لسوء الحظّ، أمعنَ هؤلاء الصحفيون إلا القليل منهم في ضلالهم القديم.. فحين أُقيم تكريم للملكة في مخيّم بالبَرّ، تسلّل فريقٌ من أولئك الصحفيين إلى المطابخ، وراء الخيام حيث يُعَدّ الطعام، والتقطوا صوَراً مُدّعين أنها لفحص الطعام والتأكّد بأنه يُعَدّ بطريقة صحيّة، والحقيقة أن القصد من ذلك كان الإساءة والبحث عن العيوب! ولما سُئلوا عن في ذلك احتجّوا بحُريّة الصحافة، وهي شنشنةٌ قديمة معروفة عنهم. وأسوأ من هذا كلّه، أن هؤلاء الصحفيين حيثما حَلّوا في تلك الزيارة الملكية، كانوا يحسِبون أثمان الهدايا التي يُقدّمها حٌكّام الدّول المُضيفة إلى الملكة، ويٌبالغون في الحساب، ليوهموا قُرّاءهم أن هؤلاء القوم مٌبذّرون.. وهُم بذلك، إضافةً إلى ابتعادهم عن اللياقة، يتجاهلون الحكمة الإنجليزية القائلة: “لا تتفحّصْ فَم الحصان الذي يٌهدى إليك”! لم يلتفتوا إلى مظاهر العُمران الحديثة ولا الخُضرة التي انبثقت في هذا المكان اليباب، ولا إلى مصانع صهر الحديد وتسييل الغاز وتحلية المياه، وقالوا: أن هذه أشياء مُملّة لا تُثير خيال القاريء الإنجليزي، الذي يؤثر مواضيع ذات (بُعدً إنسانيّ)! لقد رأى “الطيّب” خلال السنوات التي قضاها في وزارة الإعلام أنماطً عجيبة من البشر، مرّوا أمام ناظره كما تمرّ الأشباح.. منهم الأفّاقون، والباحثون عن الشّهرة وعن أدوارٍ يلعبونها على مسرح الحياة، وقليل منهم المُخلِص في عمله والباحث عن الحقيقة. اتّفق “الطيّب” مع إحدى الصّحف الإنجليزية على نشر مُلحقٍ عن دولة “قطر”، اشترت منها الوزارة عِدّة صفحات بثمن كبير، لعراقة الصحيفة وسعة انتشارها، ثم صدر المًلحق، وإذا به يتضمّن مقالات مليئة بالأخطاء وسوء الفهم، اعترض “الطيّب” على ذلك، فردّوا بأن: “صحافتنا حُرّة، ومثل هذه المواد تُعطي للصحيفة مصداقيّتها، هذه هي الحقائق كما نراها، فهل تريدوننا أن نُغيّر الحقائق، لمُجرّد أنكم اشتريتم منّا بضع صفحات”!؟ وكان “الطيّب” يغضب ويحتدّ عليهم، ويقول: “أنا أفهم جيّداً ماذا تعني حُريّة صحافتكم، هل تُريد أن تُقنعني بأننا ندفع لكم مبلغاً ليس بالقليل، لتُصدروا مُلحقاً تشتمونا فيه..”!؟ كان بعض هؤلاء الصحفيين كأنّه يستيقظ من نوم، وكأنه نسي أن عهداً قديماً في الخليج قد ولّى إلى غير رجعة وأطلّ عهد جديد.. وأحياناً كان الواحد منهم حين يبلغ به الضّيق مبلغه وتعوزه الحُجّة مع “الطيّب”، يتفرّس في وجهه طويلاً، ثم يقول له بصوتٍ بارد: “أنت لست قطريّاً، أليس كذلك”!؟ وحين يصل أحدهم إلى هذا الحدّ، يشعر “الطيّب” أن يومه ذاك لم يذهب سُدى، إذ كان يعلم تماماً ماذا يقصدون بهذا السؤال! ولا يُنكر “الطيّب” أنه كان يقسو على الإنجليز بصفةٍ خاصّة، فهو أخبر بمسالكهم، وهو في حقيقة الأمر أكثر ميلاً إليهم من بقيّة الأوروبيين، فقد عاشرهم زمناً، وأكل من عيشهم وملحهم، وعَلِم عِلم اليقين أنهم رغم كلّ شيء وعلى عِلّاتهم، قومٌ خيرُهم أغلبُ من شرّهم.